العنوان الحركة الإسلامية المعاصرة.. تحديد الأولويات وتجديد القيادات (1)- «العدالة والتنمية» التركي نموذجًا
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1776
نشر في الصفحة 66
السبت 10-نوفمبر-2007
(*) مفكر إسلامي، وأستاذ الشريعة بـ «جامعة القرويين»
تواجه العمل الإسلامي اليوم محاولات عدة للحد من فعاليته وانتشاره سطحًا وعمقًا، وبمكر واضح جلي تارةً، وخفي مستور تارةً أخرى، وهذه المحاولات إن لم تستطع القضاء عليه فإنها قد تعوق مسيرته، وتشتت جهوده.. وقد قرأنا مقالات الشخصيات غربية معادية للإسلام تعلن بفرح شديد ونشوة عارمة أن الإسلام السياسي يمر بانتكاسة حقيقية، وتحذر من أن الإسلام غير السياسي ينتشر بشكل لافت للنظر، داخل بلاده وفي المجتمعات الغربية.
ولا شك أن هذا الانتشار يسبب قلقًا دائمًا للأحزاب اليمينية المتطرفة يدفعها لتنظيم مظاهرات واعتصامات، احتجاجًا وتنديدًا بانتشار الإسلام في أوروبا، ومطالبة من خلالها باستئصال هذا الدين من بلادها!
وما يهمنا في هذا الصدد هو أن تكون هذه المواقف مدعاة لنا للتفكير في القيام بدراسات وافية لتحديد أهداف الدعوة الكبرى، وتجديد أساليبها ووسائلها، ووضع إستراتيجية جديدة للتحرك في الداخل والخارج، وإبداء مزيد من الاهتمام بتكوين قيادات كبرى وصغرى تستطيع التعامل مع ما تستدعيه الظروف الجديدة والمؤامرات المختلفة التي تحيط بنا.
إن جماعات الدعوة الإسلامية لو أقامت فيما بينها حلفًا أو علاقة إيجابية للتعاون وتبادل الخبرات وتوزيع الأدوار والمهمات واختصاصات النشاط الدعوي في الداخل والخارج لحققت نجاحًا كبيرًا وربحت ربحًا ملموسًا، ولتغيرت الأوضاع لصالح الإسلام.
ويستحق حزب العدالة والتنمية التركي الإشادة بما حققه من نجاح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ثم دعم الشعب له بالموافقة على برنامجه الإصلاحي لمنصب الرئاسة في الاستفتاء على تعديل الدستور، وهذا درس للحركات الإسلامية في عالمنا العربي يجب أن تستوعبه، بأن تكون أكثر وعيًا بالفترة الدقيقة التي تجتازها، والواقع الذي تعيشه، وهو واقع لا يخيف مثلما أنه لا يبعث على الزهو والغرور.
وإني وغيري ممن تحدثت معهم في هذا الأمر لنزعم أن الحركة الإسلامية أصابها نوع من الفتور في عدة أقطار، ما جعل بعض الكتاب الغربيين وأتباعهم من العرب يعلنون عن فشل الإسلام السياسي، والإسلام كله سياسي عندهم، كما ألمحنا إلى ذلك أول هذا المقال، وإن كانوا «هم» أول وأقوى سبب لهذا الفشل، بمكرهم وتآمرهم، وضعفنا وقلة خبرتنا وتفريطنا في وحدة الصف.
والواقع أن ثمة طائفة كبيرة ترى أن الاشتغال بالسياسة غالبًا ما يكون على حساب التربية الروحية والتكوين الخلقي، كما أن الاصطدام بالسلطات القائمة، وبخاصة الأنظمة العسكرية والبوليسية، لم تجنِ منه بعض الحركات الإسلامية إلا الاضطهاد والمعاناة.
لذا، فإني أدعو إلى استثمار هذه الفترة في إجراء دراسات علمية عميقة يدعى لها الاختصاصيون وذوو التجربة والرأي الدراسة الواقع، واستشراف المستقبل، والتخطيط لما بعد هذه الفترة، ولاسيما في البلاد التي نُكبت فيها الدعوة الإسلامية، وألا نتبرأ من مسؤوليتنا عما وصلت إليه.
إن أغلب دول عالمنا الإسلامي لم تجنِ من قياداتها العسكرية إلا المزيد من التخلف والإنذار بالأخطار، ورغم هذا فمازال المسلمون يتوقون إلى مستقبل أفضل وأقوى، وقد أنعش الله هذا الأمل في النفوس بنجاح «العدالة والتنمية» بتركيا في جو مشحون بالمؤامرات والنيات السيئة لدى المعارضة بزعامة سياسيين وعسكريين، ولكن هذا الحزب، بتوفيق الله له، كان بارعًا في معالجة الأمور ومواجهة الأخطار، لاسيما من جانب أمريكا والدول الأوروبية، والتي اضطرت إلى الاعتراف بالأمر الواقع؛ لأن لدى تركيا أوراقًا سياسية ذات أهمية أهلتها لأن تكون في مأمن من التدخل الأجنبي.
ولا نستغرب من إعلان إنجلترا صراحة أنها تساند انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أن حدثًا مثل هذا قد يؤدي إلى ترسيخ الإسلام في القارة الأوروبية، تجنبًا لنهضة تركية كبرى قد تدعو إلى وحدة إسلامية أو خلافة جديدة، وهو أمر تخشاه إنجلترا وتحاربه بمكر كبير!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل