العنوان رجعة إلى الله.. قبل أن يهلك الصالح والطالح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 83
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
حققت البشرية تقدمًا علميًّا وتقنيًّا خلال النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي يفوق ما حققته طوال تاريخها السابق كله، وقد طال التقدم العلمي والتقني المجالات جميعًا حتى ظن أهل الأرض أنهم قادرون عليها بعد أن أصبحت أشبه بقرية واحدة ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس : 24).
لكن هذا التطور الذي شهدته الكرة الأرضية لم يمنع الكوارث من زلازل وفيضانات وأعاصير - كما لم يمنع الأمراض الفتاكة التي لم تكن فيمن كان قبلنا - من أن تفتك بمئات الألوف بل بالملايين خلال فترات وجيزة، فضلاً عن تزايد الصراعات والحروب والمنازعات.
ويطيب للعلمانيين ومدعي القراءة العلمية أن يسموا تلك الأحداث بأنها كوارث طبيعية، أي أنها أمور من فعل الطبيعة وليس وراءها إرادة موجهة؛ لأن أحدًا من البشر لا يستطيع وقفها، وكل ما يمكن عمله هو محاولة الهرب منها أو التقليل من خسائرها حين تقع.
والواقع أن هذه نظرة مادية بحتة تسقط من الحساب إرادة خالق الكون سبحانه وتعالى.. ويتجنب هؤلاء الإجابة عن السؤال : لماذا يحدث ذلك هنا ولا يحدث هناك؟ ولماذا اليوم ولم يكن بالأمس؟ وإذا كنتم عاجزين عن المواجهة فلماذا لا تلجأون إلى من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟.
لقد جرت سنة الله تعالى في خلقه كما مضى قضاؤه في كتابه أن يعامل الناس حسبما عملوا: إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًا فشرٌ، وما يقع من بلاء أو كوارث فإنما مصدره إسراف الناس في المعاصي والذنوب، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ) (الأنفال : ٥٣)، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل : 112)، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(الروم : 41)، قال المفسرون: أي ظهرت البلايا والنكبات بسبب معاصي الناس، وكذا النقص في الزروع والثمار، وانقطاع المطر، وانتشار الأوبئة والكوارث، وتسلط الخوف في القلوب، والجزع في النفوس، وفقدان الأمن، وذهاب الطمأنينة.
وقد حكى لنا القرآن ما حدث لأقوام سابقة أصابها العذاب، ومن هؤلاء ثمود: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ (الذاريات : 44).
وقوم نوح : ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُم ظَٰلِمُونَ﴾(العنكبوت : 14).
وقوم عاد : ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (الحاقة : 6).
وقوم لوط : ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ﴾ (هود : 82-83).
وقارون : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ (القصص : ۸۱).
وذلك بسبب ظلمهم وتنكبهم عن طريق الحق: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص : 59).
وقد بينت الآيات والأحاديث الكثير من أسباب هلاك الأمم والشعوب، وحذرت منها ومن ذلك عدم الحكم بما أنزل الله، وكثرة الخبث، والاختلاف في كتاب الله، والغلو في الدين، والتنافس في الدنيا، والشح في العطاء، ومنع الزكاة، وظهور الربا والزنى، وبخس الكيل والميزان، ونقض العهود والمواثيق، وسكوت الناس عن تغيير المنكر، وترك الجهاد والإخلاد إلى الأرض.
والناظر إلى حال العالم من حولنا، بل داخل أمتنا الإسلامية يجد - ويا للأسف - أن معظم إن لم يكن كل أسباب الهلاك قد شاعت وانتشرت، فلا غرابة إذًا أن يكون ذلك سببًا لسخط الله وسريان الناموس الذي يوجه حركة الكون.
لقد رأينا ما فعلته العلمانية في تركيا من حرب للإسلام، وتنكب للدين، وإيذاء للمسلمين، وإشاعة للفساد والرذيلة، وموالاة للصهاينة أعداء الله، فسلط الله عليهم الزلازل المدمرة، ورأينا حكومات توالي أعداء الله الصهاينة وتتعاون معهم ضد المسلمين، وثالثة تحارب الدعاة إلى الله وتتسلط عليهم بكل ما تملك من أدوات الحكم، وتزج بهم في السجون والمعتقلات، ورابعة تبذل قصارى جهدها لتغيير مناهج التعليم والثقافة لحرف الأجيال عن دينها.
فإلى متى البُعد عن الله ؟
إننا نطالب المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية أن يرجعوا إلى الله، ويصححوا المسار قبل أن يخسف الله الأرض بمن عليها، وخاصة أن الشعوب تكتوي بنار ذلك الفساد الذي ظهر في البر والبحر، وتتألم لما يصيبها، وتطالب بالعودة إلى الله.
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعل باب الرجعة إليه مفتوحًا ﴿لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ (الروم : 41)، فلتكن لنا فيما نرى من ماس عبرة وعزمة على مقاومة الفساد، ورجعة إلى الله تعالى، وإلى العمل الصالح، والمنهج القويم.