; النظام الإسلامي العالمي الجديد | مجلة المجتمع

العنوان النظام الإسلامي العالمي الجديد

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 80

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

يعتبر العمل الذي بدأ به الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- المتوفى عام 1782هـ بداية لظهور الحركة الإسلامية الحديثة؛ حيث نشر الدعوة وحدد معالم الدين واستفاد منه خلق كثير كالسنوسيين في المغرب والمهديين في أفريقيا. ثم كانت التبصرة السياسية والوعي السياسي الذي أحياه الأفغاني ومحمد عبده والسلطان عبدالحميد ومحمد إقبال وعبدالعزيز الثعالبي وشكيب أرسلان وعبدالحميد بن باديس وغيرهم في المطالبة بالجامعة الإسلامية لجمع شتات المسلمين ومواجهة الخطر الصليبي الداهم على ديار الإسلام، ومحاربة الفساد واستغلال السلطة، إضافة إلى دور ندوات الأدباء ونشاط الجمعيات والمعاهد الدينية الرائدة كالأزهر وغيره.

وكان ذلك تمهيدًا لدور الجماعات الإسلامية بمختلف توجهاتها ونشاطاتها، وفي طليعتها جماعة الإخوان بدورها المؤثر في تنظيم القوى الإسلامية وإحياء الفكر الإسلامي في مواجهة الفكر الغربي والشرقي، وشمول التخطيط الإسلامي ليغطي مساحات من العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري. هذا الظهور الإسلامي والتوجه الكبير والحثيث لدى الشعوب الإسلامية نحو الإسلام أحدث قلقًا كبيرًا لدى أعداء الإسلام خلال فترة الاستقطاب الحاد لقوتين سياسيتين وعسكريتين كبيرتين هما المنظومة الاشتراكية والشيوعية في مقابل المنظومة الغربية الليبرالية، وكان لتنافسهما الحاد أثر بالغ في تشكيل القوى والتحالفات السياسية في العالم والتأثير على توجه الأنظمة والحكومات تجاه شعوبها، مما شل قدرة الأعداء في مواجهة هذه الصحوة الإسلامية المتوجهة بخطى واسعة نحو بلوغ أهدافها النهائية.

فكان هذا النظام العالمي الجديد في مغزاه هو تحشيد كافة القوى المعادية للإسلام وتصفية خلافاتها وتوجيهها لمواجهة النظام الإسلامي العالمي المنتظر عن طريق مجموعة من الأحداث الكبرى التي صاغها دهاقنة السياسة وأحبارها، وكان من نتيجتها تحطيم النظام العربي والإسلامي وتقوية إسرائيل وتعزيز هيمنة أمريكا على العالم، وتحطيم الحاجز النفسي للعداوة بين المسلمين واليهود وإدماج اليهود في مشاريع المنطقة التنموية وإنهاء القضية الإسلامية، والسيطرة على مصادر الثروة.

إن المسلمين في واقعهم الحالي لا يزالون يعانون من دوامة الذهول وانتظار المجهول بدلاً من صناعة الأحداث وتبني خطط النهوض والاستدراك حتى لا يقعوا في ردود الأفعال، بل لصنع الأحداث وتوجيهها لصالح مستقبل الأمة.

إن الأمة الإسلامية بمختلف قواها أفرادًا وجماعات حكامًا ومحكومين مدعوون جميعاً للرد المنظم على هذا النظام العالمي الجديد بنظام عالمي إسلامي يعتمد على سرعة الاستجابة والتفاعل مع الأحداث المتسارعة بدلاً من التفرج عليها أو التخلف عنها والانعزال عن سياقها.

إننا بحاجة إلى مواجهة منظمة تستفيد من كافة الكفاءات والإمكانات لبلورة إستراتيجياتها وبرامجها السياسية، آخذين في الاعتبار تلك الطاقات البشرية الهائلة التي تملكها الجماعات الإسلامية في كل بقاع الأرض، والتي لا تملكها مؤسسة أو حزب أو دولة بمفردها في العالم الثالث، التي في محصلتها -إن أحسن استثمارها في برامج عالمية مؤسسية في المجال السياسي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي- أن يكون لها دورًا فعالاً مؤثرًا قادرًا على المواجهة.

إن هذه الأمم التي صاغت نظامها الجديد إنما هي لتحقق مصالحها على حساب المسلمين، فأولى بالمسلمين أن يعوا دورهم جيدًا، ويستأنفوا العمل بصبر وثبات، ويواجهوا الشعوب بالحقيقة التي تحيطهم علمًا بما يدبر لهم، ويواصلوا التربية ونشر الدعوة وانتشارها في جميع الأوساط الرسمية والشعبية، ويحرصوا على زيادة التعاون والتلاحم مع الجماعات الإسلامية والوطنية التي يهمها مستقبل الأمة، والتفاهم مع الحكام بما يحقق مصالح الأنام، ويعود عليها بالأمن والاستقرار والحرية لتفجر طاقاتها للتصدي لمؤامرات الاستسلام والتطبيع، وإيقاظ الوعي بوحدة الشعوب الإسلامية وتكاملها بدلاً من التشرذم الذي سهل على الأعداء ابتلاعها.

إن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض فيه أخ يدين بدين الإسلام هو قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها؛ فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامي وسما عن الحدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورًا.

والإسلام حين يُشعر أبناءه بهذا المعنى، ويقرره في نفوسهم، يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين وتخليصها من غصب الغاصبين وتحصينها من مطامع المعتدين.

الرابط المختصر :