العنوان موضوع الغلاف: تهويد المسيحية!
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
- قصة الاختراق اليهودي للفاتيكان.
- عام ١٩٥٨ م كان بداية الانحراف الخطير في موقف الفاتيكان تجاه اليهود وإسرائيل.
- نجح اليهود عام ١٩٦٥م في استصدار قرار الفاتيكان بتبرئتهم مما يسمى بـ«صلب المسيح.. وبعدها تسارعت الانهيارات في موقف الفاتيكان.
- في عام ١٩٤٤ م حذر الفاتيكان من خضوع الغرب للمطالب الصهيونية.. وفي عام ۱۹۸۲ م اعترف بإسرائيل كحق وليس كأمر واقع.
يمثل الفاتيكان المرجعية الدينية لمئات الملايين من المسيحيين الكاثوليك، ويعد أهم المؤسسات المسيحية على الإطلاق، ولا تضاهيه في هذه المكانة أي مؤسسة كنسية أخرى، وهو ما جعله هدفاً للاختراق اليهودي الذي حقق في العقود الأخيرة نجاحات كبيرة في هذا المجال. ما حقيقة هذه الاختراقات للفاتيكان؟ وما التسلسل التاريخي لها؟ هذا ما يحاول الاستعراض التالي لتطور العلاقات بين اليهود والفاتيكان الإجابة عنه.
بعد أن نجحت اليهودية في تحقيق إنجازات مهمة في تهويد الكنيسة البروتستانتية التي يرى أحد المتخصصين بشؤون العلاقات اليهودية - المسيحية أنها قادت تيار التهويد المسيحي بغالبية فرقها وطوائفها التي تصل إلى نحو ٤٠٠٠، بدأ تركيز اليهود على الطائفة الكاثوليكية وعلى الفاتيكان بصورة أساسية، وكان نحو ربع مليون يهودي من يهود أوروبا الشرقية قد التحقوا بالمسيحية، كما تؤكد بعض مصادر التاريخ للعلاقات اليهودية - المسيحية المعاصرة.
أحد المحطات المهمة في العلاقة بين اليهود والفاتيكان كانت عام ١٩٠٤م، حينما قابل الأب الروحي للصهيونية تيودور هرتزل البابا بيوس العاشر، وشرح له أهداف الحركة الصهيونية وطلب دعمه المعنوي، ولكن رد البابا لم يكن كما توقع هرتزل؛ حيث قال له: «اليهود لم يعترفوا بسيدنا المسيح؛ ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي.
وبعد ذلك عارض الفاتيكان تطبيق وعد بلفور وإقامة الكيان اليهودي، وظل على موقفه ذاك حتى قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨م، بل إن الفاتيكان كان يشعر بأن تمدد النفوذ اليهودي في فلسطين يتم على حساب النفوذ المسيحي، وهو ما أشار إليه البابا بندكتوس الخامس عشر عام ۱۹۲١م؛ حيث قال في إحدى المناسبات: إن حال المسيحيين في فلسطين لم يتحسن، بل ازداد سوءاً، ولا يسعنا من ثم إلا التنديد بمحاولة إبعاد المسيحية عن مواقعها ليحل مكانها اليهود.
وفي عام ۱۹۲۲م وجه الفاتيكان مذكرة رسمية العصبة الأمم المتحدة انتقد فيها فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي عام ١٩٤٣م أرسل الفاتيكان مذكرة إلى الحكومة الأمريكية عبر فيها عن معارضته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وبعد ذلك بعام أرسل الفاتيكان مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة للتحذير من خضوع الغرب للمطالب الصهيونية.
وخلال الفترة من ١٩٤٧م وحتى ١٩٤٩م طالب الفاتيكان في عدة مناسبات مطالب تصنف على أنها متعاطفة مع الموقف العربي، وظل الفاتيكان يرفض طوال عهد البابا بيوس الثاني الضغوط الدولية التي مارستها الدول الغربية لتغيير موقفه من الصهيونية والاعتراف بالكيان الصهيوني.
ومع وفاة بيوس الثاني عشر عام ١٩٥٨م الذي وجه اليهود له اتهامات تحمله المسؤولية عما يسمى بالمذابح النازية ضد اليهود والتي وقعت في عهده، بدأ التحول والانقلاب الخطير في موقف الفاتيكان والكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل.
حيث خلفه البابا يوحنا الثالث والعشرون، ولكن تجدر الإشارة إلى أن البابا بيوس الثاني عشر، ورغم الاتهامات اليهودية الموجهة إليه، فإنه كان قد وجه رسالة عام ١٩٤٤م للمسيحيين، حثهم فيها على القراءة اليومية للكتاب المقدس كما حث على مساعدة الجمعيات التي ترغب في نشر طبعات التوراة!.
وفي ظل الانحراف والانقلاب الذي طرأ على موقف الكنيسة تجاه اليهود بعد عام ١٩٥٨م، بدأت تظهر إلى حيز الوجود الدعوات للحوار بين المسيحية واليهودية وصدرت كتب بهذا الخصوص، كما عقدت لذلك العديد من الندوات، وعاد التركيز على ضرورة التلاحم بين العهدين القديم والجديد.
وثيقة التبرئة:
على أن الحدث الأخطر كان بعد دعوة البابا يوحنا الثالث والعشرين لعقد المجمع المسكوني الثاني خلال الفترة من ١٩٦٢ - ١٩٦٥م تحت عنوان العلاقات بين الكنيسة وغير المسيحيين، حيث تمكن أحد الكرادلة - هو ألماني - من وضع فصل خاص باليهود على جدول الأعمال يتعلق بالمطالبة بإعفاء اليهود وتبرئتهم من مسؤولية صلب المسيح التي يعتقدها المسيحيون.
وبعد الكثير من الضغوط والمناورات نجح اليهود في ۲۸ نوفمبر ١٩٦٥م في استصدار وثيقة التبرئة من الفاتيكان في ختام دورات المجمع، وأعلن قرار التبرئة البابا بولس السادس.
وبعد صدور هذه الوثيقة التي تعد الأخطر في انقلاب الموقف المسيحي تجاه اليهود، تسارعت الانهيارات في موقف الكنيسة الكاثوليكية بشكل كبير.
ففي عام ١٩٦٩م أذاع رئيس أساقفة بالتيمور في نيويورك الكاردينال لورنس شيهان وثيقة أقرها الفاتيكان عن العلاقات اليهودية - الكاثوليكية نصت على أن الكاثوليك عليهم أن يعترفوا بالمعنى الديني لدولة «إسرائيل» بالنسبة لليهود، وأن يفهموا ويحترموا صلة اليهود بتلك الأرض.
وبعد هذا الإعلان بيوم واحد دعا أساقفة الأبرشيات الثلاث في نيويورك في ۱۲/۱۲/ ١٩٦٩م إلى تأسيس علاقات أوثق بين الكاثوليك واليهود.
وفي عام ۱۹۷۳ م أصدرت اللجنة الأسقفية الفرنسية للعلاقات مع اليهود ما أطلق عليه وعد بلفور الكاثوليكي والذي نص على أن ضمير المجموعة العالمية لا يستطيع أن يرفض للشعب اليهودي الحق والوسائل من أجل وجود سياسي بين الأمم.
وفي عام ۱۹۸۲م وفي عهد البابا الحالي يوحنا بولس الثاني أعلن الفاتيكان اعترافه بدولة إسرائيل كحق وليس كأمر واقع.
وفي عام ۱۹۸۵م أصدر الفاتيكان كتاباً حمل عنوان ملاحظات لتقديم أفضل لليهود واليهودية، وأذيعت هذه الوثيقة عن طريق لجنة الفاتيكان للعلاقات مع اليهودية، وقد حثت المسيحيين على استئصال ما ادعته الوثيقة برواسب العداء للسامية القائم في نفوس المسيحيين الكاثوليك، وتذكرهم بأن المسيح عبراني وسيكون كذلك دائماً. وتدعو كاثوليك العالم لفهم تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم.
وفي عام ١٩٨٦م زار البابا الحالي الكنيس اليهودي في روما كبادرة على صدق النوايا نحو اليهود.
وفي ١٦/ ١٠/ ١٩٩١م صرح البابا في البرازيل بأنه يصلي كي يتمكن من وصفهم به إخوتنا اليهود من العيش بسلام في أرض آبائهم.
وفي 20/7/1992م أعلن الفاتيكان تأليف لجنة عمل ثنائية دائمة تلتقي دورياً من أجل جعل العلاقات طبيعية بين إسرائيل والفاتيكان، ووصف وزير خارجية الفاتيكان في حينه هذه الخطوة بأنها تشكل نقلة نوعية في تاريخ العلاقات بين الجانبين.
وفي نوفمبر ۱۹۹۲م منح البابا ميدالية بيوس الحادي عشر الذهبية، وهي أعلى وسام في مجال العلوم العالم رياضيات إسرائيلي من معهد وايزمن للعلوم.
وبعد توقيع اتفاقية أوسلو في شهر سبتمبر عام ۱۹۹۳م استغل الفاتيكان ذلك ووقع في 30/12/١٩٩٣م وثيقة الاعتراف والتبادل الدبلوماسي مع إسرائيل.
وفي شهر أبريل ۱۹۹۷ م صرح البابا في حديثه أمام مجمع العقيدة للتوراة بأن المسيحي يجب أن يعلم أنه بانتمائه إلى المسيح أصبح من أحفاد إبراهيم، واندمج في شعب إسرائيل، ويضيف أنه إذا أدرك المسيحيون أن المسيح كان ابناً حقيقياً لإسرائيل، فإنهم لن يقبلوا بعد ذلك أن يضطهد اليهود أو تساء معاملتهم!!.
وآخر تطور في تسلسل العلاقة المتصاعدة، بل والانقلاب في موقف الفاتيكان تجاه اليهود تمثل في وثيقة الاعتراف بالذنب، وطلب الصفح والمغفرة التي أصدرها الفاتيكان في شهر مارس الماضي واعتذر فيها لليهود عن موقفه أثناء المذابح النازية.
ومن العرض السابق لمسلسل الانهيارات في موقف الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل يتضح حجم النجاح الكبير الذي حققه اليهود في تهويد الكنيسة الكاثوليكية التي يرى الكثير أنها تخلت عن معتقداتها ومفاهيمها الأساسية الدينية تجاه اليهود بفعل الخطط اليهودية والضغوط الغربية.
أحد المختصين والمتابعين لموقف الكنيسة الكاثوليكية علق على الخطط اليهودية بقوله: «بعد أن ضمنت الصهيونية قطاع البروتستانت من العالم المسيحي، عمدت إلى القطاع الكاثوليكي فوضعت الخطط لاختراقه، ومن ثم دفع مرجعيته الروحية الفاتيكان إلى الاعتراف بإسرائيل، نظراً لما يمثله هذا الاعتراف من قوة معنوية كبيرة لإسرائيل والصهيونية.
الاعتذار وإدانة الذات وصلت حد التذلل والامتهان والاستخذاء
قراءة في وثيقة اعتذار وتوبة الفاتيكان من المحرفة النازية
- الفاتيكان : نناشد اليهود أن يتلطفوا بالاستماع إلينا.
- اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون.. هم بحق الشقيق الأكبر.
وثيقة الاعتذار والندم التي أصدرها الفاتيكان في شهر مارس الماضي والتي امتلأت وعجت بعبارات التذلل والتزلف والتباكي على معاناة اليهود أثناء الحقبة النازية، ما زالت تثير الكثير من الجدل وردود الفعل البعض هاجمها واعتبرها خطوة جديدة نحو المزيد من تهويد الكنيسة وتقديم الدعم لإسرائيل، في حين حاول البعض من اتباع الكنيسة الكاثوليكية تبريرها ولكن دون جدوى.
ومع أنه ربما يتبادر للذهن -فور السماع بالعنوان العريض للوثيقة وثيقة الندم والاعتذار- إحساس أنها تتضمن استخدامًا ورضوخاً من الكنيسة لليهود إلا أن هذا الإحساس يتزايد بصورة كبيرة عند قراءة الوثيقة التي قال أحد مهاجميها: إنها طلب للصفح والمغفرة وإدانة للذات بصورة فيها الكثير من الإسفاف والامتهان.
وكانت فكرة إصدار الوثيقة قد أخذت طريقها للتنفيذ خلال مؤتمر عقد في روما خلال الفترة من ١٠/٢٠ إلى 2/11/1997م؛ حيث قدَّم البابا يوحنا بولس الثاني وثيقة بهذا الخصوص لتتم مناقشتها وإقرارها من قبل ٦٠ خبيراً دينياً في اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي، وعلق أحد أعضاء لجنة العلاقات الدينية مع اليهود في حينه أن المؤتمر سيراجع ويعدل عدة نصوص دينية في العهد الجديد الإنجيل لتحاملها على اليهود، كما يتم تعديل إنجيلي متى وبولس وقصة التلاميذ برمتها!! وهذا ما رأى فيه الكثير تحريفاً وتغييراً من الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان للنصوص الدينية المسيحية الترضي اليهود وتنسجم مع الأوضاع السياسية الراهنة!!.
وقد علق البابا يوحنا بولس الثاني في ١٢ مارس الماضي على الوثيقة التي أطلق عليها تسمية نحن نتذكر، قائلاً: أملي كبير في أن وثيقة نحن نتذكر، تشكل إعادة تفكير حول المحرقة، وتساعد حقاً على شفاء الجروح، وأضاف: إن الكنيسة تشجع أبناءها وبناتها على تطهير قلوبهم نادمين على أخطاء وكفر الماضي الكنيسة تنادينا للوقوف بتواضع أمام الله ومراجعة مسؤولياتنا عن الشر الذي وقع في أيامنا.. في عدة مناسبات خلال بابويتي تذكرت وبشعور عميق بالأسف معاناة الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية الجريمة التي أصبحت معروفة باسم SHOAH المحرقة، تبقى بقعة لن تمحى من ذاكرة هذا القرن الذي شارف على الانتهاء!!.
وهذا التذلل والنفاق والاعتذار في تعليق البابا على الوثيقة هو الروح التي تغلف الوثيقة في كل أجزائها، ولا تتورع عن وصف اليهود بأنهم الشقيق الأكبر؛ حيث تقول: إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون، وهم بحق الشقيق الأكبر.
وفي موضع آخر تقول الوثيقة: "الكنيسة الكاثوليكية ترغب بالتعبير عن عميق أسفها لتقصير أبنائها وبناتها في كل حقبة، وهذا يعني الندم كأعضاء في الكنيسة تتقاسم فعلياً، سواء خطايا أو حسنات جميع أبنائها الكنيسة تقف وباحترام عميق ورثاء كبير أمام تجربة الإبادة -المحرقة- التي عانى منها الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية".
وتطالب الوثيقة أتباع الكنيسة الكاثوليكية بإبداء الأسف والندم على ما حصل لليهود لنأسف بعمق على الأخطاء والذنوب التي ارتكبها أبناء وبنات الكنيسة، لنعمل ما يقوله لنا المجمع المسكوني الثاني الذي أكَّدَ -ودون أدنى شك- أن الكنيسة تتذكر إرثها المشترك مع اليهود ومدفوعة بأسباب ليست سياسية، ولكن دينية من وحيِّ الإنجيل، نأسف للكراهية ومطاردة كل صور اللاسامية الموجهة ضد اليهود في كل زمان ومكان.
وفي إدانة، بل وإساءة للذات تتهم الوثيقة المسيحيين بارتكاب خطايا وليس خطيئة نأمل أن يتحول اعترافنا بالخطايا التي وقعت في الماضي إلى موقف ثابت وعلاقة جديدة خالية من المشاعر المضادة لليهود.
وفي تساؤل يتضمن الاتهام والإدانة تقول الوثيقة عندما طردت النازية من أراضيها جموع اليهود ووحشية الحركات العنيفة التي أصابت أناساً عُزَّلاً من السلاح، كل هذا كان يجب أن يحرك الشكَّ بما هو أسوا، هل قدم المسيحيون كل مساعدة ممكنة للمطاردين وبخاصة اليهود؟ لا نستطيع أن نعرف كم عدد المسيحيين في الدول التي احتلتها أو حكمتها القوى النازية أو حلفاؤها. احتجوا بغضب على فقدان جيرانهم اليهود ولم يكونوا شجعاناً بما فيه الكفاية لسماع أصواتهم المعارضة، وللمسيحيين أقول: إن هذا الحمل الثقيل الجاثم على ضمائرهم بخصوص إخوانهم وأخواتهم خلال الحرب العالمية الأخيرة يجب أن يكون مدعاة للندم.
وفي مكان آخر من الوثيقة تتهم المسيحيين بأنهم كانوا وللأسف مذنبين، وفي محاولة لتوضيح الأسباب، تتساءل الوثيقة هل الأفكار المسبقة الموجودة في عقول وقلوب بعض المسيحيين اليهود ساعدت وسهلت على النازيين مطاردة اليهود؟ وتجيب الوثيقة عن السؤال: مشاعر اللاسامية أدت ربما إلى تخفيض حساسية المسيحيين أو حتى اللامبالاة عندما أطلقت القومية الاجتماعية بعد وصولها إلى السلطة إجراءات مطاردة اليهود. حكومات بعض الدول الغربية ذات التقاليد المسيحية بما في ذلك بعض دول شمال وجنوب أمريكا، كانوا أكثر من مرتبكين لفتح حدود بلادهم لليهود المطاردين، حتى وإن لم يتمكنوا من التنبؤ إلى أين سيصل عمداء النازية في نواياهم الإجرامية وزعماء هذه الدول كانوا مطلعين على الصعوبات والأخطار التي ستواجه اليهود الذين يعيشون على أراضي الرايخ الثالث، وفي تلك الظروف إغلاق الحدود لهجرة اليهود، سواء بسبب معاداة اليهود أو الشك في اليهود أو بسبب الجبن والنذالة أو قصر النظر السياسي أو الأنانية الوطنية، كل هذا يشكل حملاً ثقيلاً على ضمير السلطات صاحبة العلاقة.
لا يقتصر اعتذار الفاتيكان والكاثوليكية وإقرارهم بالذنب تجاه ما اقترفوه بحق اليهود على موقفهم تجاه المذابح النازية، بل يتعداها للاعتذار عن التاريخ السحيق، ولا يتورع الفاتيكان عن الاعتذار عن أحداث حصلت قبل مئات الأعوام ويبرر ذلك أن فهم وتفسير موقف الكاثوليك من مذابح النازية لا يتأتى إلا من خلال فهم موقف المسيحية من اليهود عبر القرون.
وتقول الوثيقة في استعراضها لتاريخ العلاقة بحثاً عن خلفيات ما حدث: تاريخ العلاقة بين اليهود والمسيحيين تاريخ عذاب، وقد اعترف بذلك قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في خطبه المتكررة إلى الكاثوليك للتعبير عن موقفنا وعلاقاتنا مع الشعب اليهودي، ومحصلة هذه العلاقة خلال الألفي عام وعبر القرون كانت عملياً إلى حد كبير سلبية.. في العالم المسيحي تفسيرات خاطئة وظالمة للعهد الجديد تتعلق بالشعب اليهودي واحتمالية إدانته هذه التفسيرات بقيت بيننا ولزمن طويل وولدت مشاعر من الخصومة نحو الشعب اليهودي، تفاسير العهد الجديد هذه رفضها كلياً ونهائياً المجمع المسكوني الثاني.
وبالرغم من تبشير الكنيسة بالمحبة للجميع بما في ذلك الأعداء، فإن العقلية المسيطرة عاقبت ولعدة قرون الأقليات؛ لأنهم كانوا وبشكل ما مختلفين المشاعر المضادة لليهود في بعض الأوساط المسيحية، الاختلاف الموجود بين الكنيسة والشعب اليهودي أديا إلى تمييز عام ظهر في بعض الأحيان على شكل طرد، وأحياناً أخرى على شكل محاولات تحويلهم إلى المسيحية بالقوة.
