العنوان عقدة الأمن حملته إلى السلطة.. فمتى تسقطه؟ سنة سوداء.. يا شارون !
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002
مشاهدات 90
نشر في العدد 1488
نشر في الصفحة 31
السبت 09-فبراير-2002
سنة أمضاها مجرم الحرب العتيد شارون في رئاسة الحكومة الصهيونية كانت كافية لتأكيد أن عقلية «البلدوزر الأعمى» لم تتغير. فما فعله شارون منذ وصوله للسلطة لا يعدو أن يكون انتقالًا من خيار الحرب الصامتة ضد الفلسطينيين إلى الحرب المعلنة عليهم.
عند العودة إلى ماضي شارون، أو «إريك» كما يناديه البعض، نكتشف أنه ليس مجرد إسرائيلي كريه على حد تعبير وزير العدل الأسبق يوسي بيلين فتاريخ شارون ارتبط بالمجازر الدموية ضد العرب والتي لم يأسف عليها يومًا بل يعتبرها مصدر فخر له، أما الأسف الوحيد الذي أعلن عنه فهو أنه لم يصفي رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات إبان غزو لبنان عام ١٩٨٢م!.
تاریخ شارون حافل بالإجرام منذ «بواكير شبابه» ففي ١٤ أكتوبر ١٩٥٣م أمر اللفتنانت شارون الذي لم يكن يتجاوز وقتها الخامسة والعشرين من العمر بتفجير منازل قرية قبية العربية بمن فيها، في مجزرة أوقعت ٦٩ شهيدًا من المدنيين.
ومع المواجهات الدامية التي خاضها في قطاع غزة بعد أن احتله الصهاينة في عام ١٩٦٧م تبين أن هذا المجرم العاتي في الإجرام، حريص على إبادة المقاومة الفلسطينية بأي ثمن، إذ بدأ حملة ملاحقات حثيثة لرجال المقاومة، وقام بإعادة تخطيط مخيمات قطاع غزة كي تتمكن القوافل العسكرية للاحتلال من اقتحامها في أي وقت.
ومنذ تأسيسه لـ «قوة مكافحة الإرهاب» عقب نشوء الكيان الغاصب، وانضمامه إلى قيادة الأركان العامة في عام ١٩٦٤م عرف شارون بشراسته في الحرب ضد المقاومة وقد تعزز هذا المنحى بعد ارتباط اسمه به «ثغرة الدفرسوار»أثناء حرب أكتوبر ۱۹۷۳م التي كانت بمثابة رد اعتبار لجانب من الهزيمة اليهودية أمام الجيش المصري إذ تقدم ببعض القوات وفتح ثغرة في تحصينات الجيش المصري غرب قناة السويس.
ثم برز شارون بقوة في الواجهة وزيرًا للحرب في حكومة مناحيم بيجن الليكودية (۱۹۷۷ - ۱۹۸۳م). وقد خاض شارون الحرب بما يشبه «البلدوزر»، وهو اللقب الذي أطلق عليه في ذلك الحين. فالاجتياح الصهيوني للأراضي اللبنانية كان كفيلًا بحصد الأخضر واليابس وتحويل المدن اللبنانية، لا سيما بيروت إلى أطلال.
وأما سكان المخيمات الفلسطينية فلم يكن نصيبهم أقل من القتل الجماعي كما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا الواقعين جنوب بيروت في سبتمبر ۱۹۸۲م، كانت جريمة ذبح أكثر من ألفي فلسطيني ولبناني في ساعات قليلة في المخيمين تستدعي عزل شارون من منصبه في وزارة الدفاع، وحتى استجابة لما خلصت إليه لجنة كاهان، لكنه بقي في الحكومة وزيرًا بلا وزارة، ولم يسقطه فعليًّا سوى غرق قواته في المستنقع اللبناني وما زالت صورة شارون لصيقة بمذابح صبرا وشاتيلا.
أما عودة شارون إلى المسرح السياسي بعد ١٥ سنة من العزلة فكانت في عهد بنيامين نتنياهو، الذي لم يجد من شخصيات الليكود من يدعم حكومته أكثر من «إريك» الذي أعاد تسويق نفسه باعتباره «شخصية دبلوماسية».
وفي هذا الإطار ظهر شارون قبل ثلاث سنوات في مناسبات دبلوماسية بارزة، سواء في العاصمة الأردنية عمان أو في منتجع واي بلانتيشن الأمريكي بحضور الرئيس الأمريكي السابق كلينتون وياسر عرفات والملك حسين. لقد كان التصفيق الذي أبداه الحاضرون عندما ذكر اسمه(!) كفيلًا بتأهيله لدخول عالم السياسة، بعد أن ارتبط اسمه فحسب بالمجازر الجماعية عبر تاريخه الدامي، ومما لا يذكره شارون لعرفات وهو يحاصره اليوم في رام الله! أن عرفات كان في مقدمة من صفقوا له في ذلك المحفل!
ولا يجد شارون غضاضة في الإفصاح عن حقيقة موقفه الاستئصالي الذي ينكر القضية الفلسطينية ويتجاهل وجود الفلسطينيين. وقد أظهر حتى قبيل استلامه منصب رئيس الحكومة حرصه على عدم التنازل عما حققه الاحتلال في غيبة أو ضعف أو تخاذل أصحاب الحق لا سيما القدس، وكذلك القضايا المتعلقة بالاعتراف بمسؤولية الاحتلال عن تشريد اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم وينسجم ذلك تمامًا مع كون شارون أحد رواد النهم الاستيطاني.
ولم يتخل شارون عن نظرته إلى الأرض الفلسطينية على أنها مجال حيوي للتوسع وفرض الحقائق الاحتلالية على الأرض.
كان مجيء شارون للسلطة معناه أن اليهود صوتوا لمبدأ «الأمن لا السلام» إذ أدرك الجميع آنذاك أن شارون كان ولا يزال ينظر إلى الضمانات الأمنية على أنها مقدمة على حقوق الإنسان الفلسطيني والعربي الأساسية، بما فيها حقه في الحياة.
وعندما أبدى الصهاينة ولاءهم لهذا المجرم، فإنهم استحضروا بلا شك ماضيه الدامي، كما يدركون جيدًا أنه الذي فجر المواجهات الدامية عندما وطئ بقدميه أرض الحرم القدسي زاعمًا السيادة اليهودية عليه. فشارون في منظور الصهاينة هو رجل الحرب الذي بإمكانه أن يعيد إلى ذاكرتهم الانتصارات الوردية على العرب رغم هزيمته المريرة في لبنان، كما أنه الأقدر وفق هذه الرؤية على «انتزاع» «السلام الصهيوني» دون تقديم شيء ذي قيمة للشعب الفلسطيني.
لكن الأمن الموعود لم يأت، وقد حقق عهد شارون رقمًا جديدًا من القتلى الذين هلكوا في العمليات الاستشهادية وعمليات المقاومة التي لم تتوقف طوال الأشهر الماضية. فإلى متى سيصبر عليه الناخبون طالما لم يحقق لهم الأمن الذي كان الشعار الأبرز في برنامجه الانتخابي، لقد أدرك الصهاينة أنهم اعتادوا في عهد البلدوزر على إحصاء قتلاهم أكثر من أي وقت مضى، فمتى تذهب السكرة؟.