العنوان الالتزام الديني.. حقيقته وثماره (3) العمل الجماعي: فريضة شرعية.. ضرورة بشرية.. وسنة كونية
الكاتب علي الصفتي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000
مشاهدات 84
نشر في العدد 1403
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 06-يونيو-2000
* طريق المسلم للقيام بالفرائض ومواجهة أهل الكفر والإلحاد
في المقال الأول من هذه السلسلة، تحدثنا عن الالتزام: فضله، ومعناه، والأدلة على وجوبه، ونوعيه: العام من: التزام نحو الله عز وجل ورسوله ﷺ، والتزام نحو النفس، ثم نحو الأهل والأقارب، وأخيرًا نحو الأمة والمجتمع.. أما نوعه الخاص، فقد تحدثنا فيه عن ضرورة لزوم العمل الجماعي، مستعرضين ثماره الكبيرة في هذا الإطار عبر نقاط محددة.. واليوم نتناول «لزوم العمل الجماعي في ميزان الإسلام».
بعض الناس يظن أن لزوم الجماعة ليس أمرًا حتميًا، وإنما هو تطوع، من أراد أن يلزم العمل الجماعي لزمه، ومن يرغب عنه، فلا حرج.
إن لزوم العمل الجماعي ليس تطوعًا، أو منة من أحد على الله، بل هو فريضة شرعية، وضرورة بشرية، وسنة كونية.
أما أنه فريضة شرعية، فالأدلة كثيرة منها:
أ- النصوص الشرعية الكثيرة التي بينت ذلك صراحة أو ضمنًا كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: ٢): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران: ١٠٥).
وكقوله ﷺ: «وإياكم والفرقة، وعليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» (١).
«يد الله مع الجماعة» (۲)، «من فارق الجماعة شيرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (۳)، «وأنا أمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة؟ والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج من الجماعة شيرًا واحدًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع» قالوا يا رسول الله: وإن صلى، وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم» (٤)، «إن الشيطان ذئب الإنسان، كذاب الغنم يأخذ من الغنم القاصية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة» (٥).
«... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» (٦)، ردًا على حذيفة بن اليمان حين قال للنبي ﷺ: «فما تأمرني؟» إلى غير ذلك، من النصوص التي تدل دلالة لا تحتمل تأويلًا على فريضة لزوم الجماعة، وتبين أن البعد والتفرد والعزلة، تعني الشتات، والذل، والهوان في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة.
ب- ولأن هذا هو المنهج الذي سلكه رسول الله ﷺ في تشييد دولة الإسلام الأولي، والتمكين لدين الله في الأرض، فقد حرص ﷺ لأول وهلة على الظفر والانحياز إلى جماعة تؤيده وتؤازره، وتعينه على أمره، وكان يقول للناس -وهو يعرض نفسه عليهم في موسم الحج، وفي أسواقهم العامة كعكاظ وغيرها- «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ رسالة ربي فإن قريشًا منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟» (7).
وما زال كذلك حتى قيض الله له نفرًا من الأوس والخزرج، حملوه إلى المدينة المنورة، وبذلوا الأرواح والمهج، فداء له ولدعوته حتى تمت كلمة ربه الحسنى، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وإذا كان هذا هو المنهج الذي سلكه رسول الله ﷺ دون غيره في إقامة دولة الإسلام، فإن الواجب والمفروض علينا أن نقتدي وأن نتأسی به ﷺ حيث لم يرد دليل بأن هذا من خصوصياته ﷺ، ولنا في رسول الله الأسوة والقدوة: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١).
ج- ولأنه الطريق لقيام المسلم بالواجبات المفروضة عليه، ولا سيما واجب الدعوة إلى الله والبلاغ... وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولعل هذا هو السر في توجيه الخطاب بالنسبة لهذه الواجبات - إلى الجماعة كلها، لا إلى فرد بعينه، إذ يقول سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (الحج: ٧٨)، ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (التوبة: ٤١)، ويقول النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» «أخرجه أبو داود ٣/ ٢٣، ٢٥٠٤».
ولأن هناك طائفة من التشريعات يمكن للمسلم أن يؤديها بصورة فردية، بيد أن الإسلام أكد فيها على معنى الجماعية وشدد على ذلك مثل صلاة الجماعة، يقول ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» «أخرجه البخاري كتاب الجماعة، والإمامة، ۲۳۱/۱، ومسلم في الصحيح كتاب المساجد ١/ ٤٥٠، ٤٥١، رقم ٢٤٩، ٢٥٠ (٦٥٠)، كلاهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما».
وقوله: «لقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام ثم أمر رجلًا فيصلي بالناس ثم انطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (أخرجه البخاري ومسلم).
ومثل الصيام المفروض في رمضان فإنه مشاركة جماعية، ومساواة في الجوع في فترة معينة من الزمن، ومثل الحج، فإنه ملتقى عام للمسلمين من كل عام، وأبعد من هذا حرص الرسول ﷺ على أن يجتمع المسلمون حتى في المظهر الشكلي، فقد رآهم يومًا، وهم يجلسون متفرقين، فقال لهم: «اجتمعوا فاجتمعوا، يقول راوي الحديث: فلو بسط عليهم ثوبه لوسعهم...».
وانطلاقًا من ذلك نستطيع القول: إنه إذا كان العمل الجماعي مؤكدًا ولازمًا في التشريعات التي يمكن أن تقع بصورة فردية، فإنها تكون- من باب أولى أشد تأكيدًا وأكثر إلزامًا من تلك التي لا يمكن أن تقع كاملة إلا بصورة جماعية، مثل الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والجهاد، ولا سيما في هذا العصر، الذي أمسك فيه الباطل بزمام الحياة، وتعبد الناس بمنهج غير المنهج الرباني لله عز وجل.
وأما أنه ضرورة بشرية فلأدلة منها:
أ- أن الكفار والمنافقين -كما هو معلوم، و مشاهد من أحوالهم- يقفون موقف التكتل، والتحزب من الإسلام والدعوة إليه، فتراهم يحشدون، ويتعاونون فيما بينهم في شكل أحلاف عسكرية «حلف وأرسو -سابقًا- حلف الأطلنطي»، وفي شكل أسواق تجارية «السوق الأوروبية المشتركة»، وفي شكل برلمانات، وهيئات سياسية «البرلمان الأوروبي» وفي شكل اتحادات جمهورية، وولاياتية «جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقًا- الولايات المتحدة الأمريكية»، وكل هذا من أجل السيطرة على ديار المسلمين لابتزاز ثرواتهم، وإذلالهم، واضطرارهم إلى أحد أمرين: إما الكف، وإما القبيل، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: ٦٧)، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠)، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ﴾ (البقرة: ٢١٧).
والرد العملي على هؤلاء أن يلزم المسلم إخوانه فيكون لهم عمل جماعي قادر على مواجهة أهل الكفر والإلحاد وكبح جماحهم، بل وعامل على زحزحة وإزاحة هؤلاء من طريق البشر ليعيشوا أحرارًا، وقد نبه الحق سبحانه وتعالى إلى ذلك جين قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: ٧١)، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: ٧٣)، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: ٣٦).
ب- أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في هذا الكون، وأن يكون سيدًا فيه دون أن يعينه أو أن يعاونه الآخرون، وقد قدمنا على ذلك مثالًا من الواقع ألا وهو رغيف الخبر، أبسط شيء وأيسره، في هذه الحياة، فكيف إذا تعدى الأمر إلى العمل من أجل حماية دين الله، ونشره في العالمين؟ وإن ذلك يفرض على المسلمين -كبشر يريدون حق الحرية والحياة- أن يكونوا صفًا واحدًا يشد بعضه بعضًا كالبنيان المرصوص.
وأما أنه سنة كونية: فلما هو مشاهد في هذا الوجود، من أن كل مجموعة متجانسة تتعاون، وتتآزر فيما بينها لتحقيق ما خلقت له، فها هي المجموعة الشمسية، تتعاون لتوفير الضياء، والدفء لسائر الكائنات الحية، وها هي جماعة النحل تتعاون في بناء بيوتها، فتنظفها وتوفر الحماية لها ثم تسرح لتمتص رحيق الأزهار، لتخرجه في النهاية عسلًا مصفى فيه شفاء للناس، وقل مثل ذلك في جماعة النمل وباقي المخلوقات، وليس الإنسان بدعًا من هذه المخلوقات، وإنما هو واحد منها، تقوم حياته بضرورياتها وكمالياتها على معنى التعاون والتآزر.
قال الشاعر:
الناس للناس من بدو وحاضرة *** يعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وإذا كان هذا شأن الإنسان في شؤون الحياة الدنيا، وهي فانية، فأولى أن يكون كذلك في شؤون الآخرة الباقية، وهكذا يظهر مما قلنا إن لزوم العمل الجماعي، أمر حتمي، حتمية الصلاة والزكاة والصيام والحج، بالم من تركه بغير عذر، ويعظم إثمه، ويشتد جرمه حين يحارب الملتزمين به، أو يناصبهم العداوة والبغضاء.
الهوامش
(1) سبق تخریجه (۲) سبق تخريجه
(3) أخرجه أبو داود في السنن: ٢٤١/٤ رقم ٤٧٥٨.
(٤) تخريجه في شرح حديث «أمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث».
(٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ۲۱۹/٥.
(٦) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري في الصحيح ٩/ ٦٥، ومسلم في الصحيح كتاب الفتن ٣/ ١٤٧٥، ١٤٧٦.
(7) اخرجه أبو داود ١٠٣/٥ رقم ٤٧٣٤.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل