العنوان فاز بوش.. فاز شامير.. وماذا بعد؟
الكاتب مبارك فهد الدويلة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 891
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
ما أتعسه من زمن إن كنا ما زلنا نعقد آمالا على فوز مرشح أمريكي ديمقراطيًّا كان أم جمهوريًّا! وتكون المصيبة أعظم عندما تعرف أن البعض كان ينتظر -بفارغ الصبر- نتائج الانتخابات اليهودية! وكأنه كان يتوقع ولادة جديدة لصلاح الدين تنطلق من داخل الكنيست اليهودي ضمن قائمة حزب العمل اليساري أو الليكود المتطرف أقصى اليمين.
أنا لا أستغرب هذه المواقف الانهزامية من أصحاب هذه العقول التي تسبح في المياه الآسنة، ولكنني أستغرب من سخافة الزمن الذي تعيشه هذه الشعوب العربية والإسلامية تقودها مثل هذه الدمى على رقعة الشطرنج. ألم يفقه بعض القادة العرب طبيعة الوضع السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية؟ ألم يدركوا حتى اليوم من أن اللوبي الصهيوني هو الذي يتحكم في السياسة الأمريكية سواء كانت جمهورية «البيت الأبيض» أم ديمقراطية «الكونغرس»؟!
ما معنى تأجيل بعض الزيارات الرسمية لبعض الرؤساء العرب، أو تأخير عقد بعض المؤتمرات، أو تعطيل مؤقت لبعض الإصدارات والبيانات؟ ألا يعني أن الجميع ينتظر -بصيصًا من الأمل- بعد ظهور نتائج الانتخابات الأمريكية؟!
بل ماذا تعني عبارات الاستبشار وبرقيات الأمل وخطابات التأييد التي انهالت على بوش بعد فوزه؟!
ألم يكن هو معتمد السياسة الأمريكية خلال الثماني سنوات الماضية؟! ألم يكن هو الأمريكي الذي يزود الكيان الصهيوني بآخر ما أنتجته مصانع شيكاغو أو اخترعته عقول البنتاغون!؟
ألم تكن أمريكا هي سبب استمرار الأزمة المزمنة لهذه الأمة! أليست هي السبب -بوجود بوش في البيت الأبيض طوال السنوات الثماني الماضية- في جعل القادة العرب يغيرون من طريقة معالجتهم للقضية الفلسطينية ويكونون أكثر صراحة في طرح الحلول الاستسلامية؟! والذي نفسي بيده لو أن هذه الكراسي المسماة ظلمًا وزورًا بقادة الأمة تحترم عقول شعوبها لما عقدت الآمال على فوز بيريز، أو لما هللت لفوز بوش وهما وجهان لعملة واحدة. بالأمس كان التوجه العام للأمة نحو مبدأ تحرير كامل التراب، وكان كل من يخالف هذا التوجه يُعتبر خائنًا للقضية وساقطًا في أحضان الإمبريالية والانهزامية، وكانت كل الأطروحات الإسلامية منها واليسارية واليمينية كلها تصب في هذا المصب، بل كانوا في فترة من الزمن -يتهمون التيار الإسلامي بالتواطؤ مع الأمريكان تارة وبالولاء للأنظمة تارة أخرى، حيث كانت وما زالت- بيدهم وسائل الإعلام المختلفة.
واليوم...!
أما اليوم فالجميع يتحدث عن أهمية حل القضية الفلسطينية، وأي حل يعنون؟ الحل على طريق عقد المؤتمر الدولي! وماذا يعني المؤتمر الدولي؟! يعني التقاء العرب المسلمين مع اليهود على طاولة واحد تحت مظلة أصدقاء اليسار الروسي وسادة اليمين الأمريكي للتفاوض على تقسيم أرض المسجد الأقصى.. أرض الإسراء.. أرض الأنبياء! ويظل الصوت الإسلامي الأصيل حرًّا أبيًّا، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن ضرورة حل القضية سلميًّا وبأسرع ما يمكن خوفًا من إفرازات الانتفاضة المباركة على دول المنطقة وما قد ينتج عنها من قلب للمفاهيم وتأصيل لأطروحات الجهاد في هذا الوقت الذي لا يصح فيه إلا الصحيح، ينطلق الرأي الإسلامي الرافض بشكل واضح وجريء لكل الأطروحات الانهزامية ولكل المخططات لتصفية القضية، ومعلنًا بصوت عال أن الجهاد المقدس هو الطريق الوحيد لحل القضية وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وأنه مجال لدولة فلسطينية صغيرة لا حول لها ولا قوة بين فكي دولة يهودية ضاربة الأطناب. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: 216)، لعل فوز بوش في واشنطن وتبنيه لسياسة سلفه في دعم لا محدود لليهود وعداء منقطع النظير للعرب والمسلمين، لعل هذا يزيل الغمامة عن عقول بعض السذج من الذين تبوأوا القمة في بلاد المسلمين وهم يأملون خيرًا من «سادة ما وراء البحار».
ولعل فوز شامير في تل أبيب يجعل بعض الذين يتكلمون باسم الأمة وباسم الشعب المسلم المقهور في فلسطين يجعلهم يعيدون النقاط في رفض انتهاج الجهاد طريقًا للتحرير، ويعيدون النظر في إصراره على الحل الاستسلامي، هذا ما ستثبته الأيام إن شاء الله، عندها سنعرف إذا كنا أمة تتعظ من أحداث التاريخ وتقلبات الزمان، فتستحق أن تعيش عزيزة وتموت عزيزة، أو أننا شعب لا يعرف من تاريخه وواقعه إلا يومه الذي يعيشه، عندها باطن الأرض خير لنا من ظاهرها.