; الدولة الدينية بين الأوروبيين والمسلمين.. الصراع بين الدين والعلم | مجلة المجتمع

العنوان الدولة الدينية بين الأوروبيين والمسلمين.. الصراع بين الدين والعلم

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 07-مايو-2005

مشاهدات 73

نشر في العدد 1650

نشر في الصفحة 44

السبت 07-مايو-2005

الصراع بين الدين والعلم في أوروبا هو صراع بين العلم وانحراف الكنيسة بالدين

المنصفون من المستشرقين يعلنون أن الحكومة الإسلامية مدنية وليست دينية بالمفهوم الأوروبي

 

مصطلح الدولة الدينية أو الحكومة الدينية يطلق على الفترة التي حكم فيها رجال الدين المسيحي في أوروبا، وكذلك الفترة التي كان الأمراء أداة في يد رجال الدين يأتمرون بأمرهم ولا يملكون مخالفة هذه الأوامر، حيث كان رجال الدين المسيحي يزعمون أنهم ينوبون عن الله ويتكلمون باسمه، فما يصدر عنهم إنما يصدر عن الله، ومن خالفهم فقد كفر بالله وعقوبته القتل.

لقد زعم رجال الدين المسيحي أنهم المصدر الوحيد للعلم والمعرفة بما في ذلك أمور الدنيا كالطب والهندسة والصناعة والزراعة، وكما كان علمهم في ذلك ناقصًا لعدم تخصصهم في هذه العلوم؛ فقد أنكر رجال الدين أي بحث علمي لا علم لهم به، ولهذا اهتزت الكنيسة عندما أعلن كوبر نيكوس أن الأرض تتحرك وليست ثابتة، وهو بهذا قد خالف المعلوم لدى رجال الدين وهو أن الأرض ثابتة وهي مركز الكون والأجرام السماوية تدور حولها. وكان رد فعل الكنيسة في أوروبا هو اتهام كوبرنيكوس بالهرطقة وتقديمه إلى محكمة التفتيش على الرغم من أنه كان من رجال الدين حيث كان يعمل قسيسًا، وطالبت بسجنه، لكنه مات قبل الحكم عليه فحرمت تداول كتابه حركة الأجرام السماوية؛ لأن ما به وساوس شيطانية.

ولما أصر برونو على صحة هذه النظرية سجنته محكمة التفتيش وحاكمته، ولما أصر في المحاكمة على رأيه أن الأرض تدور وليست ثابتة أحرقته سنة 1600م (1).

تحريم العلوم

وليس صحيحًا أن رجال الدين المسيحي كانوا يمثلون الله أو ينقلون عن الكتاب المقدس المكون من التوراة والإنجيل، فقد أجازوا عبادة التماثيل وهي من الشرك بالله، في الكتاب المقدس، الذي يحرم الميتة بينما أحلتها الكنيسة، وحرموا استخدام التخدير في العمليات الجراحية، وحرموا علوم الطب والهندسة والجغرافيا والكيمياء ولا توجد نصوص في الكتاب المقدس تحرم ذلك.

وأمام انحراف رجال الدين في أوروبا وتحريمهم ما أحله الله للناس تجرأ العلماء على الوقوف في وجه الكنيسة، وأنكروا تدخلها في العلوم التجريبية، كما أنكروا إصرارها على صكوك الغفران والحرمان، وكان من المشاهير في الخروج على الكنيسة مارتن لوثر الذي عاش خلال الفترة من 1438م حتى 1546م حيث أعلن أن عقيدة التثليث ليست في الكتاب المقدس وهي من تعاليم الشيطان وليست من تعاليم الرحمن، وأن صكوك الغفران والحرمان لیست إلا وسيلة للعبودية والرق لغير الله، وليس ذلك إلا للباباوات ورجال الدين.

كما شن (كالفن) حربًا على الكنيسة وأنكر تفسير الباباوات للإنجيل، وأعلن أن التثليث وصكوك الغفران فيها خروج على أصول المسيحية الصحيحة.

عصر التنوير

ولقد ظلت هذه الحركة تحافظ على احترامها للكتاب المقدس وتفسره بما يتفق مع العلم حتى ظهرت حركة أخرى في القرن الثامن عشر، وهي التي سميت بعصر التنوير، وكان من روادها الأوائل وولف في ألمانيا، ولوك في إنجلترا، وفولتير ولامارتين في فرنسا.

لقد أنكر هؤلاء أن تكون السيادة للدين المسيحي، ورفضوا أن يكون هذا الدين مصدرًا للقوانين أو للعلوم والمعرفة.

وترتب على هذا قيام الثورة الفرنسية التي عزلت الدين المسيحي عن الدنيا متذرعة في ذلك بنص في الإنجيل يقول: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله الله».

منهج الإسلام

هذه التجربة الأوروبية خاصة بالكنيسة المسيحية ولم تمر بها الشعوب الإسلامية؛ لأن الإسلام في رسالته الخاتمة المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية قد صرح بأن الله تعالى قد أرسل خاتم النبيين ليرفع عن الناس الأغلال التي تمسك بها رجال الدين قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157).

وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج كما طبقه خلفاؤه بعد وفاته، وفي هذا قال صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم».. كما قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء فتداووا عباد الله».

والإسلام يفصل تمامًا بين أمور الدين وأمور الدنيا، فيترك أمور الدنيا للناس يجتهدون فيها حسب معلوماتهم على مر الزمان.

لهذا لم يحدث في أي عصر أي صراع بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، كما حدث في أوروبا.

لقد أبطل القرآن الكريم مزاعم رجال الدين المسيحي واليهودي أنهم يمثلون الله ويتكلمون باسمه، وأن ما يحلونه أو يحرمونه في الأرض إنما يصدر عن الله تبارك وتعالى، ويجعل الأحبار والرهبان شركاء لله في ملكه، فقد اعتبر القرآن ذلك اعتداء على سلطان الله تبارك وتعالى، وفي ذلك وعن الانحرافات سالفة الذكر من رجال الدين اليهودي والمسيحي قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31).

لهذا فالعودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المعاملات والعقوبات لا تعني العودة إلى نظام الحكم الديني بالمفهوم الأوروبي؛ فالإسلام نظام مدني ليس فيه نظام رجال الدين وليس فيه عصمة سوى للقرآن الكريم والصحيح من السنة النبوية.

نظام الخلافة

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تولى الحكم أشخاص بالاختيار الحر من الناس وليس بادعاء الاختيار من الله تعالى.

فالخليفة يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في السلطة السياسية فقط، ولا يخلفه في السلطة الدينية الانقطاع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولقد سميت رئاسة الدولة في النظام الإسلامي بالخلافة، وهي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم في الدنيا بأحكام الدين، فيما لا يخضع للتجارب وللعقل.

ولقد سمى المسلمون أبا بكر خليفة لأنه خلف النبي في الأمة، ولهذا رفض أن يسميه أحد خليفة الله، وقال أنا خليفة رسول الله، ولهذا استحسن الخليفة الثاني أن يسمى أمير المؤمنين. لهذا فالخلافة تختلف عن الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى في أمور رئيسة أهمها:

1-  أن رئيس الدولة ليس خليفة عن الله، ولهذا نهى أبو بكر الصديق وهو الخليفة الأول أن يقال عنه ذلك، وقال لكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).

2- أن خلافته للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدين لا تعني بحال أن له عصمة تخوله التحليل والتحريم. أي التشريع بالإلهام، أو أي وسيلة أو طريقة بل يختص بحراسة الدين وتطبيق الأحكام الواردة في القرآن الكريم، وفيما ثبت من السنة النبوية، وهذا نظام مدني.

لهذا عندما سئل علي بن أبي طالب: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات فقد كذب (رواه مسلم عن الإمام علي رضي الله).

٣- أن الخليفة أو رئيس الدولة وكذا سائر أعضاء مجلس الشورى يختارهم المسلمون اختيارًا حرًا بالوسائل المناسبة لكل عصر ومكان. فقد أوكل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار من أهل المدينة أن يختاروا من بينهم رؤساء لهم فقال: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم» (رواه البخاري في فتح الباري 5/17).

رئاسة مدنية

فالأمة تختار الحاكم وتحاسبه، وتعزله، ولا يوجد في الإسلام رؤساء معينون من الله كما هو شأن النصارى في دعواهم أن الباباوات يعينهم الله تعالى، ومن ثم فهم معصومون من الخطأ، وما يفتون به هو من عند الله، بل نزل القرآن ليبطل هذه المزاعم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31).

إن رئاسة الدولة في النظام الإسلامي -أيًّا كانت التسمية التي تطلق على رئيس الدولة- هي رئاسة مدنية ونظام مدني، فهذه الرئاسة تتم بعقد بين الأمة وبين الحاكم، وينوب عن الأمة مجلس الشورى أو أهل الحل والعقد أو مجلس الأمة.

ولهذا، فإن للأمة أن تقيد هذا العقد بما تراه لازمًا للمصلحة العامة. 

ويجوز أن يقيد الدستور الحاكم بالرجوع إلى نواب الأمة في أمور يحددها الدستور.

لما كان ذلك كذلك، فمن الافتراء على الله وعلى التاريخ، ادعاء أن العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية هو عودة إلى صكوك الغفران والحرمان وإلى نظام الحكم الديني بالمفهوم الأوروبي.

كما أن النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية في مصدر التشريع، لا يعني الحكم الكنسي أو الديني الذي كان مطبقًا في أوروبا للأسباب سالفة الذكر. 

كما لا يترتب عليه عدم الاستفادة من المصادر غير الإسلامية فيما لا نص فيه، وفي المصالح المرسلة وفيما يحتاج إلى الترجيح بين الآراء.

مصدر رئيس

وليس صحيحًا ما يردده بعض الكتاب في الخليج والعالم العربي أن المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع قد خولت مجلس الأمة حق إصدار قوانين تخالف أحكام الشريعة الإسلامية استنادًا إلى كلمة رئيس، فقد كان هذا هو النص في الدستور المصري قبل تعديله وقبل النص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.

إن المنصفين من المستشرقين يكتبون هذا في كتبهم ويعلنون أن الحكومة الإسلامية حكومة مدنية وليست دينية بالمفهوم الأوروبي.

وهؤلاء ليسوا أقل عداء للإسلام من المنافقين، ولكنهم أكثر محافظة على كرامتهم؛ ولهذا أبوا أن يعلنوا أن الحكم الإسلامي استبدادي أو ليس مدنيًّا، لأنهم يعلمون أن صبيان الباحثين سيكذبونهم.

لهذا قام بهذا الدور الدنيء والخسيس المنافقون من الأعراب، خدعوا المسلمين وخانوا الإسلام فزعموا أنه يخلو من القواعد المدنية والجنائية والسياسية ورفعوا لذلك مقولة ولا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، أي يحكمون على المسلمين بالموت المدني الذي قررته الكنيسة للرهبان وزعموا أنهم يقتفون أثر أوروبا ذلك، وهم لا يجهلون أن أوروبا فصلت الدين عن الدنيا للحيلولة دون استمرار رجال الدين هناك في إصدار صكوك الغفران والحرمان بحق شعوب أوروبا والحيلولة دون استمرار ظلمهم للشعوب، ولا يجهل الأعراب أن القرآن الكريم قد نزل ليرفع عن البشرية كلها هذه الأغلال ويرد الأمر كله لله. وفي ذلك قال الدكتور نظمي لوقا في كتابه: محمد الرسول والرسالة، إن رجال الدين في أوروبا قد جعلوا الإنسان مركباً من شطرين، نصفه لله ونصفه لغير الله ﴿ۗقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154). 

أحزاب مسيحية

كما أن المنافقين من الأعراب لا يجهلون أن اوروبا بالرغم مما أصابها من إجراءات رجال الدين، لم ترفع الشعار العربي: «لا سياسة في الدين» فنشأت أحزاب مسيحية في القرن التاسع عشر في كل من هولندا وسويسرا وبلجيكا وغيرها، كما نشأ في ألمانيا حزبان مسيحيان.

ومنذ عام 1880م ظهرت في أوروبا المنظمات والنقابات والجمعيات المسيحية، ولم تحرم من الشرعية كما يفعل العرب.

وفي عام 1919م نشأ في إيطاليا الحزب الشعبي المسيحي الذي حظره موسوليني مع غيره من الأحزاب، ثم عاد مرة أخرى بعد ذلك عام 1944م باسم الحزب الديمقراطي المسيحي بعد زوال حكم الطاغية.

وفي عام 1924م تأسس الحزب الشعبي المسيحي الفرنسي، وفي عام 1946م تأسس حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ألمانيا.

وفي عام 1948م تأسس الاتحاد الدولي للشباب المسيحي الديمقراطي كمنظمة سياسية.

وفي عام 1949م، تأسست أحزاب سياسية في أمريكا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية يحركها التعصب الديني المسيحي لهذا تحالفت مع الكيان الصهيوني ضد العرب.

 

(1) قصة الحضارة، ديورانت، 4/352، وويلز في معالم التاريخ الإنسانية 10/ 1008

(2)  مقدمة ابن خلدون ص 689 ط لجنة البيان العربي.

(3) انظر الفصل الثالث من كتاب «السنة المفترى عليها» دار الوفاء بمصر، وكذا «الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة» للمؤلف دار الزهراء بمصر.

(4) «الخلافة والخلفاء الراشدون» للمؤلف من ص 55-70، دار الزهراء - بمصر.

الرابط المختصر :