الثلاثاء 25-مارس-1975
تحت هذا العنوان، ومن خلال هذا الإطار يتم التحاور بين جاسم وسعيد، وهما نموذجان طيبان يضرب بهما المثل في العصر الحاضر دلالة على مدى تأثير الإيمان في تكوين الشخصية المسلمة في كل زمـــــــان ومكان. فالأول هيأت له ظروفه أن يسير في طريق التجارة بالشهادة الابتدائية، وصديقه سعيد ولى وجهه شطر الأزهر الشريف، فعاد بعد تفقه في الدين لينذر قومه أول رجوعه إليهم لعلهم يحذرون، شاعرا بنعمة الله الكبرى، إذ علمه الله ما لم يكن يعلم، وكان فضله عليه عظيما. ومطمئنا إلى صحة العبارة القائلة: «زكاة العلم تعليمه» فاتخذ أسلوب الحوار بينه وبين صديقه جاسم- سبيلا لذلك. أو قل: إن الله تعالى سخر لنا علم سعيد، وإبلاغ دعوة الإسلام صديقه جاسما يتمثل فيه معنى قول الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43) ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» وسخر لجاسم صديقه العالم يتمثل فيه أمر الله تبارك وتعالى: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه». وشرح الله صدر جاسم لما انشرحت له صدور المؤمنين الذين عناهم الله تعالى بقوله :﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:51)
قال جاسم لسعيد: طالعت في آخر صفحة من جريدة القبس عدد ١٠٠٦ الصادرة يوم الثلاثاء ٢٨ من صفر سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ۱۱ من مارس سنة ١٩٧٥ خبرا بعنوان ( ازدياد نسبة جرائم القتل والسرقة بايطاليا) والخبر بنصه: «شهدت إيطاليا في النصف الأول من العام الماضي جريمة قتل كل ساعتين، وجريمة سرقة كل دقيقة». فخطر لي أن أسألك: هل المجتمع الإيطالي- وهو جزء من مجتمعات أوروبية يقال: إنها ذات ثقافة واسعة، ومدنية راقية وإنسانية مهذبة- عاجز بأنظمته وقوانينه على القضاء على هذه الجرائم؟
أم هو خاضع لها خضوعه »للمودات» المتجددة الغازية، فاستسلم ورضي أن يعيش في هذا الجو القلق المملوء رعبا وفزعا؟ إذا كان هذا حالهم فيئست هذه المدينة، وخسئت تلك الانسانية، وخسرت ثقافتهم نهجا ومصدرا وأسلوبا وهزلت على العموم تلك الحياة التي يحيونها!!
سعيد: نعم يا جاسم، إن هؤلاء صدق فيهم وعليهم قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه:123:125) وإنهم وجميع علماء الأرض وفلاسفتها عاجزون حقا، عن وضع القوانين والأنظمة الصالحة لإصلاح البشرية وسعادتها ما داموا لا يستلهمون وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وما داموا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وما داموالم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. ولو جاز في عقول بعض الناس أن يصلوا يوما إلى ذلك لجاز أن يمنحوا حق وضع القوانين والأنظمة ولكن للذباب كما أعترفنا لهم بحق وضع قوانين الإصلاح والصيانة لما يصنعون من مواد جامدة كالسيارات والطيارات.. وغير ذلك
.. أما الإنسان فليس لأحد الحق أن يصوغ نظام حياته، وقانون حفظه وصيانته، وبيان مصيره وآخرته ولا يملك أسباب هناءته وسعادته إلا الذي يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14) وإلا الذي يقول ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (هود:4) وإلا الذي شرع ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة:179) وإلا الذي حكم بقوله:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة:38)
جاسم: إنها والله لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. فهل يتعظ حكامنا وأولي الأمر فينا فيبادروا بتطبيق أحكام الإسلام كاملة غير منقوصة؟
سعيد ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ﴾ (البقرة:137)
اللهم إني بلغت فاشهد
الرابط المختصر :