العنوان هذا هو الالتفاف على القضية الفلسطينية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 9
السبت 10-مايو-2003
تنبئ الأحداث المتسارعة على الساحة العربية عن مساعٍ حثيثة من قبل الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني للالتفاف حول القضية الفلسطينية من كل جانب؛ بغية إغلاق ملفاتها وتحقيق الأطماع الصهيونية فيها مقابل ضياع حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه، وفي القلب منها القدس والمسجد الأقصى وحق العودة لما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني في الشتات.
وقد شهدت الأيام الماضية تحركات واتصالات وضغوطًا على الساحتين الفلسطينية والسورية من قبل الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني ترمي في محصلتها النهائية إلى تحقيق ذلك الهدف.
فعلى الساحة الفلسطينية، ومنذ الإعلان عن تشكيل حكومة محمود عباس ميرزا والمنطقة تعيش وسط عاصفة مكثفة من التبشير الإعلامي بأن القضية صارت قاب قوسين من الحل مع تحاشي الدخول في تفاصيل ذلك الحل الاستسلامي، والخطاب السياسي الغربي يرهن ذلك بسرعة إنجاز محمود عباس ميرزا للشق الأمني المطلوب أولًا والذي يتلخص في الإجهاز على تيار المقاومة والجهاد وتصفية قياداته ومطاردة كوادره وقواعده الشعبية العريضة في محاولة لتدجين الشعب الفلسطيني.
وقد كشفت الإدارة الأمريكية وحكومة شارون في الآونة الأخيرة من دعوات التحريض لمحمود عباس ضد قوى المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس والجهاد الإسلامي، وأعرب الرئيس بوش صراحة عن «رغبته الملحة للعمل مع محمود عباس من أجل مكافحة الإرهاب»، في حين أكد وزير حرب الكيان الصهيوني الغاصب شاؤول موفاز أنه قرر عدم الرد على عملية كفر سابا الاستشهادية الأخيرة لإعطاء الفرصة لمحمود عباس كي يمارس مهامه فيما يعد مهلة لاختباره في المطلوب صهيونيًا على صعيد بدء الحرب على المقاومة.
ولا يزال التحريض متواصلًا لدفع محمود عباس ووزير داخليته محمد دحلان لبدء الحرب المطلوبة لتصفية المقاومة الفلسطينية بأيد فلسطينية نيابة عن العدو.
وعلى الساحة السورية ومنذ وضعت القوات الأمريكية يدها على العراق تمارس الإدارة الأمريكية - بدافع من الكيان الصهيوني - حملة ابتزاز واضحة، قام خطابها الظاهري على اتهامات لسورية بامتلاك أسلحة الدمار الشامل وخطورة استمرار حكم الحزب الواحد وعدم التكيف مع الوضع الجديد في المنطقة، لكن حقيقة أهدافها تكشفت مع مرور الأيام، وأصبحت تلك الأهداف تدور حول طلبات صريحة من سورية بوقف النشاط السياسي لفصائل المقاومة الفلسطينية الموجودة في سورية وخاصة مكاتب حماس والجهاد الإسلامي، والعمل على تفكيك قوات حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب والانسحاب السوري من لبنان وهو ما يصب مباشرة في خانة القضاء على كل أشكال المقاومة الحالية أو المحتملة.
وتشترط واشنطن والكيان الصهيوني تحقيق ذلك قبل أن يتم البدء في تطبيق مشروع «خريطة الطريق» للتسوية التي يخططون لها للقضية الفلسطينية، وتقوم الآلة الإعلامية بالترويج لذلك المشروع وتصويره على أنه يحمل في طياته الحل السحري للقضية وأنه يمثل فرصة نادرة ينبغي على الفلسطينيين إلا يهدروها، والحقيقة أن ذلك المشروع لا يعدو أن يكون فاصلًا جديدًا من الفصول الهزلية التي ابتليت بها القضية الفلسطينية فخريطة الطريق هذه جاءت لتضرب القضية في مقتل، فهي تهدر الحق العربي والإسلامي في القدس والمسجد الأقصى ولم تبت في حق العودة لما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني وتطرح وطنًا فلسطينيًا ممزقًا على رقعة صغيرة من الأرض.
ورغم كارثية خريطة الطريق على القضية فإن أحدًا في الإدارة الأمريكية ولا في الكيان الصهيوني قدم تأكيدًا أو التزامًا واحدًا بتطبيقها، وكل ما يصدر مجرد إشارات وتصريحات ببذل الجهد وممارسة الضغوط الممكنة على شارون حتى يوافق على تطبيق المشروع!
يحدث هذا في القوت الذي بدأت فيه جماعات الضغط اليهودية وأعضاء اليمين المتطرف داخل مجلسي الشيوخ والنواب تحركات وضغوطًا على الإدارة الأمريكية لتقليص دور الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا في «خريطة الطريق» التي يشاركون واشنطن في رعايتها، كما ترمي تلك الضغوط إلى إجبار الرئيس بوش على الكف عن محاولات إلزام شارون بتطبيق «الخريطة»، كما هي وتطالبه بتوجيه ضغوطه إلى الفلسطينيين لتقديم المزيد من التنازلات، وقد وجه ۸۳ عضوًا بمجلس الشيوخ و ۲۷۸ عضوًا بمجلس النواب رسالة إلى الرئيس بوش تحذره من الضغط على شارون وتطالبه بمواصلة مزيد من الضغوط على الفلسطينيين، وعندها- حسب الرسالة- نتوقع من إسرائيل أن ترد بإجراءات إيجابية!
ويؤكد المراقبون أن من الصعب على الرئيس بوش مقاومة مساعي جماعات الضغط اليهودية وتيار اليمين المحافظ المؤيد لإسرائيل داخل مجلس النواب والشيوخ خاصة انه بدا استعداداته لانتخابات الرئاسة في العام المقبل، وهو ما يعني أن المساعي الأمريكية ستتواصل نحو تصفية المقاومة الفلسطينية دون ضمان بتطبيق مشروع «خريطة الطريق»، رغم كارثيتها على القضية الفلسطينية.
ومن هنا فإننا لا نبالغ إذا حذرنا من أن المساعي الدائرة على كل الساحات تسعى للالتفاف على القضية لوادها وإنهائها والخلاص منها بعد تأميمها لصالح الكيان الصهيوني، الأمر الذي يضيف بعدًا جديدًا يضرب مصداقية الولايات المتحدة من جانب، ويؤكد تنامي الدور الصهيوني المتحكم في الإدارة الأمريكية وتسخيرها لتحقيق مشروعه السرطاني في المنطقة مقابل حسابات انتخابية تضر بلا شك بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية على المدى البعيد.
ولا شك أن استسلام البيت الأبيض لللوبي الصهيوني بهذه الصورة الفجة يؤثر على مصالح الشعب الأمريكي، بل ويعرضه للخطر ويزيد من رقعة الكراهية والعداء له في العالم الإسلامي... فهل تعي الإدارة الأمريكية هذه الحقيقة أم أن سكرة القوة المهيمنة وسطوتها صنعت غشاوة كثيفة أمامها حتى أصبحت لا ترى منها شيئًا فصارت تندفع نحو ما يراد منها صهيونيًا دون إدراك للعواقب؟!
إن دول الظلم مصيرها الزوال والبوار.. وإلى حين أن تبلغ هذا المصير فإنها لا تستطيع بحال أن تقلب الحق باطلًا وان تزين الباطل فيراه الناس حقًا، وسيظل «الحق أبلج والباطل لجلج» والمهم أن يتمسك أهل الحق بحقهم وأن يؤوبوا إلى الحق سبحانه ويعتمدوا عليه وحده ويخلصوا له، ويعملوا وفق هديه ومنهاجه وسيعود الحق لأصحابه إن شاء الله مهما طال الزمان.