الوثيقة -وفي محاولة منها لتبرير الموقف الانهزامي للفاتيكان- تؤكد أن التاريخ ذاكرة المستقبل، وأنه لا يوجد مستقبل بدون ذاكرة وتعبر بصورة واضحة عن رغبتها بمستقبل مختلف للعلاقات بين المسيحية وبين اليهود الذين تزعم أن العلاقة الدينية تجمع بينها وبينهم بصورة مختلفة عن أي من الديانات الأخرى.
وتقول المذكرة: "لا أحد يستطيع أن يتهرب مما حدث وبخاصة الكنيسة، وبحكم علاقة القرابة الروحية التي تربطها بالشعب اليهودي، وبحكم ذكرياتها بأنها غذت بعض مظالم الماضي، فإن علاقة الكنيسة مع الشعب اليهودي علاقة مختلفة عما يجمعها مع الأديان الأخرى".
حفلت الوثيقة بالكثير من المشاعر الكاذبة والنفاق الصارخ تجاه اليهود والتباكي على معاناتهم، وبكثير من التذلل والامتهان تستعطف اليهود بمجرد الاستماع للمسيحيين: نناشد بشكل خاص أصدقاءنا اليهود أصحاب القدر الفظيع الذي أصبح رمز انتهاكات الإنسان وهو يتجه ضد الله ننشادهم بأن يتلطفوا بالاستماع إلينا، إن المحرقة كانت وبالتأكيد المعاناة الأسوأ، وحشية مطاردة اليهود وتذبيحهم في هذا القرن أكبر من مقدرتنا على التعبير بالكلمات حصل كل هذا فقط لأنهم كانوا يهوداً، القرن الحالي شاهد على فواجع لا توصف ولا يمكن أبدًا نسيانها، محاولة النظام النازي إبادة الشعب اليهودي، وما تبع ذلك من قتل ملايين اليهود رجالاً ونساءً، وشيوخاً وشباباً وأطفالاً وحديثي الولادة، قتلوا فقط لأنهم يهود. كانوا ملاحقين مطاردين، بعضهم قتل مباشرة وبعضهم أذل وعذب وحرم بالكامل من كرامته الإنسانية وقتل في النهاية، ولم يبق سوى عدد قليل جِدًّا ممن كانوا داخل معسكرات الاعتقال، ومن نجا من الموت بقي مرعوباً طيلة حياته، هذه هي المحرقة إحدى فواجع هذا القرن، وهي تطاردنا حتى اليوم.
أحد كبار رجال الدين المسيحي في الأردن رؤوف نجار حاول الدفاع عن الوثيقة، وزعم أن الكنيسة الكاثوليكية أحبت أن توضح الأمور حتى لا يكون هناك شك أو حكم لا أساس له ويؤكد أن الكنيسة لم تكن مسؤولة عن الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي، وأنها بريئة من ذلك، مع أن نفيه هذا يتناقض مع عشرات التأكيدات التي تضمنتها وثيقة الفاتيكان حول مسؤولية الكنيسة عما جرى كما أنها قدمت في ثناياها عشرات الاعتذارات والإقرارات بالذنب والخطيئة!
لا شكَّ في أن وثيقة الفاتيكان التي بالغ فيها بالتعلق والتزلف لليهود وطلب مغفرتهم وعفوهم ورضاهم بأكثر العبارات استجداء واستخذاء، تحرج موقف بعض المسيحيين الكاثوليك العرب، ولكن هل سيملكون في نهاية المطاف سوى الخضوع لتعليمات زعامة الطائفة التي قررت أن اليهود هم الأعزاء والأشقاء، بل والشقيق الأكبر وربما السيد المطاع؟!
جذور .. التهويد تمتد إلى الحروب الصليبية
عملية تهويد المسيحية ليست وليدة اليوم، وإنما يجرى تنفيذها من عدة قرون، وقد سلط الكاتب السوري ممدوح عدوان الضوء على هذه العملية في عدة مقالات صحفية نقتطف منها:
كان الغرب المسيحي قد خاض الحروب الصليبية طوال أكثر من قرنين من الزمن من أجل الأماكن المقدسة في فلسطين.
وإن الاحتفال الهستيري الذي أقيم يوم دخول اللنبي إلى القدس في الحرب العالمية الأولى ليدل على عمق الاهتمام الذي لم يمت لدى الغرب في السيطرة على هذه الأماكن المقدسة، وكان اللنبي قد أبلغ قبل ذلك أن جلالة الملكة والغرب المسيحي كله ينتظر منه مدينة القدس هدية لعيد الميلاد، وحتى حين دخل الجنرال غورو إلى دمشق بعيد تلك الحرب، لم ينس أن يتوجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ليقول له جملته الشهيرة: «ها قد عدنا يا صلاح الدين.
إن وراء التعاطف الغربي مع الصهيونية والتنسيق الكامل معها مصالح اقتصادية بالتأكيد يمكن فهمها وشرحها مطولاً، ولكن لا شك في أن هناك شيئاً آخر يجعل من السهل على العنصرية الصهيونية إقناع الغرب ليس بوجهات نظرها فقط بل وبأنها البديل عنه في هذا الأمر، وهذا الإقناع لا يطول صانعي القرار السياسي الاقتصادي فقط بل يتعمق ليصبح حالة شعبية، ولكن هناك علاقة عميقة ممتدة إلى الماضي بين التفكير المسيحي الغربي، البيوريتاني بالتحديد الذي يحتقر التفكير المسيحي الشرقي، وبين الفكر الصهيوني.
يقدم منير العكش في مقال افتتاحي طويل في العدد المزدوج (۸۷) من مجلته التي يصدرها في الولايات المتحدة الأمريكية جسور، معلومات موثقة ومثيرة عن هذه العلاقة بين التفكيرين اليهودي والصهيوني والمسيحي والبيوريتاني، وأحب أن نبدأ باستعراض هذه المعلومات.
إن المستعمرين البيروريتانز، كما تقول عالمتا الأديان مونيكا سجو وبربارة مر في كتابهما الأم الكونية العظمى، قد صاغوا من أساطير مملكة إسرائيل فلسفة الأخلاق اللازمة للاستعمار والقتل والنهب والاستعمار.. وعلى المستوى الأخلاقي لم يستسهل المستعمر البيروريتاني قتل الهندي الأحمر إلا لأنه كان يعتقد بأنه كان يقتل كنعانياً فلسطينياً.
كل تصورات الإسرائيليين القدامى ومفاهيمهم عن الحياة والتاريخ والمقدس زرعها المستعمرون البيوريتانز في أمريكا التي أطلقوا عليها اسم أرض الميعاد وصهيون و«إسرائيل الجديدة» وأرض كنعان، وغير ذلك من التسميات التي أطلقت على فلسطين في أسفار العهد القديم. التوراة، ولقد عبر جون كوتون - وهو الأب الروحي للبيوريتانية الأمريكية. عن هذه الحتمية القدرية في موعظة له قال فيها قبل أن يتوجه إلى العالم الجديد لتأسيس مستعمرة خليج ماساشوستس: «إن الله حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد أمريكا، وما دمنا الآن في أرض جديدة فلا بُدَّ من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد بني إسرائيل، هذا الشعب المختار المتميز».
يقول أندرس ستيفنسون مفسراً معنى تأسيس الولايات المتحدة ذاتها من خلال تأسيس إسرائيل الجديدة (الولايات المتحدة) سيتمتع هذا الشعب المختار بحق مطلق وشامل ومقدس في هذه الأرض وسيبدأ بإعادة صياغة العالم وتهيئته لحرب نهاية التاريخ، بذلك يتحقق العهد بين يهوه وشعبه.. إن كل مصير العالم مغلق على هذا العهد! وقد جاء البيوريتانز للتأكيد على هذا البعد في قضية اختيار الله لهم وعهده معهم.
