; مصر وأوروبا .. رؤية جديدة | مجلة المجتمع

العنوان مصر وأوروبا .. رؤية جديدة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1956

نشر في الصفحة 66

السبت 11-يونيو-2011

هذه الفترة من التغيير الجوهري في مصر توفر لحظة مواتية لإعادة دراسة وبناء العلاقات الدولية لمصر بما في ذلك العلاقة بالقارة الأوروبية، والعلاقة بين مصر كدولة مسلمة عربية متوسطية وجيرانها الأوروبيين حكمها لفترة طويلة خطاب صدام الحضارات الزائف والذي يضيع فرص التفاهم الحقيقي، والتعاون بين الطرفين. إن تقاربنا الجغرافي يسمح بتواصل متميز ويقدم فرصا لمختلف أشكال التعاون. وقد ظهر مؤخرا عنصر جديد جعل من الضروري للطرفين أن يمنحوا الأولوية للتفاعل السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي، فأجندة النظام أحادي القطبية، والتي تهيمن عليها مصالح الولايات المتحدة الأمريكية جعلت من الضروري للأمم الأوروبية أن تبحث عن مجال للفعل الدولي. وتقود دورا في التأثير على العلاقات الدولية بمختلف الفاعلين في النظام. كما جعلت من الضروري للدول محدودة القوى أن توجد حلفاء لديهم سياسات بديلة يمكن أن تتحدى الأجندة المهيمنة. وبينما كانت إمكانيات التعاون عظيمة، أسيء استخدامها، فالذاكرة التاريخية للعلاقة بين مصر والأمم الأوروبية محملة بعناصر الصراع والتي أعاقت القدرة على بناء صور تعاونية للتفاعل، وقد تأكد ذلك بسلوك الترفع لدى بعض الأوروبيين، وبخطاب الكراهية وعدم التسامح لدى بعض المصريين تجاه السلوك الأوروبي.

إن الإدراكات الثقافية الخاطئة والصور النمطية خاصة تلك المرتبطة بالدين كونت إدراكات متحيزة لدى الجانبين، وإن الخطابات الأوروبية ربطت بشكل مباشر وغير مباشر بين الإسلام والإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان، وتعاملت مع الثقافة المصرية والعربية باعتبارها بدائية وغير ديمقراطية، وركزت على قضايا الأقليات الدينية إلى حد إثارة النزعات التفتيتية الداخلية، كما أن السياسات الأوروبية في تأييد الوجود والأمن الإسرائيلي .. والتعامل بمعايير مزدوجة مع حقوق الشعب الفلسطيني والتي تجد رفضا في قلوب وعقول المصريين بمختلف خلفياتهم، وأخيرا كان بناء التعاون المصري الأوروبي وفقا لأجندة مصالح أوروبية، وإغفال المصالح المصرية والتي تؤكد رمزية السياسات بدلا من حقيقتها، وتجعل السياسات الأوروبية غير كافية وغير فعالة فيما يتصل بأمن ورفاهية المجتمعات.

ثقافة مسيطرة

إن بناء علاقة مصرية أوروبية على أسس صادقة وإنسانية تعد ضرورة للاستجابة لتطلعات وطموحات الشعوب وتقوية التقارب الإنساني بين شعوب الجانبين، والذي ولد خلال الثورة المصرية، والعلاقة يجب أن تؤسس على إدراك إنساني متبادل للمواطنين على الجانبين فليس هناك حاجة لأن تكون هناك ثقافة مسيطرة، أو رؤى متصارعة أو توافقات تهدف إلى ثقافة سائدة موحدة. إن السماح لجميع الثقافات بالوجود والتطور والتبادل مع الآخرين دون أحكام مسبقة والسلوكيات الاستبعادية يجب أن يكون الهدف صحيح أن هناك بعض التفسيرات الأيديولوجية للإسلام التي حركت دوافع إرهابية في السنوات الأخيرة إلا أنها كانت مستنكرة ومدانة بشكل واسع وقوي بين الغالبية العظمى للمسلمين، فكما في غالبية الأيديولوجيات والخلفيات الثقافية، فالتطرف في الإسلام يعد انحرافا عن التيار الأساسي الوسطي لكن تم التركيز عليه وتضخيمه لأجندات خاصة، فلوقت طويل كان الإسلاميون يستخدمون كمبرر زائف من الحكام السلطويين للبقاء في السلطة وقمع المعارضة، لقد سوقوا صورة مخيفة لهؤلاء الذين ليست لديهم معرفة بالمفاهيم والقيم الإسلامية والتي أدت إلى التعصب على مستويات مختلفة ضد الإسلاميين، وقد أكد هذه الصورة تقييم الثقافة الإسلامية بمعايير ثقافية أخرى باعتبارها المرجعية النهائية والتعامل مع الاختلافات باعتبارها انحرافات، وقضية الحريات على سبيل المثال تعد مثالاً لهذه الأحكام الخاطئة، فبدراسة الحريات في الفكر الإسلامي ووجود محددات مختلفة تؤدي مثلاً إلى منع الإجهاض، والشذوذ يعطي انطباعا سلبيا بالنسبة لثقافة معينة لكنها تتوافق مع ثقافة أخرى، وهو ما يجب اعتباره اختلافا بين الثقافات وليس صوابا وخطأ في حين أن المشتركات في الموضوع توفر مجالا للجهود المشتركة لدعم الحريات في العالم كله. وبصفة عامة هناك مجالات عديدة يمكن أن نعمل فيها معا بشكل إيجابي مثل حماية البيئة ترشيد استخدام الموارد تقليل تكاليف الإنتاج، تطوير العمليات التعليمية تحسين الأنظمة الإدارية، إجراء الأبحاث الطبية، بناء ثقافات متسامحة، وتبادل الخبرات في جميع مظاهر الحياة الإنسانية. إن السعي إلى توجهات فعالة للعلاقة تبنى على المساواة، والتسامح والاحترام والتعاون ستتطلب جهودا كبيرة على كافة المستويات والقواعد الشعبية والمجتمعات المدنية لديها إمكانات كبيرة في هذا الإطار.

إن الثورات الأخيرة في العالم العربي والتأييد والتضامن الشعبي من غالبية الجنسيات تبرز قوة السيادة الشعبية، وقدرة المواطنين على تحقيق إرادتهم وإجبار قادتهم الرسميين على تبني مسارات للعمل أكثر عدلا وإنسانية. لقد تعاطف العالم كله مع المصريين رغم الاختلافات عندما توافرت لهم الفرصة ليروا خطأ موروثاتهم التقليدية عنهم ويلمسوا المشترك الإنساني، والتطلعات المشتركة التي توحدنا جميعا وهناك فرصة الآن لتجاوز قضية الآخر التي تتطورت كثيرا خلال السنوات العشر الأخيرة، ونتعارف أكثر بشكل حقيقي. إن القرآن يؤكد ويشجع التفاعل بين الثقافات المختلفة فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾ (الحجرات) وقد حان الوقت الآن ليعرف بعضنا بعضا من خلال الاتصال المباشر، وهو ما يمكن أن يساعدنا على تجاوز صور نمطية قديمة عن حضاراتنا لبناء علاقة مفيدة متبادلة..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل