; اليهود في بريطانيا منبوذون بالأمس نافذون اليوم | مجلة المجتمع

العنوان اليهود في بريطانيا منبوذون بالأمس نافذون اليوم

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996

مشاهدات 58

نشر في العدد 1200

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-مايو-1996

* جشع اليهود في بريطانيا جعل الملك إدوارد الثالث يقوم بطردهم من بريطانيا في نهاية القرن الثالث عشر.

ليست هناك إحصائية دقيقة لأول وجود يهودي في بريطانيا، غير أن بعض المصادر تشير إلى أن تعدادهم وصل في القرون الوسطى إلى 5000 يهودي فقط، وكان هذا العدد كبيرًا مقارنة بالقرن الثالث عشر عندما كانوا مجرد 2500، وكانت صورة اليهود في بريطانيا في تلك الفترة هي نفس الصورة التي ألصقها وزير الخارجية البريطاني ريفكند بالإسلاميين في المؤتمر اليهودي الذي عُقد في بريطانيا في بداية مايو الجاري وحضره أكثر من 140 حاخامًا يهوديًّا وفدوا من 27 دولة أوربية، حيث وصف ريفكند الإسلاميين بأنهم إرهابيون، ويشكلون خطرًا على أوربا، بل كانت الصورة أسوأ من ذلك، إذ كان ينظر إلى اليهود على أنهم مصدر تهديد أخلاقي للمجتمع الأوربي بعد أن زادت الشكاوى من مجرمين يهود يقومون بالقتل والسرقة والمتاجرة بالمخدرات.. إلخ، كما كانت هناك حالة عامة من الحقد والكراهية من أولئك اليهودي الأثرياء الذين يقومون بتسليف الإنجليز الفقراء الأموال بنسب ربوية ضخمة.

وقد أدت هذه السلوكيات إلى أن ينظر إلى اليهود نظرة شك وريبة، جعلت الملك الإنجليزي إدوارد الأول يقوم بطردهم من بريطانيا في نهاية القرن الثالث عشر، ولم تتحسن أوضاع اليهود تمامًا إلا في القرن التاسع عشر، حيث بدأ الإنجليز يتقبلون وجود اليهود كمواطنين وليسوا مجرد أجانب أو مهاجرين، وفي هذه الفترة التي استقرت فيها الجالية تم إنشاء المؤسسات والمعابد، والمدارس الدينية التي كان ينفق عليها بعض الأثرياء اليهود، وقد ازداد عدد اليهود تدريجيًّا وفي فترات معينة منها فترة الحرب العالمية الثانية، إذ دخل إلى بريطانيا سنة 1934م حوالي 3000 يهودي جاءوا من ألمانيا ومن دول أوربية أخرى، وتضاعف هذا العدد في أعقاب الحرب هربًا من نازية هتلر، كما ازداد عدد المهاجرين اليهود الذين وفدوا من أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي فترة الخمسينيات، وتركزت الجالية اليهودية أثناء هذه الفترة في أفقر مناطق بريطانيا، وهي شرق لندن، إذ كان معظمهم من الطبقة العاملة، وكانوا يعملون في المهن اليدوية كالخياطة والحدادة، وكانوا يسكنون في بنايات كبيرة بناها الأثرياء اليهود لاستيعاب الأعداد الوافدة من المهاجرين، وكانت الشقق ضيقة للغاية، وتكفي لأسرة صغيرة مكونة من طفلين أو ثلاثة، ولا زالت أثار بعض هذه المباني قائمة إلى اليوم، بالإضافة إلى محلاتهم لبيع الأقمشة ومختلف البضائع بالجملة للشركات، أما في الوقت الحاضر فيسكن الكثير من اليهود في مناطق راقية في مدن كبيرة خارج العاصمة لندن بعد أن تحسنت حالتهم الاقتصادية، وقد ملأ المسلمون اليوم الفراغ السكاني الذي تركه اليهود في شرق لندن في الخمسينيات، إذ يعيش الآن عدد كبير من الجاليتين الصومالية والبنغالية معظمهم -كما كان اليهود من قبل- من الطبقة الفقيرة أو العاملة، ولا توجد إحصائيات دقيقة لتعداد اليهود في الوقت الحاضر في بريطانيا، لأن الإحصائيات الرسمية لا تصنف الناس بحسب معتقداتهم، وبالتالي يصعب تحديد العدد بالضبط، ولكن المصادر اليهودية تشر إلى أنهم حوالي 300 ألف فقط، وهو عدد صغير نسبيًّا تشكك فيه بعض المؤسسات الإسلامية، وقد يكون  التعداد الدقيق في هذه الناحية مهمًّا للغاية، ولكن الأهم في حقيقة الأمر هو تنظيم اليهود وقدرتهم على التغلغل في المؤسسات الحساسة للدولة بما في ذلك الحكومة، والبنوك، والإعلام.

اليهود في الدولة

نيجل لوسون، كيون بريتان، أدوينا كوري، ديفيد يونغ، وغيرهم، كلها أسماء يهودية تقلدت مناصب وزارية حساسة في حكومات بريطانية معاصرة، وفي الوقت الحالي تحوي حكومة ميجور على أسماء يهودية بارزة منها: وزير الخارجية مالكولم ريفكند، والداخلية مايكل هاورد.

ومع أن اللوبي اليهودي في البرلمان البريطاني ليس مبلورًا بنفس الصورة الواضحة في الكونجرس الأمريكي إلا أنه قوي وفاعل أيضًا، فهناك لجنة حزب المحافظين لأصدقاء إسرائيل، مكونة من 200 نائب، ولجنة حزب العمال «المعارضة» المكونة من حوالي 54 نائبًا، وهناك نواب يهود هم في نفس الوقت أعضاء في مؤسسات يهودية ناشطة، ويعملون بمثابة جماعات ضغط وجمع للمعلومات وتوصيل الآراء إلى الجهات المختصة، من هؤلاء مثلًا النائب إيفان لورانس، فهو عضو في حزب المحافظين، وأمين صندوق لجنة الصداقة مع إسرائيل، وفي نفس الوقت عضو في مجموعة التخطيط لمؤسسة الشؤون اليهودية –  Fairs Insitute Of Jewish af وهي مؤسسة مستقلة، ويلعب لورانس دور الوسيط في إيصال وجهات النظر الثنائية بين الحكومة البريطانية وإسرائيل في النواحي الحساسة، وعلى سبيل المثال فقد كانت الحكومة البريطانية أثناء حربها مع الأرجنتين في الفوكلاند مستاءة من إسرائيل، لأن حكومة تل أبيب كانت تبيع الأسلحة للأرجنتين، وكانت مهمة لورانس توصيل وجهة النظر البريطانية -في عهد تاتشر- إلى الجهات المختصة هناك، ويكون مقابل ذلك أن يضمن لورانس لنفسه الدفاع عن المصالح الإسرائيلية في البرلمان البريطاني نفسه.

اليهود بين العمال والمحافظين

ولم يكن لليهود ولاء حزبي معين في تاريخهم السياسي البريطاني، فقد تقلبوا في مشاركتهم الحزبية بحكم مصالحهم الذاتية، ففي البداية كان معظم اليهود ينتمون إلى أو يؤيدون الحزب الليبرالي وكان أول ست نواب يهود دخلوا البرلمان البريطاني جميعهم ليبراليون، ولم تكن مشاركة اليهود السياسية أمرًا يسيرًا في مستهل الأمر، فالبرلمان كان يحظر على غير المسيحيين دخول الانتخابات، وكان على اليهود أن يقوموا بتأدية خدمات كبيرة لبريطانيا من أجل أن تثق فيه الحكومة وتعطيهم بعض الامتيازات السياسية ومنها حق المشارك الانتخابية، وكان ليونيل روث شايلد أول نائب يهودي يدخل البرلمان عام 1847م، وكان يتوجب عليه الانتظار مدة 11 سنة قبل أن يسمح له بالمشاركة الحقيقية في عملية سن القوانين، وقضى روث شايلد بقية فترته النيابية لا يتبنى أية قضية حساسة كي لا يثير عليه الرأي العام، وكانت فترة «الصمت» هذه محاولة ذكية منه لتجعل الوجود اليهودي في الحياة السياسية أمرًا مقبولًا على المدى البعيد، وكانت علاقة حزب المحافظين «الحزب الحاكم اليوم» مع اليهود علاقة تنافر ولكن اليهود كانوا حريصين على التغلغل في هذا الحزب بحكم أنه يمثل الطبقة المتوسطة في المجتمع، وبالتالي أقدر على خدمة المصالح اليهودية من غيره من الأحزاب، فكانت سنة 1874م هي أول سنة ينجح فيها يهودي من المحافظين في الدخول إلى قبة البرلمان، وكان لبعض اليهود من الطبقة العاملة وبالأخص في شرق لندن ميول اشتراكية جعلته يتحالف مع حزب العمال، غير أن هذه العلاقة أخذت في الارتخاء تدريجيًّا لما لاحظ اليهود ميول الحزب إلى العرب وتأييدهم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وكان حزب المحافظين في المقابل أكثر تأييدًا لإسرائيل، ويطمح حزب العمال الآن في سباقه العنيف ضد المحافظين في الانتخابات القادمة إلى كسب أكبر عدد من الأصوات اليهودية، فقد سألت صحيفة «جويش كرونيكل» اللندنية رئيس الحزب توني بلير عن سياسة حزب تجاه إسرائيل، إذا ما صار رئيسًا للوزراء خلفًا لجون ميجور، فأجاب على الصحيفة اليهودية مؤكدًا أنها لن تختلف عما هي عليه الآن، أي التأييد الكامل لعملية السلام بالطريقة التي ترغبها إسرائيل، أما رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر فكانت على علاقة انسجام مع اليهود، وكانت نائبة عن منطقة فنشلي -إحدى مناطق تمركز اليهود في لندن- وكان كسب أصواتهم من خلال تبني قضاياهم ضروريًّا إذا ما رغبت في الوصول إلى البرلمان، ومن ثم إلى رئاسة الحكومة، وقد استقطبت تاتشر إلى حكومتها عددًا كبيرًا من اليهود احتل العديد منهم مناصب وزارية حساسة في الدولة كالاقتصاد.

اليهود في الإعلام البريطاني

من الصعب أن يحصر الباحث عدد اليهود في الإعلام البريطاني، فأجهزة الإعلام هنا معقدة ومتشابكة، كما أنه ليس كل اليهود حريصين على الكشف عن هويتهم الدينية أو ميولهم السياسية، ولكن قد يستطيع الواحد الإشارة إلى بعض الرموز البارزة التي وصلت إلى مناصب حساسة وتكشف صراحة عن آرائها ومعتقدها.

الوجود اليهودي في الصحافة البريطانية ليس بنفس وضوحه في بعض الدول الأروبية مثل النمسا، ففي لندن تعتبر «إيف بولارد» اليهودية الوحيدة التي كانت ترأس تحرير جريدة أسبوعية بريطانية هي «الصنداي ميرور» كما رأست «ويندي هنري» جريدة «نيوز أوف ذا وورلد» وكلا الجريدتين من الصحف الشعبية، ويفضل اليهود في ميادين التوجيه في العالم الإعلامي على المناصب بالإدارية، إضافة إلى كتابة المقالات والزوايا في الصحف الشهيرة، فعلى سبيل المثال: تكتب «نورا بيلوف» في «الصنداي تايمز»، و«برنارد ليفين» في «التايمز» و«نيل اشرسون في «الأوبزرفر»، و«صومئيل بريتان في «الفاينشيال تايمز»، و«ميلاني فيليبس» في «الجارديان»، على نفس الصعيد تقوم مؤسسات يهودية بمتابعة يومية للصحف فيما يتعلق بإسرائيل، واتخاذ كافة التدابير في حالة وجود مقالة معادية لليهود أو الصهيونية، فعلى سبيل المثال يقوم مجلس ممثلي اليهود البريطانيين -وهو أقوى مؤسسة يهودية في بريطانيا- بتوظيف من تنحصر مهمته في متابعة ما تنشره الصحف عن إسرائيل، وإذا كانت هناك مقالات معادية لليهود يقوم فورًا بالاتصال بجماعات الضغط وحثهم على الاتصال بالجريدة أو الجهة الناشرة، وتقديم الشكوى المناسبة.

وكان المليونير اليهودي المعروف روبرت ماكسويل يسيطر على شبكة واسعة من الصحف والمجلات ومشاريع مماثلة وصلت إلى 160 شركة في 16 دولة منها: بريطانيا، وكندا، واستراليا، وأمريكا، وألمانيا، وكانت شخصية ماكسويل، الذي مات في ظروف غامضة ودفن في فلسطين- سلطوية، وذات خط أيديولوجي واضح، فقد كان مؤيدًا لإسرائيل، وكان هذا واضحًا في اتجاه الصحف التي يملكها، ومنها مطبوعات «الميرور» كما كشفت بعض التقارير عن علاقاته المخابراتية مع بعض الدول ودوره وراء تهجير اليهود الروس إلى فلسطين في الثمانينيات.

وإلى جانب ذلك فلليهود سيطرة أيضًا على السينما، ففي بريطانيا هناك ثلاثة أسماء رئيسية لشركات السينما الشهيرة وهي: سينما «كانون»، وسينما «MGM»، وسينما «أودين»، وتعود ملكية «كانون»- ومقرها الرئيسي الولايات المتحدة -إلى المنتج والمخرج اليهودي مناحيم غولان- كما تسيطر هذه السينما على أكثر من 500 صالة عرض في بريطانيا «عن الاختراق الصهيوني للسينما البريطانية». «انظر المجتمع عدد 1096».

كلمة أخيرة

من المناسب هنا الاكتفاء بهذا القدر، فالحديث عن طبيعة الوجود اليهودي في بريطانيا يطول، فهناك الحديث عن شبكة المؤسسات اليهودية لجمع التبرعات ودعم مشاريع الاستيطان في الأراضي المحتلة، وهناك مجلس ممثلي اليهود البريطانيين، وهي أقوى وأقدم مؤسسة يهودية «أنشئت عام 1760م» لتمثيل الجالية، وهناك المدراس اليهودية المدعومة من الحكومة، وهناك مجلس الحاخامات... إلخ، كما توجد عدة مصادر ووثائق حول موضوع اليهود في بريطانيا منها: كتاب «النادي» The Club «طبع سنة 1984»، وينبغي التنبيه على قضية أحسبها بالغة الأهمية، وهي ضرورة عدم الاكتفاء برصد ظاهرة التغلغل اليهودي في ميادين الحياة اليهودي بشقها الإيجابي دون السلبي بالطبع، فلا زال المسلمون إلى اليوم يحجمون عن المشاركة الفعالة في آليات المجتمع الأوربي -وخاصة البريطاني- ويتوقعون أن تسن القوانين لصالحهم وهذا محال، كما أنهم لا يملكون جهة معينة تمثل المسلمين رسميًّا عند الحكومة وتستظل تحتها جميع الجماعات والجمعيات، فليس من المحال أن يحاول المسلمون المساهمة بالمستطاع في تغيير الصورة السلبية التي وضعهم في إطارها المجتمع البريطاني، وقد تتبعنا بداية تاريخ اليهود في بريطانيا، وكيف أنهم كانوا منبوذين ومكروهين، بل ومطرودين على عهد الملك إدوارد في القرن الثالث عشر ثم نجحوا في تغيير هذه الصورة بالتدريج وكسبوا الرأي العام لصالحهم.

ثم إن التركيز على قوة «الاختراق» اليهودي من شأنه توعية الرأي العام الإسلامي بشأن اليهود عمومًا، ولكنه من شأنه أن يخلق عند البعض في المقابل شعورًا باليأس والإحباط من أن اليهود «يسيطرون على كل شيء»، وبالتالي ليس هناك أمل أو فائدة من العمل، وهو شعور خطير بالعجز والسلبية يقضي على أي أمل في الإبداع والتجديد لو تغلغل في النفوس، فهل نقدر على تحقيق التوازن ونفهم الأبعاد الحقيقية لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

الرابط المختصر :