إن البيوريتانز يتحملون مسؤولية كبرى في خروجهم إلى إسرائيل الجديدة، فبهذا الخروج صارت رسالتهم على الأرض صورة حرفية الرسالة بين إسرائيل وصار العهد مع يهوه يشملهم أيضاً. وهذا ينسجم مع ما كان بلاط جيمس الأوَّل قدْ صاغه عام ١٦٢١ م من حيث عودة بني إسرائيل إلى أرض أجدادهم وتأسيس إمبراطوريتهم الموعودة.
وحتى الدعوة إلى نظام عالمي جديد هي بالنسبة لبات روبرتسون، المستشار الروحي للرئيس السابق بوش أيام عاصفة الصحراء، في كتابه الذي يحمل عنوان: "النظام العالمي الجديد". ليست بعيدة عن التوراة؛ إذ يقول روبرتسون: إن الكتاب المقدس هو الذي يعد بتلك الحكومة العالمية التي ستقضي على كل أعداء إسرائيل.
وحتى ما يمكن أن يصل إلى أسماع الغرب عن أنباء المجازر فإنه لا يمكن أن يحدث الأثر الذي نتوقعه، إن مجازر أو مذابح كهذه جزء من التراث المطلوب والذي نفذ قسم كبير منه في تأسيس إسرائيل الجديدة الولايات المتحدة الأمريكية عند ذبح الهنود الحمر، إنها المواجهة ذاتها بين الشعب المختار والجنتيل (غير اليهود)، وهي مواجهة أخذت تسميات مختلفة شعب مختار في مواجهة كنعانيين وحضارة في مواجهة وحشية وعرق أبيض في مواجهة عرق ملون.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالعلاقة بين المسيحية واليهودية ليست متكافئة أو ليست على المساواة، فحتى بعد القبول البيوريتاني باليهودية فإن الصهيونية تظل في مواقعها الهجومية على المسيحية، وهي تنتقل إلى الهجوم بطرق مختلفة سنحاول أن نستعرض بعضاً منها.
منذ فترة ليست بالبعيدة صدر قرار عن الكنيست الإسرائيلي لمنع قراءة أو حيازة جميع النصوص المسيحية بما في ذلك الإنجيل، وكل من توجد في حيازته نصوص مسيحية مهدد بالسم عاماً كاملاً، ومن يطبع أو يوزع أو يستورد مطبوعات تشجع على اعتناق المسيحية يعاقب بالحبس.
ويتفاخر شوميل غولدينغ مدير ومؤسس معهد الجدل التوراتي في القدس يتفاخر بالذي حققه في الكنيست بعد ستة عشر عاماً من الكفاح ضد المسيحية»، ويقول: إنه لا يثق بأحد ولا يقبل تفسير إمكانية التعايش مع المسيحيين أو من يسميهم الصهاينة المدسوسين والموسويين.
لقد كانت هناك هجمات يهودية معاصرة ومركزة على المسيحية لأجل أهداف محددة تبرئة اليهود من دم السيد المسيح، ثم تصريح البابا بأن السيد المسيح يهودي، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالهجوم على المسيحية قديم، وهو هجوم منظم يتخذ من الثقافة ميدانه الأوَّل، ويتمحور حول النقطة الأساسية التالية: هل كانت المسيحية ديناً جديداً فعلاً؟ أم أنها طائفة متفرعة "خارجة" عن اليهودية؟ ولماذا حدث ذلك الانشقاق بينهما؟
وللإجابة عن أسئلة كهذه صدر سيل من الكتب تعيد النظر في تفسيرات الكتاب المقدس لكي يتلاءم مع معطيات العصر الجديد بما في ذلك جعل الشذوذ الجنسي مشروعاً حتى بين رجال الدين ومجموعة من الكتب حول حياة الحواريين، ولعل أبرز هذه الكتب وأكثرها إثارة الكتاب الذي صدر حول يهوذا هل هو خائن أم فدائي أم قديس؟ والكتاب حول جيمس شقيق المسيح والمتسبب في شق المسيحية عن اليهودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل