العنوان الفارق بين الدعوة والتنصير (6).. سماحة الإسلام
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2008
مشاهدات 86
نشر في العدد 1824
نشر في الصفحة 66
السبت 25-أكتوبر-2008
تناولنا في العدد الماضي حقيقة أن الدعوة الإسلامية إضافة إيمانية وليست كالتبشير بالديانات الأخرى. انتقاصًا وكفرًا وازدراء.. كما ذكرنا شهادات بعض علماء الغرب أن الإسلام لم يفرض بالقوة ولكن من دخل فيه دخل طواعية... وتستكمل في هذا العدد شهادة سير توماس أرنولد العلامة الحجة في الاستشراق حيث يقول: إن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق.. إن نظرية العقيدة الإسلامية تلتزم التسامح وحرية الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى...
ولقد ظل غير المسلمين على وجه الإجمال ينعمون في ظل الحكم الإسلامي بدرجات من التسامح. لم نكن نجد لها مثيلًا في أوروبا حتى عصور حديثة جدا.
وأن التحول إلى الإسلام عن طريق الإكراه محرم طبقا التعاليم القرآن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة: ٢٥٦). ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99). ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهۚ﴾ (يونس: ۱۰۰).
وان مجرد وجود كثير من الفرق والجماعات المسيحية في الأقطار التي ظلت قرونا في ظل الحكم الإسلامي، لدليل ثابت على ذلك التسامح الذي نعم به هؤلاء المسيحيون كما يدل على أن الاضطهادات التي كانوا يدعون معاناتها بأيدي الطغاة والمتعصبين، إنما كانت ناتجة من بعض ظروف خاصة وإقليمية أكثر من أن تكون منبعثة من مبدأ مقرر من التعصب.. لقد كان من السهل على أي حاكم من حكام الإسلام ر الأقوياء أن يستأصل شأفة رعاياه المسيحيين، أو ينفيهم من بلادهم كما فعل الإسبان بالعرب والإنجليز باليهود مدة أربعة قرون تقريبًا، وكان من الممكن تمامًا أن ينفذ سليم الأول (٨٧٥ - ٩٢٦هـ / ١٤٨٠ - ١٥٢٠م) في سنة ١٥١٤م، أو إبراهيم ( ١٠٤٩ - ١٠٥٨هـ / ١٦٤٠ ١٦٤٨٠م) في سنة ١٦٤٦م تلك الفكرة البربرية التي تصورها للقضاء على رعاياه المسيحيين.. لكن طبقة المفتين (العلماء) الذين صرفوا أذهان سادتهم عن مثل هذا الغرض الذي ينطوي على القسوة، إنما فعل ذلك باعتبارهم أئمة الشريعة الإسلامية والتسامح الإسلامي.
إن المبدأ الذي وجد قبولا عظيما في ألمانيا في القرن السابع عشر، وهو أن لكل منطقة دينها الخاص، لم يقبله قط أي عاقل مسلم.
وقد استطاع ميخائيل الأكبر Michel the elder(۱١٢٦- ۱۱۹۹م) بطريق أنطاكية اليعقوبي أن يحبذ - فيما كتبه في النصف الثاني من القرن الثاني عشر - ما قرره إخوانه في الدين، وأن يرى إصبع الله في الفتوح العربية حتى بعد أن خبرت الكنائس الشرقية الحكم الإسلامي خمسة قرون، وقد كتب يقول بعد أن سرد اضطهادات هرقل ( ٦١٠ - ٦٤١م)
... وهذا هو السبب في أن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت، والذي يديل دولة البشر كما يشاء فيؤتيها من يشاء، ويرفع الوضيع، لما رأى شرور الروم الذين لجؤوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا وسلبوا ديارنا في كافة ممتلكاتهم. وأنزلوا بنا العقاب في غير رحمة ولا شفقة، أرسل إلينا أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب ليخلصنا على أيديهم من قبضة الروم.
ولما أسلمت المدن للعرب، خصص هؤلاء لكل طائفة الكنائس التي وجدت في حوزتها.. ولم يكن كسبًا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام.
ونجد أركلدوس دي مونت كروسيسRicoldus demonte ، وهو مبشر بروتستانتي زار الشرق في نهاية القرن الثالث عشر ينطلق بالثناء على المسلمين الذين كان قد اشتغل بين أظهرهم، فيقول القد استولى علينا الدهش كيف أن أعمالا تتصف بمثل هذا الكمال يمكن أن تحيا في ظل شريعة غير مسيحية... ومن ذا الذي لا يعجب إذا تأمل جيدا أية عناية فائقة بالدراسة يمكن أن توجد بين العرب، وأي إخلاص في الصلاة، وأية رحمة بالفقير، وأي تبجيل لاسم الله والأنبياء والأماكن المقدسة، وأي وقار في أخلاقهم وفي معاملتهم للغرباء، وأية مودة تربط بين جنسهم؟؟!...