; نفحات الحجيج.. هي ستكون إلهامات على الطريق؟ | مجلة المجتمع

العنوان نفحات الحجيج.. هي ستكون إلهامات على الطريق؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 6

الأربعاء 02-يونيو-1993

دروس ونفحات من البيت العتيق

إطلالة النفحات ودروس الحج

تطل علينا في هذه الأيام نفحات البيت العتيق، ونسمات الأيام المباركة، فتعانق القلوب وتصافح الأرواح بشوق وحب وحنين، فتعيش لها الجوانح وتسعد بها النفوس.

إن دروس الحج وخطوات تلك الرحلة المباركة يجب أن تستوعب وأن يستفاد منها، وأول درس يجب أن يلتفت إليه: كيف تُربَّى الأسرة على أمر الله وطاعته.

 

أسرة إبراهيم: نموذج للطاعة والتضحية

إن أطياف إبراهيم عليه السلام وأسرته تتجسد أمام تلك المواكب الزاحفة إلى بيت الله الحرام، وتظهر وهو يودع بالبيت فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه ضارعًا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).

ثم يظهر طيف هاجر الصابرة وهي تستروح الماء لطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت تهرول بين الصفا والمروة وقد هدها الجهد، وأضناها الإشفاق، وأحرقها العطش.. يظهر طيف إبراهيم وهو يقول لفلذة كبده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: 102) فيجيبه التقي الرضي: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ (الصافات: 102). ثم يظهر طيف إبراهيم وهو يرفع قواعد البيت هو وإسماعيل عليهما السلام في صمت وخشوع وحسبة وضراعة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).

تظهر أطياف تلك الأسرة المباركة المحتسبة المؤمنة نموذجًا لطاعة الله واتباع أمره في أحلك اللحظات وأقسى المحن، ثم بعد ذلك ماذا كان؟ هل ضيعها الله، وهل تخلى عنها؟ لا، بل إن الزمان يحمل ذكراها عطرة إلى كل سائر على درب الخير.

 

الوحدة في ظلال العقيدة

يجب أن تعلم الأمة أن فلاحها في نهجها وعطاءها في عقيدتها، وأنه لا طاعة لمخلوق ولا لشهوة ولا لشيطان من شياطين الإنس والجن في معصية الخالق، وأنه يجب ألا يأخذها في الله لومة لائم؛ لأن العزة والمتعة في جنب الله تعالى.

يجب أن يعلم المسلمون أنه لا وحدة إلا في ظلال العقيدة، ولا تجمع إلا في رحاب الإيمان. وما اجتماع الحجيج إلا تجسيدًا عمليًّا لذلك. يجب أن تبعث الأخوة الإسلامية والعلاقة الربانية بين المسلمين من جديد حتى يتعافى الجسد وتقوى السواعد وتسمو الروح. يجب أن يعلم المسلمون أنهم أمة واحدة وإن اختلفت الديار وتباعدت الأمكنة وتعددت اللغات. ومن أراد أن يفقه هذا المعنى ويشعر بهذا الرباط فلينظر إلى الحجيج الهادر بأصوات متغايرة وألوان متعددة ولغات مختلفة، ليعرف عمق الأخوة وجلال الارتباط في أبهى صورة وأجل معانيه بغير تمايز أو فوارق أو حواجز.

 

التضحية والزهد في الدنيا

يجب أن يعلم المسلم أن ماله ووقته وعمره ينبغي أن يكون مسخرًا لإقامة منهجه ورفعة عقيدته، وأنه إذا دعا داعي الإيمان طرح كل ما يشغله عن هدفه وراء ظهره وسعى إلى غايته ملبيًّا راغبًا والهًا عاشقًا. ومن أراد أن يعي هذا المعنى ويدركه فلينظر إلى الحجيج الذي يطرح الدنيا وراء ظهره وينخلع من كل شيء؛ مالًا وجاهًا وزينة، ساعيًا إلى مرضاة ربه بشوق وهيام وتضحية تجل عن الوصف وتسمو على البيان وتعلو على التصور.

 

تساؤلات عرفات ومواطن الطهر

فيا عرفات، هل تعارف المسلمون في رحابك؟ وهل عرفوا الطريق المستقيم في جنباتك ووجدوا إيمانهم وراحتهم على مشارفك؟ وهل تراحموا على جبل الرحمة وتآخوا في مواسم النفحات؟ مواطن طهر وتجرد ومراجعة، ومهابط مغفرة وتوبة وندم، ومشافي نفوس وقلوب وأرواح، فهل يسكب فيها النور وتبيض فيها الصحائف ويسيطر فيها الخير وتطهر فيها اليد ويستقيم فيها القصد وتشفى فيها القلوب والأرواح؟

هذه القلوب جاءت خاشعة طائعة ملبية، فمن يوجهها ويأخذ بيدها ويستثمر طاقاتها ويقود ركبها ويطرد الذئاب عنها؟

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ** فكيف إذا الرعاة هي الذئاب

هذه القلوب المتآخية من فرقها وقطعها وأقعدها عن أخوّتها وشتت أوصالها وهدم عزائمها؟

تُهتَك أعراضها فلا تغار أو تفور دماؤها، وتذبح بالآلاف كالخراف فلا تتحرك أو تنتفض عزائمها، وتسلب ديارها فلا تهب أو تتحرك سواعدها!

رغم أن أصابع المسلمين كلهم تشير إلى الجناة، ورغم أن ألسنتهم تجأر بالشكوى، ورغم أن قلوبهم تطفح بالحقد والكراهية على المعتدين الظالمين؟!

 

الخلاص والرجعة

ورغم كل هذا وذاك وأولئك فلا خلاص إلا بالإيمان والرجعة إلى الله والتربية على منهجه والسير على هداه. والنفوس في هذه الأيام في حاجة أكثر من أي وقت مضى أن تتباعد عن ضغط المادة وسعار الشهوات وتلقي نفسها في أحضان تلك النفحات الربانية وتعيش وسط الجموع الطاهرة المتجردة الساعية إلى الله، حاسرة الرؤوس، رافعة الأكف، دامعة العيون، والهة النفوس، خافقة القلوب في ركب النور والغفران، تضرع إلى الله فتسكب العبرات وتحس الرحمات، تتآخى حتى يأذن الله بتفاعل هذا التآخي وتتحاب حتى يأذن الله باستثمار هذا الحب، يعمق هذا القبلة الواحدة والشعيرة الواحدة والنداء الواحد.

أيام مغفرة وتزود وتقوى، من أضاعها أضاع الخير كله، ومن أمسكها أمسك الفوز والنجاح والفلاح. ما رأى التاريخ من أوله إلى آخره اجتماعات أمم على تقوى ورضوان إلا في هذا الحجيج، وما رأى التاريخ اجتماعات دورية تعقد لأمة من الأمم سنويًّا مثل ما رأى لأمة الإسلام والقرآن. فهل ستستعيد الأمة في هذه الأيام من هذه النفحات وهذه التجمعات؟ أم أنها كتب عليها بأفعالها الضياع حتى في أيام النور، وقدر عليها بأعمالها الشرود حتى في أيام الله؟

اللهم إنا نسألك أن تهدينا فيمن هديت وتجمع كلمة الأمة على راية التوحيد والجهاد في سبيل إعلاء كلمتك ونصرة دينك.

 اقرأ أيضا:

دروس أسرية من رحلة الحج

من دروس الحج

دروس من الحج

أطياف الحجيج.. ونفحات البيت العتيق

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1830

67

السبت 06-ديسمبر-2008

من دروس الحج