; قراءة في كتاب واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في كتاب واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب

الكاتب محمد حكمت

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988

مشاهدات 90

نشر في العدد 870

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-يونيو-1988

إن الذي أوجد التطرف هو الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله ثم تقوم بتذبيح المسلمين.

الوجود اليهودي في الأرض الإسلامية اليوم رافد من روافد الصحوة الإسلامية.

هذا هو آخر كتاب يصدره المفكر الإسلامي محمد قطب، وقد أفرغ فيه خلاصة فكرية ناضجة وتجربة إسلامية غنية تصف واقع المسلمين اليوم وتحلل جذور المشكلات التي يعانون منها. وقد قام المؤلف بتشخيص خطر الانحراف الذي أصاب المجتمع الإسلامي وبدأ الهبوط به بعد الذروة العليا التي كان عليها جيل الصحابة والخلفاء الراشدين، ثم حلل آثار هذا الانحراف الذي طرأ على المجتمع الإسلامي.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الصحوة الإسلامية المعاصرة بما تشكله من آمال كبار وما يعترض طريقها من مشكلات إلى أن ينتهي بنظرة إلى المستقبل، كل ذلك في عرض مفصل شيق وبأسلوب رصين معتدل.

وهو وإن فصل بحكم المعايشة في تجربة مصر في هذا المجال، إلا أن ما ينطبق على مصر ينطبق على كثير من البلدان العربية والإسلامية سواء على الصعيد الإسلامي أو على الصعيد العلماني. ويقع هذا الكتاب النفيس في خمسة فصول.

 

جيل إسلامي فريد

يتكلم المؤلف في الفصل الأول عن الجيل الإسلامي الفريد الذي رباه الرسول صلى الله عليه وسلم فكان الجيل الذي تم فيه اللقاء بين المثال والواقع فترجم مثاليات الإسلام إلى واقع، وارتفع بالواقع البشري إلى درجة المثال، وكيف كان هذا الجيل يتحلى بصدق الإيمان فيه، وجديته في الأخذ من الكتاب والسنة.

وبعد ذلك يصف كيف أنشأ هذا المفهوم السليم خير أمة أخرجت للناس، أمة العقيدة التي لم تتحقق في أي تجمع آخر من تجمعات التاريخ وكيف قامت هذه الأمة بتحقيق العدل الرباني في واقع الأرض مستوحيًا بعض الدروس التربوية من السنة المطهرة، وسيرة الفاتحين المسلمين الأوائل مع أهل البلاد المفتوحة.

ثم يذكر أخلاقيات «لا إله إلا الله» التي حكمت المجتمع المثالي المسلم، وكيف وعى الجيل الأول هذه الحقيقة بكل عمقها وكل فعاليتها وكيف ترجمت هذه المعاني السامية إلى حركة إسلامية علمية- بعد أن لم يكن لدى العرب رصيد علمي سابق- وإلى حركة حضارية إسلامية، مبينًا أنه في جميع الأحوال لا تنفصل الأشكال المادية التنظيمية عن القيم المصاحبة لها.

 

خط الانحراف

يبين المؤلف في الفصل الثاني كيف بدأ خط الانحراف في العهد الأموي، بالانتقال من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم. وذكر جانبًا من بحبحة خلفاء بني أمية في الإنفاق من بيت المال، وعنفهم في معاملة خصومهم السياسيين من جهة، ومن جهة أخرى قعود الأمة عن مراقبة حكامها.

ومع ذلك فقد غلب الخير على الشر في ذلك المجتمع، واتسعت الفتوح الإسلامية وبقيت الأمة في مجموعها تتعامل بأخلاقيات لا إله إلا الله.

وعندما جاء العباسيون زاد العنف السياسي ضد خصومهم، وأصبحت الخلافة وراثية كما ظهرت فتنة الفرق وظهر الفكر الإرجائي بكل سلبياته وهو القول بأن الإيمان هو التصديق بالقلب وإخراج العمل من مسمى الإيمان. كما زاد الترف في العصر العباسي الذي رافقته فتنة كثرة الجواري والجواري المغنيات اللواتي ملأن قصور الخلفاء والأمراء والوزراء والأغنياء من التجار وكان بينهن يهوديات ونصرانيات تنطوي قلوبهن على حقد خبيث على الإسلام.

ولكن كان الإسلام ما زال باقيًا، وكانت جذوة العقيدة قد علاها الغبار بتأثير المعاصي والبدع ولكنها حية، فما أن جاء صلاح الدين وقطز حتى اشتعلت الجذوة من جديد وانتصر المسلمون على الصليبيين والتتار.

ويتحدث المؤلف عن انحراف آخر أصاب المجتمع العباسي وهو نشوء الصوفية السلبية الانعزالية التي تدعو لإهمال الحياة الدنيا وإهمال تعمير الأرض، مما ساعد على شيوع التواكل بدلًا من التوكل، وتحولت عقيدة القضاء والقدر من عقيدة إيجابية دافعة إلى عقيدة سلبية مخذلة.

ويذكر أن ما جاء في تاريخ الصوفية من علماء وزهاد ومجاهدين، لا ينطبق عليهم حكم الصوفية المنحرفة، وهم في الحقيقة زهاد وإن ألحقوا بالتصوف، وهم قلة في تاريخ الصوفية.

ثم يتحدث المؤلف عن قيام الدولة العثمانية ورغبتها في خدمة هذا الدين وبذل الدماء والأموال في سبيل ذلك، وكيف أنها حمت العالم الإسلامي من غزوات الصليبيين لمدة خمسة قرون متوالية. لكنه يذكر أيضًا أنها كانت دولة غير مستعربة ومارست استبدادًا سياسيًّا بسبب طبيعتها العسكرية مع سوء في نظام الولاة.

 

آثار الانحراف

يشير المؤلف في هذا الفصل إلى الآثار التي نتجت عن خط الانحراف السابق، وخاصة في القرنين الأخيرين من الزمان حتى نرى كيف وصلنا إلى واقعنا المعاصر الذي نعيشه في هذه اللحظة، ويفصل ذلك في عدة أبواب.

ويذكر أن التخلف العقيدي كان أول هذه الآثار، فقد ضمرت العقيدة تدريجيًّا في حس الناس وواقع الحياة حتى أصبحت في النهاية تقال ولا تعمل، وصار عند الناس إسلام بلا أخلاق حتى وصل الأمر إلى ذروته في القرن الأخير خاصة حيث نُحِّيت الشريعة الربانية عن الحكم على يد الغزو الصليبي الحديث.

وفي الباب الثاني يتحدث المؤلف عن التخلف العلمي والحضاري والاقتصادي والحربي والفكري والثقافي. فبعدما تخلف المسلمون عقيديًّا، طردوا ما ازدهر في عصور الإسلام الأولى من علوم الفلك والطب والكيمياء من معاهدهم ليقتصروا على العلوم الشرعية مع ما في دراستهم للعلوم الشرعية ذاتها من تخلف، وتفشت الأمية والجهل.

ومن أسباب هذا التخلف التقاعس والتواكل والضعف العلمي ووهن العزائم والانصراف عن عمارة الأرض والرضا بالفقر على أنه قدر من الله لا ينبغي السعي إلى تغييره خوفًا من الوقوع في خطيئة التمرد على الله.

أما فيما يتعلق بالحقد الصليبي، فقد بيَّن المؤلف كيف أن أوروبا رغم أنها هجرت دينها إلا أنها ما زالت تشعر بالحقد الصليبي تجاه المسلمين.

ثم يتحدث المؤلف عن دور محمد علي باشا الذي تعاون مع فرنسا ضد الخلافة العثمانية وكيف بدأت البعثات العلمية لفرنسا بدون تخطيط وتحصين للشباب الموفدين الذين حملوا معهم علوم العصر وفساده في نفس الوقت مثل رفاعة الطهطاوي.

ثم يتحدث المؤلف عن دور الاحتلال البريطاني وإفساده وسائل التعليم ومهاجمة عقائد الإسلام عن طريق الصحافة المستحدثة وإشاعة الفاحشة عن هذا الطريق ومهاجمة المرأة المسلمة وحجابها. وتحدث كذلك عن قضية تحرير المرأة وبيَّن أن القضية ليست قضية تحرير المرأة ولا قضية الرجل وإنما هي قضية الأمة الإسلامية كلها بجميع رجالها ونسائها وأطفالها وحكامها وعلمائها وكل فرد فيها. وذكر كيف أن مظاهرة النسوة في ميدان قصر النيل أمام ثكنات الجيش الإنجليزي عام 1919 كانت مسرحية قادتها صفية هانم زوجة سعد زغلول، إذ سارت المظاهرة حتى وصلت أمام الثكنة وإذا بالنساء يلقين بحجابهن على الأرض ويدسنه. ومنذ ذلك اليوم سمي الميدان بميدان التحرير، ليس تحرير مصر من عساكر الإنجليز ولكن تحرير المرأة المصرية من حجابها. لقد كانت المرأة مظلومة فعلًا ووضعها بحاجة إلى تصحيح لرد الكرامة إليها، ولكن تصحيح ضمن مُثُل الإسلام، وليس خروجًا عليه.

 

الفكر والأدب

قام الإنجليز بتخريج جيل من الزعماء في اتجاهات مختلفة منهم: لطفي السيد، قاسم أمين، محمد عبده، سعد زغلول الذين كانوا كلهم من رواد صالون نازلي فاضل وهي أميرة متحررة من أميرات أسرة محمد علي، كان من أكبر رواد صالونها اللورد كرومر نفسه. وكانت الساحة خالية من القادة الطبيعيين لهذه الأمة وهم علماء الدين. وعلى العكس فحتى الشيخ رشيد رضا ومحمد عبده كانا يقدمان فتاوى تبريرية لا تبين موجبات التوحيد على الصورة الربانية التي عرفها السلف الصالح. وقام بعض المفكرين يدعو لأخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها كما قال من بعد طه حسين.

الانقلابات العسكرية واستخدام الاشتراكية لحرب الإسلام

ثم يذكر المؤلف كيف خطط البيت الأبيض لأن يستعين بالنظم الاشتراكية في ضرب الإسلام واستعان في ذلك بأعوان وحدد لهم خطوطًا للعبة، فإذا اغتروا بأنفسهم وظنوا أنهم قوة حقيقية وأقاموا انقلابًا شيوعيًّا تذبحهم أمريكا ذبحًا كما صنعت في إندونيسيا عام 1965 وفي السودان عام 1970.

الصحوة الإسلامية

أغفل أعداء الإسلام أن الذي يدبر الأمر في هذا الكون العريض كله ليسوا هم، إنما هو الله، وأغفلوا كذلك أن هذا الدين هو دين الحق الذي تنبض به قلوب المسلمين. وقد ميز هذه الصحوة:

1.     أن الذين يحملون هذه الدعوة هم الأفندية وليسوا المشايخ.

2.     أنها لا تقف موقف الجمود من الحضارة الغربية ترفضها جملة أو تقبلها جملة، وإنما تكررت عملية الانتقاء من الحضارات التي حصلت في تاريخ المسلمين الأوائل.

3.     أنها تقول للناس إن ما أصابهم من التخلف في جميع الميادين ليس سببه الإسلام إنما سببه البعد عن الإسلام.

4.     انتشارها انتشارًا كبيرًا في صفوف المثقفين بالثقافة الحديثة من أطباء ومهندسين وطلاب جامعة في شتى الاختصاصات.

ولقد أثار ذلك مخاوف الإنجليز منذ البداية فضغطوا على النحاس باشا ليمنع ترشيح حسن البنا عن دائرة الإسماعيلية. وتوالت الأحداث من اعتقال وتعذيب وتشريد بعد أن اجتمع سفراء الدول الأجنبية مع قواد القوات البريطانية في مدينة «فايد» بالإسماعيلية وأرسلوا إنذارًا إلى الحكومة المصرية بضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين.

وبلغت الأحداث ذروتها بمقتل الإمام الشهيد عام 1949 ثم تكررت الضربة ضد الإسلام على يد حكام عسكريين يتسمون بـ: 1- جنون العظمة، 2- قسوة القلب، 3- بغض الإسلام.

وأقام عبد الناصر مذبحتين للمسلمين من أبشع مذابح التاريخ، الأولى عام 1954–1955 والثانية عام 1965–1966، وعندها تفرق عدد كبير من التجمع الذي كان قد تحلق حول الإمام الشهيد ولم يثبت للضربة القاصمة إلا الذين تربوا بالفعل على يد الإمام الشهيد والذين كان- في تقسيمه- يسميهم الإخوان العاملين.

 

قضية الحكم على الناس

يشير المؤلف إلى أن قضيتنا الأولى والكبرى ليست هي الحكم على الناس بأنهم كفار أو مسلمون، إنما هي قضية تعليمهم حقيقة الإسلام، على أن هذه الكتل المتميعة من الجماهير لن تعارض الحكم الإسلامي حين يقوم سواء بدافع السلبية المسؤولة عليها أو بدافع العواطف الدينية التي تستولي عليها حين يذكر الإسلام.

 

التطرف

إن الذي أوجد التطرف هو الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله ثم تقوم بتذبيح المسلمين وتقتيلهم حين يطالبون بتحكيم شريعة الله. والذين يحاربون التطرف هم حقيقة لا يريدون الاعتدال وإنما يريدون ثني الشباب عن المطالبة بتحكيم شرع الله، ولا يمكن القضاء على التطرف إلا بإزالة أسبابه أي باستجابة الحكام لأمر الله لهم أن يحكموا بما أنزل الله.

 

نظرة للمستقبل

إن الصحوة الإسلامية حقيقة واقعة تبعث الأمل في المستقبل كما أن العالم الإسلامي يمر بفترة سيئة في الوقت الحاضر. إن سنة الله غالبة بنهاية الحضارة الغربية ولكنها لن تنهار بالسرعة التي يتخيلها بعض الناس لما تحمل من قوة العلم، والصبر على العمل، وعبقرية التنظيم، والروح العملية لحل المشاكل، ولكنها مع ذلك لا تملك التوقف عن الانهيار الذي هي صائرة إليه حسب السنن الربانية ما دامت مصرة على معاندة كل ما يأتي من عند الله. الوجود اليهودي في الأرض الإسلامية اليوم رافد من روافد الصحوة الإسلامية، فاليهود رغم ذكائهم الشرير يعملون ضد صالحهم فهم يذلون المسلمين ويتوسعون على حسابهم، وهم ينشئون بذلك رد فعل دائم يتزايد باستمرار، إن بواعث الصحوة كلها موجودة منها ما هو قائم ومنها ما هو قادم في الطريق والله هو الذي يدبر الأمور.

وهكذا يختتم المؤلف حفظه الله وأمد في عمره هذا السفر النفيس بما فيه من عمق في التفكير وأصالة في الانتماء وثبات على دعوة الحق. ونحن إذ نشكر لمؤلفنا الكريم هذا الجهد الرائع كنا نتمنى عليه لو أنه قام بتوثيق الحوادث التاريخية التي يسردها والشواهد الفكرية والدينية التي يذكرها، فذلك يزيد من قيمة الكتاب العلمية بالإضافة إلى قيمته الدعوية.

ونحن قد لاحظنا اعتذار المؤلف عن ذلك بفقده لما جمعه من قصاصات الصحف والمصادر في ظروف المحنة التي مرت على الدعوة في مصر، ومع ذلك فنحن نطمح إلى أن يتدارك المؤلف هذا النقص في الطبعات التالية من هذا الكتاب حتى يتم به النفع.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

الرابط المختصر :