العنوان رحمك الله. يا من ملكت القلوب
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 75
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 31
السبت 09-سبتمبر-2006
· «أنا متفائل بالمستقبل. والشباب هم الأمل»
· «الإسلاميون لا يسعون للسلطة وغايتهم إعلاء كلمة الله».
هناك أناس ميتون رغم أنهم أحياء. وهناك أناس يموتون عندما يحين أجلهم. وهناك أناس يملؤون الأرض حياة وحيوية فإذا ما ماتوا صاروا أكثر حياة عند ربهم يرزقون. وظلوا أحياء بين الناس بأعمالهم وآثارهم الطيبة.
أولئك كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ولا ينقطع عطاؤها وثمارها.﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (ابراهيم:25)
أولئك. الذين اختصهم الله لدعوته وخدمة دينه وحراسته، فنذروا أنفسهم وما ملكوا لله. وقتًا ومالًا ونفسًا ونفيسًا.
هكذا كان الشيخ عبد الله العلي المطوع «أبو بدر».
لقد عايشت هذا الرجل خلال العامين الماضيين بصورة يومية خلال متابعاته لمجلة المجتمع بموضوعاتها وتحليلاتها وافتتاحياتها وتوجهها وخطابها العام. فوجدت أنني أمام مدرسة فريدة في صناعة الفكرة والتخديم عليها وتقديمها للناس في أبهى صورة. ومدرسة فريدة في الغوص في قضايا الإسلام والمسلمين وصولًا إلى بيت القصيد في كل قضية. بعد متابعات دقيقة لتفاصيلها.
أشهد أن القضية الإسلامية بشمولها كانت تعيش في كيانه وتسري في عروقه. وتملك عليه كل فكره ومشاعره، وتنسيه تعبه وآلامه ومشاغله ومسؤولياته الضخمة. كثيرًا ما كان يقضي ساعات طوالًا في الحوار العميق الهادئ حتى منتصف الليل في غالب الأحيان. وأشفق على الرجل من التعب. فيقول: «إن كنت تعبت أنت. فلنكمل في الغد». لا أذكر أنه أغلق هاتفه إلا في لحظات نادرة، ولا أذكر أنني اتصلت عليه وتعذر الرد. إلا وبادر بالاتصال وهكذا كان يفعل مع الجميع.
كانت حواراته ومناقشاته ثرية وهادفة وراقية في اللفظ والمعنى. لم أشعر إلا أنني أمام مدرسة في الخلق الرفيع لفظا ومعنى. وكان دائم التشجيع والحث على امتلاك كل أدوات المعرفة لإخراج المجتمع في أفضل صورة.
في الفترة الأخيرة كان يراجع أطباءه ولم يشعرني يوما أنه متعب، بل إنني ظللت معه مرة في حوار امتد لساعات ثم أخبرني في نهاية الحوار أنه موجود على سريره، ويشعر بأن نصفه يكاد يكون مشلولًا. لكنه أصر على إنهاء ما بدأناه.
وفي الأسبوع الماضي اتصلت به كعادتي اليومية وأدرت حوارا حول موضوعات المجتمع. وعندما انتهيت قال بهدونه «أنا سأدخل الآن غرفة العمليات لمعالجة عيني. وليتك تتصل بي في المساء لإكمال حديثنا».
رجل يخجل من أمامه بجهده الفريد الذي يفوق جهد أي شاب، منذ صلاة الفجر حتى الحادية عشرة مساء أو الثانية عشرة أحيانًا وليس بينها إلا ساعة نوم واحدة في الظهيرة. رجل يخجلك بحلمه وتواضعه وخضوعه لله رب العالمين.
في الفترة الأخيرة طلب مني عدم نشر صورته إطلاقًا مع أي خبر، وعند وفاة نجله الأكبر بدر، يرحمه الله رفض نشر صورة له، على أن يكون خبر الوفاة مختصرًا. وقبل ذلك قال لي خلال حوار طويل، «إن المجتمع ليست ملكي، وإن كنت رئيس مجلس إدارتها، وإنما هي ملك لجميع المسلمين ومسخرة لقضايا الإسلام».
وهكذا. وعلى هذا المنوال كان الحوار يدور بيننا قبل وفاته بنصف الساعة فقط مركزًا على ما يجري في فلسطين، وطالبًا التركيز على الفصول الجديدة في مسلسل محاولات إسقاط حكومة حماس، وما يجري في العراق، طالبًا التركيز على ما يتكشف تباعًا من مخطط لتفتيت هذا البلد.
انظر إلى آخر عباراته وكلماته التي كنت أخطها بقلمي خلال حديثنا وهي مازالت غضة لم يجف مدادها. وإذا بصوت مدير مكتبه «الأخ أحمد» ، يدوي في أذني أبو بدر مات يا أخ شعبان. فأنطلق إلى المستشفى، وأدخل إلى غرفته المكتظة بأبناء العائلة، ويكشف لي نجله الفاضل عن وجهه الكريم، ويالها من حسن خاتمة لرجل صالح. لم أجد نفسي إلا ملقيًا برأسي على جبهته مقبلًا وداعيًا مع الداعين. لينتهي آخر لقاء لنا في الدنيا على أمل اللقاء في الآخرة إن شاء الله.
رحمك الله يا حبيبي. يا من امتلكت القلوب. بحلمك وشفافيتك.
رحمك الله يا أستاذي. ووالدي. رحمك الله أيها الوقاف عند حدود الله. دفاعًا عن حرماته وحياض دينه. رحمك الله أيها الكبير الشامخ في تواضع والمتواضع المتسامح في إباء. رحمك الله أيها الرجل الصالح.
رحمك الله يا عم أبو بدر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل