العنوان حتمية عقد القمة العربية :الدوافع والتحديات
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1596
نشر في الصفحة 28
السبت 10-أبريل-2004
الإسراع في عقد القمة يمثل لدى بعض الزعماء العرب ردًا مهما على التحديات الصهيونية التي أظهرت تشفيًا في تأجيلها.
هل ألغت تونس القمة بضغوط أمريكية ولتقديم أوراق اعتمادها لأمريكا وقبولها الإصلاحات.
وفقًا لما أبلغه وزير الخارجية المصري أحمد ماهر لصحفيين مصريين كبار، فقد كانت الساعات الأخيرة لعقد القمة العربية تسير بشكل طبيعي على عكس ما تسرب عن خلافات حادة، وأنه حتى الساعة العاشرة والثلث من مساء يوم ٢٧ مارس ٢٠٠٤ لم يكن قد تبقى من عشرات النقاط الخلافية سوى سبعة مسائل عالقة متوقع حلها.
ولكن لم تمض ثوان كما نقل رئيس تحرير مجلة «المصور» مكرم محمد أحمد ٢ أبريل ٢٠٠٤ عن ماهر- حتى رن التليفون المحمول الوزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى فانتحى جانبًا ليتحدث، وعاد بعد دقائق ليبلغ الوزراء المجتمعين بأن «قرارًا سياديًا قد صدر الآن بتأجيل القمة إلى موعد لم يتحدد وعندما طلب الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عقد لقاء بين الوزراء والرئيس التونسي لاستيضاح الأمر عاد الوزير التونسي ليطلب الإذن بالتليفون المحمول ثم رجع ليقول إن الرئيس «يعاني من أنفلونزا حادة تمنعه من الكلام»؟
وقد أثار الموقف التونسي تساؤلات عديدة حول المسؤول عن فشل القمة وهل هو خلافات الدول حول المشروع الختامي المفترض تقديمه للقادة العرب، أم الضغوط الخارجية الأمريكية تحديدًا؟ خصوصًا أن القمة كان مطلوبًا منها الرد على التصعيد الصهيوني في الأرض المحتلة واغتيال الشيخ ياسين ولو بقرار يحفظ ماء وجه الأنظمة أمام شعوبها الغاضبة، والبت في مسألة الإصلاحات الأمريكية برفض خطط التدخل الخارجية والتأكيد على إصلاحات من الداخل.
وزاد الموقف التونسي غموضًا أن المبرر الذي أعلنه فيما بعد بيان الخارجية التونسية لإلغاء القمة تحدث عن خلافات عربية «حول الإصلاح والتطوير وحقوق المرأة والمجتمع المدني»، إذ إن تونس متهمة من قبل العديد من القوى المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان انتهاك حقوق الإنسان ومنع نشاط المجتمع المدني ورفض الإصلاح، ومن غير المنطقي أن تتدخل لإلغاء المؤتمر لحرصها على هذه الإصلاحات الديمقراطية التي ترفض هي تطبيقها أصلًا!
وقد شكك مندوبون بالقمة في التفسير التونسي - في تقرير لوكالة رويتر- قائلين إن الرئيس زين العابدين بن علي مستاء لأن بعض الزعماء العرب كانوا لا يعتزمون الحضور «مما يضعف شكل تنظيم تونس للقمة»، كما أنه كان يريد- وهو الأهم- تقديم أوراق اعتماده الديمقراطية للولايات المتحدة «بإظهار أنه كان حريصًا على تلبية طلبات الإصلاح الأمريكية بيد أن الخلاف العربي حولها دفعه لإلغاء القمة».
ومع أن العديد من التقارير كانت تتنبأ قبل القمة بتأثيرات أمريكية على القمة وخطوط حمراء تم إبلاغها لتونس رئيسة القمة وقادة عرب آخرين، بدعوى الحفاظ على استقرار المنطقة، في أعقاب لقاء الرئيس التونسي بن علي والرئيس الأمريكي بوش في واشنطن، فلم يتوقع أحد أن يكون التدخل والضغط الخارجي والاستجابة العربية له بهذا الشكل.
وقد بلغ الأمر بالرئيس المصري حسني مبارك الغاضب من الموقف التونسي والذي وصفه بأنه «مؤسف وفردي» حد الحديث ضمناً عن هذه الضغوط الأمريكية على تونس. فعندما سألته قناة أوربت الفضائية يوم۲۸ مارس ۲۰۰٤ في حوار حول ما جرى للقمة، عن العلاقة بين قرار تونس وتأجيل القمة وبين زيارة الرئيس بن علي لواشنطن ولقائه بالرئيس بوش- كان رد الرئيس المصري: «الكلام شائع في هذه النقطة، وقد سمعت به لكنني لا أعتقد أنه حقيقي إلى هذه الدرجة».
هناك إذن سبب رئيس محتمل لإفشال القمة يتمثل في الحرج العربي من الضغوط الأمريكية من قبل إدارة بوش المتعصبة التي لم تتورع عن وصف الحكومات العربية بأنها غير ديمقراطية وأن من لا يكون منهم مع بوش فهو عليه خاصة أنه تأكد أن هناك ممثلين لحماس يشاركون في القمة ضمن الوفد الفلسطيني وهو ترفضه أمريكا بالطبع.. أما بقية الأسباب تعود فعلًا لخلافات عربية حول أولوية النقاط المطروحة ولكن دون أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
فليس سرًا أن القادة العرب اتفقوا على تفعيل مبادرة السلام العربية التي سبق طرحها في قمة بيروت عام ۲۰۰۲، وإعادة طرحها مرة آخري على قمة تونس رغم أن شارون استقبل طرحها في المرة الأولى باجتياح وإعادة احتلال الضفة الغربية، والجديد هذه المرة أنهم اكتشفوا أن الجامعة العربية- بسبب عقم أجهزتها وعدم وجود جهة لتفعيل قرارات القمم العربية أصلًا(!)- لم تفعل شيئًا لتسويق المبادرة عقب طرحها في قمة ۲۰۰۲ فقرروا إعادة طرحها وتسويقها هذه المرة في قمة ٢٠٠٤ بجولة للأمين العام على الدول الأوروبية وأمريكا.
وكما فعل شارون في المرة الأولى، فقد عاد قبل انعقاد القمة ليغتال الشيخ ياسين ويصعد الاعتداءات، والتهديدات ضد سورية، ولبنان، وتزامن هذا أيضًا مع بدء تنفيذ واشنطن عقوبات ضد سورية.. وكان من الطبيعي بناء على هذه التطورات الجديدة أن تتصدى دول مثل سورية ولبنان وفلسطين لملفات القمة وتطالب بتأخير بند الحديث عن إصلاحات عربية «هي في التصور النهائي نتاج رضوخ المطالب أمريكية»، والتركيز على النص على تعزيز المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال وإرجاء الحديث عن تفعيل مبادرة السلام العربية.
وهنا نشبت الخلافات التي يتحدثون عنها في القمة بين من يطالبون ببقاء جدول الأعمال كما هو والتركيز على إصلاح الجامعة العربية وإصلاح الحكومات العربية «رغم ما به من شبهة استرضاء أمريكا والرضوخ لضغوطها»، ومن يطالبون بالاستجابة لرغبات الشارع العربي ووقف استراتيجية السلام العربية الفاشلة تجاه الصهاينة طالما لم يقبل الكيان الصهيوني أي مبادرة سلام عربية واحدة، بل وتحلل شارون مما جرى توقيعه في أوقات سابقة.
هل يتحدى العرب واشنطن؟
ولأن فض القمة وإلغاءها يصب عمليًا في مصلحة أمريكا و«إسرائيل» ويهدم ما يسمى النظام الإقليمي العربي الموحد ويثبت حالة ضعف النظم رسميًا عن مجرد الاجتماع رغم القناعة المسبقة بأن القمم المختلفة لا تقدم ولا تؤخر، فقد كان من الطبيعي أن تسارع الدول العربية الكبرى وعلى رأسها مصر والسعودية وسورية لإنقاذ الأمر ليس من باب تحدي أمريكا ولكن من باب إنقاذ ماء وجه الأنظمة أمام شعوبها إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا وينهار أو يتغير هذا النظام الإقليمي العربي فعلًا لا شكلًا، خاصة أن المظاهرات الشعبية باتت تهدد معظم الأنظمة منذ احتلال العراق وتصاعد الحرب في فلسطين المحتلة.
وهذا سر إسراع القاهرة بإنقاذ الأمر وعرض استضافة القمة بمدينة شرم الشيخ بدلًا من تونس، وقيام الرئيس المصري بعقد لقاءات ومشاورات مع رؤساء قرابة ١٢ دولة عربية الضمان الحد الأدنى من الموافقة على عقد قمة في شرم الشيخ تقر على الأقل ما سبق أن اتفق عليه وزراء الخارجية في تونس.
صحيح أن القمة الجديدة سيكون عليها رفع مستوى التمنيات بالنسبة للمواطن العربي في قرارات القمة وعدم الاكتفاء بالسقف المنخفض لهذه التوقعات في القرارات التي كان من المفترض صدورها، ولكن تبقى مسألة عقد القمة في حد ذاتها إنجازا من وجهة نظر الزعماء العرب على الأقل للرد على التحديات الصهيونية التي أظهرت تشفيًا في عدم عقد قمة تونس واعتبرت إلغاء القمة مؤشرًا على تغير العرب وتحولهم عمليًا من التطرف إلى الاعتدال!
حيث نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول صهيوني أن «تأجيل القمة إشارة إيجابية تكشف أن العالم العربي يتغير، وأن العدائية حيال «إسرائيل» لم تعد تكفي لتشكيل قاسم مشترك» بين الدول العربية وأن «الوحدة بين العرب شجعت المتطرفين على الدوام»!!!، كما ربط المسؤول الصهيوني بين قرار تأجيل القمة و«الأزمة التي يمر بها العالم العربي إثر التدخل الأمريكي في العراق»!!.
هل يمكن القول بعد ذلك إن عصر الجامعة العربية إلى أقول، وإن عصر المقاومة والتغيير الشعبي، وتحرك المجتمع المدني والمؤسسات الشعبية العربية قادم بعدما رفعت معظم الأنظمة يدها عن غالبية قضايا الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل