العنوان المجتمع التربوي (1500)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002
مشاهدات 119
نشر في العدد 1500
نشر في الصفحة 54
السبت 11-مايو-2002
■ وقفة تربوية-النفتاح والتساقط (1)
بدأت ظاهرة الانفتاح في العمل الإسلامي تطفو على السطح، بعد أن ركنت الحركة الإسلامية بشكل عام إلى العمل غير المعلن ردحاً من الزمن لأسباب كثيرة كان من أبرزها الظلم والدموية التي لاقتها من بعض أصحاب القرار بإيعاز من الدول الكبرى التي كان يخيفها ذلك المارد الذي لو خرج لهدد بزعمهم ضارتهم المادية التي يتباهون بها.
كان القرار صعباً للغاية بإيقاف مرحلة الانغلاق والانطلاق إلى مرحلة العلنية أو الانفتاح في الكثير من بقاع العالم الإسلامي، إلا أن كفة الانفتاح هي التي رجحت في نهاية الأمر في الكثير من تلك البقاع لأنها هي الأصل الدعوة إلى الله تعالى، كما قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: 67).
والبلاغ حتى ينتشر كما يريد ربنا تبارك وتعالى يقتضي العلنية بكل ما تعني هذه الكلمة، إننا كلما توسعنا في هذه العلنية أو الانفتاح زاد انتشار الإسلام وعمَّ الخيرُ كلَّ الأرض.
أبو خلاد- albelali@bashaer.org
■ دعوة إلى التجديد في أساليب التوجيه
أحمد طاهر أبوعمر
ذكر الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه النظرات.. الجزء الثاني – أن داود باشا أحد وزراء تركيا قديما أراد أن يتعلم اللغة العربية، فاحضر أحد العلماء واخذ يتلقى عنه العلم ثم سال شيخه يوماً ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل يوم ويبرح به هذا التبريح المؤلم فأجابه الشيخ وهو يتحرق غيظاً وحنقاً ويضرب الأرض بقدميه ليس هناك ضارب ولا مضروب يا مولاي إنما هي أمثلة يأتي بها النحاة لتقريب القواعد من اذهان المتعلمين فلم يعجبه هذا الجواب وأمر بسجنه، ثم أرسل إلى نحوي آخر، فأجابه كما أجاب الأول فسجنه وهكذا.
ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد فأمر بإحضارهم لك فحضروا وقد علموا قبل الوصول إليه ماذا يراد بهم فسأل الوزير رئيس العلماء السؤال نفسه فأجاب: إن الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها العقوبة أكثر مما نال فقد هجم على اسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو فسلط النحويون عليه زيداً يضربه كل يوم جزاء وقاحته وفضوله –يشير إلى زيادة واو عمرو وإسقاط الواو ثانية من داود – فأعجب الوزير من هذا الجواب كل الإعجاب!
شواهد علمية واستدلال بالواقع
أسوق هذا المثال للقائمين على التوجيه والتعليم على.. اختلاف أشكاله وألوانه، فهذا التعليم الجامد القائم على أن المألوف من الشواهد البالية لا يصنع متعلماً أو عالماً. وإذا ما أراد الموجه أن يحقق أهدافه، وأن يتجاوب معه الآخرون فلابد له من الإكثار من الشواهد العملية مع والاستدلال من الواقع لا كما جمد العملاء على مثال زيد وعمرو، فـ «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو يا أحق الناس بها».
وعلى الموجه في توجيهه أيضاً أن يبين روح المعنى ووجه البلاغة وفهم المراد من الألفاظ والعبارات والجمل إلى المعنيين ليتحقق العلم والفهم معاً، وصولاً إلى الهدف الأسمى من ذلك كله ألا وهو التطبيق.
تجنب التكرار والجمل الطويلة
وكذلك العالم، إذا أراد تبليغ العلم على أصوله وللمتعلمين وعموم الناس فإن تجنبه للتراكيب المعقدة والجمل الطويلة المملة والشواهد المكروره سبيله للوصول إلى القلوب كما هو سبيله إلى العقول وأخطر ما يبعد الناس عن العلماء هو أسلوبهم في العرض، وطريقتهم في التعليم إذ لا يتجاوز العلم أطراف ألسنتهم.
وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم قدوة للعلماء في تبليغ العلم، فعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وهذا عمر بن عبد العزيز يقول: «تحدثوا بكتاب الله تعالى، وتجالسوا عليه، وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال حسن جميل».
تقريب الفكرة بأسلوب بسيط
إن العالم الذي يقرب العلم أو الفكرة من أذهان الناس بأسلوب بسيط بعيد عن الكلفة والرهق مع الاستدلال بكل جديد من الشواهد والأمثلة الحية الواقعية.. هو عالم أتقن فنه وعرف رسالته، وكان حرصه على أن يفهم الآخرون حرصه على الاستزادة من العلم، وإلا سيكون حال بعض من لم يستوعب العلم حال الوزير داود باشا الذي جمد عند الكلمات لا يتعداها إلى حقيقة معانيها.
والتعليم– كما يُقال – صناعة استراتيجية يقوم بتكوين العقل وصياغة النفس وبناء الشخصية العلمية وتشكيل السلوك وإطلاق الطاقات وتوفير أسباب الإبداع.
وإن من أرفع صور التعليم والتوجيه ما كان رسول الله ﷺ يبثه في نفوس السامعين والمتعلمين من روح البحث والحوار والمشاركة في الحديث.
فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال مرة لأصحابه إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل الرجل المسلم حدثوني ما هي؟ قال عبد الله بن عمر: فوقع الناس في بوادي الشجر ووقع في نفسي أنها النخلة. قال: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله ما هي؟ قال: النخلة قال عبد الله ابن عمر فحدثت عمر بن الخطاب بالذي وقع في نفسي، قال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من أن يكون لي كذا وكذا.. إنها دعوة إلى التحرر من الأساليب البالية، والخروج من الجمود في التوجيه والتعليم.
■ 20 وسيلة تـجعلك جماهيرياً محبوباً
هناك سلوكيات حضارية وقيم أخلاقية عدة في تراثنا الإسلامي يستثمرها المتخصصون الأمريكيون والغربيون يقدمونها على أنها وسائل لتقريب القلوب والنجاح في العلاقات الاجتماعية.
يقول الإعلامي الكويتي محمد الكندري: إن هؤلاء المتخصصين سارعوا إلى تقديم تلك السلوكيات الإنسانية في صورة جميلة وأسلوب محبب وجعلوها أسس التعامل بين الناس، وصنفوا فيها الكتب والمؤلفات حتى صارت تصلنا مؤلفاتهم وهم يتناولون سلوكيات لها أصول في ديننا، لكننا لم نحسن تقديمها، وربطها بواقع الناس.
فالابتسامة- مثلاً- أصل ثابت في ديننا بدليل قول الرسول ﷺ «وتبسمك في وجه أخيك صدقة». وكذلك إفشاء السلام والتحية لقوله: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم».. وغيرها من السلوكيات؛ إذ نجد لها أصلاً في ديننا الحنيف، في حين أن الغربيين الآن أحسوا بأهميتها في العلاقات الإنسانية، فصنفوا فيها الكتب، وصارت جزءاً من سلوكهم.
الكندري أشار في محاضرة له بعنوان: ۲۰ وسيلة تجعلك شخصاً جماهيرياً محبوباً، إلى أهم هذه النقاط بقوله:
- ابدأ الآخرين بالسلام والتحية، ففي السلام تهيئة وطمأنة للطرف الآخر.
- ابتسم.. فالابتسامة مفعولها سحري وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وفيها تقريب للقلوب.
- أظهر الاهتمام والتقدير للطرف الآخر، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
- الناس أفراح وأتراح.. فشاركهم وجدانياً.
- فللمشاركة في المناسبات المختلفة مكانتها في نفوس الآخرين.
- اقض حوائج الأخرين تصل إلى قلوبهم، فالنفوس تميل إلى من يخدمها، ويقضي حاجاتها.
- عليك بالعفو عن الزلات وتغليب نفسية التسامح، فهي من صفات العظماء.
- في تفقد الغائب والسؤال عنه ضمان لكسب الود، فالبعض يتعرض للوعكات الصحية أو. الطوارئ، وعند تفقد هؤلاء والسؤال عنهم تجتذب قلوبهم.
_ لا تضن بالهدية ولو قل سعرها، فقيمتها معنوية أكثر منها مادية.
– أظهر الحب وصرح به فكلمات الود تأسر القلوب.
– تفن في تقديم النصيحة، ولا تجعلها فضيحة الدين النصيحة، كما جاء في الحديث النبوي.
– حدث الآخرين في مجال اهتمامهم، فالإنسان يميل إلى من يحاوره، ويحدثه في الميدان الذي يتخصص فيه، ويميل إليه.
–كن إيجابياً متفائلاً، وابعث البشري فيمن حولك، لا سيما أننا في عالم مليء بالتشاؤم.
– أحسن إلى من تتعامل معهم تأسر عواطفهم.
وقال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد رقابهم
إن طالما استعبد الإنسان إحسان
– أمدح الآخرين إذا أحسنوا، ورأيت الشيء الإيجابي، فالمدح أثره في النفس، ولكن لا تبالغ.
– اختر كلماتك ترتفع مكانتك، فالكلمة الحسنة خير وسيلة لنيل قلوب الآخرين.
– تواضع ولا تتكبر، فالناس تنفر ممن يستعلي عليهم.
– تجنب تصيد عيوب الآخرين، وانشغل بإصلاح عيوبك.
– تعلم فن الإنصات. فالناس تحب من يصغي إليها.
– وسع دائرة معارفك.. واكسب في كل يوم صديقاً.
– اسع لتنويع تخصصاتك واهتماماتك تتسع دائرة معارفك، وتتنوع صداقاتك.
■ الناس إزاء المبـادئ.. أقسام
للثوابت والمبادئ قوة في ذاتها؛ ولذا لا بدّ أن تكون لكل شخص في هذي الحياة مبادئ وثوابت والناس ينقسمون أمامها إلى القسام عدة:
١- قسم يؤمن كل الإيمان، ويوقن كل اليقين بصدق ما معه من تلك الثوابت والمبادئ فهو يعتز بها ويحيبها في نفسه داخلياً وفي مجتمعه خارجياً فهو لها، ومعها ولأجلها.
٢- قسم يعرف أن له مبادئ وقيماً مثلى لكن تطبيقها. كما يظن يذهب عليه بعض المنافع والمصالح فهو يخالفها قولاً وعملاً بل ويتضايق منها وينكرها من أجل أن يحرز ما هو ضدها.
3- هذا القسم لا يعرف شيئاً لا له ولا عليه؛ فكل ما يعمله عادة اعتادها من قبل، ويرى أن من واجب الرجولة العمل بها وفقط.
لن أتكلم عن هذا القسم ولا عن ذلك، وإنما عمن علم وتجاهل وفهم وتناقل ومن عرف ثم لم يطبق بل ومن طبق لكنه تساهل كثيراً.
فمن هنا ينشأ التناقض في الشخصية الإسلامية
الصدق كمثال
من تلك الثوابت والمبادئ التي لابد أن يلتزمها الإنسان قولاً وعملاً: الصدق، كيف لا وقد حث على ذلك المولى عز وجل في كتابه الحكيم قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:11۹). ولفت أذهاننا وأفكارنا إليه المصطفى ﷺ فقال: ولايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً.
إني لأعجب كل العجب من ذلك الرجل الذي يتحلى بصفات أهل الخير والصلاح بل وممن ينتسبون ويحسبون على هذه الدعوة الخالدة عندما يتخلى عن مبدأ الصدق والصراحة والمواجهة في أسهل الأمور، ناهيك عن أصعبها وأشدها، مع أنها المواطن التي تكشف الرجال وأعمالهم.
اعلم أخي – أن الصدق الحقيقي هو أن تصدق في مكان لا ينجيك فيه إلا الكذب، كما قال الجنيد يرحمه الله.
من هنا وجب على كل داعية مسلم وملتزم مؤمن أن يمشي بالصدق، وينطلق به، ويذهب ويعود من أجله، ويؤسس ويبني، والصدق يحدوه بل وينصح إلى كل ما يوجب هذا المبدأ في كل شؤونه وحياته.
إننا نعيش في عصر أصبحت المواقف الشخصية والدسائس النفسية فيه هي التي تجعل المرء يكتب من أجل أن يكسب الجولة – هو وحده دون غيره – بل ومن أجل أن يكسب ذلك الموقف.؟ وذلك الشخص.
أسألكم بالله كيف سنرقى وننجح وتتحد قلوبنا، بينما أشياء كثيرة في حياتنا ترتكز على هذه الخصلة الذميمة.