; الإسلاميون كانوا وراء التعجيل بعزل بورقيبة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون كانوا وراء التعجيل بعزل بورقيبة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 843

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

يؤكد المراقبون السياسيون أن الإعلان عن عزل الرئيس الحبيب بورقيبة عن رئاسة الجمهورية التونسية صبيحة السابع من نوفمبر 1987 تم بطريقة لا مثيل لها تقريبًا في دول العالم الثالث ويبررون ذلك بالوضع الخاص والظروف الخاصة التي تعيشها تونس. ومن هنا كان الاختلاف في وصف الحدث وتراوحت هذه الأوصاف ما بين نقل السلطة والإقالة والإطاحة والانقلاب غير أن جريدة الليموند الفرنسية المعروفة والتي ترصد جيدًا ما يحدث في تونس نشرت الخبر تحت عنوان «الحكومة التونسية تقيل السيد بورقيبة» وهذا العنوان الذي كتب بخط عريض دلالته لأنه يعزو الإقالة إلى الحكومة وليس إلى شخص الرئيس الجديد زين العابدين بن علي وكأن الظروف والوضع السياسي التونسي حتم على أركان الحزب الدستوري الحاكم اتخاذ إجراء حاسم قبل فوات الأوان.

ما الذي كان يجري قبيل تنحية بورقيبة؟

منذ عدة أشهر وبالأخص في الأسابيع الأخيرة أصبحت الحياة السياسية التونسية مرهونة بالقرارات المزاجية والمفاجئة للرئيس المعزول بورقيبة الذي أصبح من السهل أن يؤثر عليه المحيطون به من أفراد حاشيته بحكم تقدمه في السن ومرضه حتى إن قصر قرطاج أصبح وكر مناورات ودسائس في إطار الصراع المحتدم يومًا بعد يوم على الخلافة، ولم يهدأ الوضع بعد إبعاد السيد رشيد صفر عن الوزارة الأولى وتعيين زين العابدين بن علي خلفًا له، وقد أصبح هذا الأخير هدف كل الذين يطمعون في خلافة بورقيبة والذين يسمع لهم بورقيبة وقد أطلقت عليهم تسمية «الحرس المقرب» وهم بالخصوص السيد منصور السخيري الذي كان لوقت قريب حامل أختام الرئيس قبل تسميته وزيرًا للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري والهادي المبروك وزير الخارجية والذي شغل منصب سفير لتونس بباريس من عام ١٩٧١ إلى عام ١٩٨٦ وهو مثل السخيري أصيل مدينة المنستير مسقط رأس بورقيبة، أما الرجل الثالث وهو أدهاهم على الإطلاق فهو السيد محمد الصباح الذي عرف كيف يبقى مقربًا من بورقيبة منذ وصوله إلى الحكومة ولقد سمي محمد الصباح «صاحب البطاقة البيضاء» أي الذي لا يمكن المساس به لأنه أصبح منظر الحزب الحاكم كما أصبح بموافقة الرئيس المعزول مؤرخ الحركة الوطنية ونضال الرئيس بورقيبة من أجل الاستقلال. ولا تكتمل الصورة إلا بذكر ابنة أخت بورقيبة السيدة سعيدة ساسي التي استطاعت أن تعود إلى القصر الرئاسي بعد أن طردت منه زوجة الرئيس ومطلقته حاليًا السيدة وسيلة بن عمار، ومن المؤكد- نظرًا لما عرف عنها- من تدخل في الشؤون السياسية وفي اتخاذ القرار السياسي أنها لم تكن تنظر بعين الرضا لتعيين زين العابدين بن علي كوزير أول.

زين العابدين بن علي يعزل بورقيبة قبل أن يعزله

وقبل أسبوعين فقط من عملية العزل تعرض الرئيس المعزول بورقيبة إلى ضغوط كبيرة جعلته يتخذ قرارًا بإلغاء التعديل الوزاري الذي قام به زين العابدين بن علي بصفته رئيس الوزراء حتى إنه لم يستقبل الوزراء المعينين، لقد قيل لبورقيبة إن زين العابدين بن علي يسعى لتكوين بطانة بتعيين وزراء وشخصيات في مناصب هامة من منطقته سوسة وقد شعر زين العابدين بأن كل هذه المناورات كانت تستهدفه فوقف موقفًا حازمًا من إلغاء التعديل الوزاري ولولا حزمه ودبلوماسيته لما بقي الوزراء الذين عينهم في مناصبهم، بل يقال إنه هو نفسه ما كان ليبقى في منصبه لو لم يعجل باتخاذ قراره التاريخي بعزل بورقيبة من منصب رئيس الجمهورية.

إصرار بورقيبة على قطع رؤوس الإسلاميين نقطة أخرى أفاضت الكأس

غير أن ذلك التغيير الوزاري لم يكن المأخذ الوحيد على زين العابدين بن علي.

لقد كان الرئيس المخلوع يطالب يوميًا بانعقاد محكمة أمن الدولة من جديد لمحاكمة الإسلاميين الموقوفين منذ المحاكمة السابقة في شهر سبتمبر بل إن بورقيبة كان غاضبًا لرؤية الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي يفلت من حبل المشنقة وكان طيلة الأيام الأخيرة من رئاسته يطالب بإلحاح بإعادة محاكمة الإسلاميين والحكم عليهم بالإعدام ويقال إنه كان يطالب بقطع ثلاثين رأسًا في حين لم يكن تحت يد السلطات سوى ۱۸ شخصًا من قيادي الحركة، ومن هنا يبدو أن هذا الإصرار على إعادة محاكمة الإسلاميين بالصورة التي كان يريدها بورقيبة وبما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة لا يمكن التكهن بها قد عجل بالإطاحة به لأنه لو سقطت رؤوس أخرى من الإسلاميين قد تشتعل البلاد كلها وقد يقفز الإسلاميون إلى الحكم من خلال هذا الحريق ولقد كان العديد من الملاحظين في الداخل والخارج ينظرون بدهشة إلى نهاية الحكم البورقيبي قاتلين:

إنها ستؤدي حتمًا إما إلى ثورة يقودها الإسلاميون أو إلى دكتاتورية عسكرية، ويذكر الملاحظون الأجانب بالخصوص بإعراب الإسلاميين وهم في قفص الاتهام على استعدادهم للموت مسبقًا في سبيل قضيتهم وأنهم لم يكونوا خائفين من أحكام الإعدام التي لم تصدر بعد. فلقد كان واضحًا للجميع أن تجاوزات السلطة البورقيبية تخدم الإسلاميين وقضيتهم وتجعل جموع المترددين من التونسيين ينضمون إليهم ويؤيدونهم، وعلاوة على ذلك فإن إعادة المحاكمة لو تمت لكانت قضت على البقية الباقية من سمعة الحزب الحاكم وشوهت وجه تونس.. لقد كانت هذه النقطة التي أفاضت الكأس فاستبق زين العابدين بن علي الأحداث واتخذ قراره بإزاحة بورقيبة من الحكم.

وحتى يضمن النجاح لهذا القرار فقد عرضه قبل إعلانه على الوزراء وقادة الجيش فلم يجد معارضة إلا من محمد الصباح ومنصور السخيري ومحمود بالحسين وهم من «الحرس المقرب» إضافة إلى أحد أطباء الرئيس وهو عمر الشاذلي وبدل هذا الاتفاق على أن الجميع تقريبًا ضاقوا ذرعًا بما كان يحدث على مدى السنوات القليلة الأخيرة من رئاسة بورقيبة والأهم من هذا أن الجميع أدركوا أن محاكمة الإسلاميين أتت بعكس النتائج المرجوة وأنهم إن لم يفعلوا شيئًا أفلت الأمر من أيديهم.

مازالت الاختيارات بورقيبية.. ولكن

نذكر أولًا أن القيادة الجديدة في تونس وعلى رأسها زين العابدين بن علي هي قيادة بورقيبية من الحزب الدستوري الجديد الحاكم الذي أنشأه بورقيبة سنة ١٩٣٤ وإن اختياراتها وتوجهاتها هي اختيارات وتوجهات بورقيبة سواء في نطاق السياسة الداخلية أو الخارجية وكما هو معروف فإن توجهات بورقيبة هي توجهات غربية محضة وليس ما قام به زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر ۱۹۸۷ سوى عملية إنقاذ لسفينة الحزب الدستوري الحاكم قبل أن تغرق بمن فيها وقد أكد الوزير الأول الجديد في أول مؤتمر صحافي له أن القيادة الجديدة في تونس ستظل وفية لبورقيبة ولن تنساه لأن بورقيبة هو الذي «بنى دولة عصرية ورسم اختيارات شعبية في كل المجالات وهو رجل كبير وسيظل مرجعًا لكل التونسيين».

كما أكد السيد الهادي البكوش التوجه الغربي للقيادة الجديدة بقوله «سنعطي للتعاون مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط دفعًا مركزًا وخاصة مع فرنسا وإيطاليا وأميركا للدور الذي تقوم به هذه الدول في تنمية تونس غير أن الحكومة الجديدة رغم تمسكها باختيارات بورقيبة وتوجهاته فقد أشارت من خلال الإعلان عن عزل بورقيبة إلى عزمها على طي صفحة الأزمات الأخيرة في تونس وإحلال جو من الانفراج والانفتاح السياسي بالخصوص على أحزاب وتيارات المعارضة. فقد جاء في إعلان عزل بورقيبة «.. فشعبنا جدير بحياته السياسية المتطورة المنظمة المبنية على حق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية» كما أكد الوزير الأول الجديد السيد الهادي البكوش على هذا الانفتاح الديمقراطي بقوله: «إننا مقروا العزم على أن نجعل من التعددية الحزبية أمرًا واقعًا» وذكر أنه بدأ بالفعل الاتصال ببعض الشخصيات التونسية المعارضة في نطاق إعداد قانون جديد ينظم نشاط الأحزاب وحياتها.

ما مصير الإسلاميين بعد عزل بورقيبة؟

وفي ضوء هذا الانفراج السياسي والديمقراطي فإنه من الأكيد بالنسبة للمعتقلين من الاتجاه الإسلامي أن يستفيدوا من الوضع الجديد لا سيما وأنهم هم الذين عجلوا بهذا التغيير. فلن تكون هنالك إعدامات جديدة في صفوفهم وربما تخفف الأحكام الصادرة بحقهم لكن يبدو أن القيادة الجديدة التونسية أن تذهب بعيدًا بالإفراج عن قيادة الاتجاه الإسلامي وتمكينه من ممارسة دوره أسوة بالأحزاب الأخرى فالحكومة الجديدة بحكم توجهها الغربي وبحكم ما اكتسبته حركة الاتجاه الإسلامي من قوة داخل البلاد تفضل أن تتعامل مع الإسلاميين بحذر كبير، وقد بدأ هذا الحذر واضحًا في إجابة الوزير الأول التونسي الجديد السيد الهادي البكوش عن سؤال حول موقف الحكومة الجديدة من حركة الاتجاه الإسلامي حيث قال: «أعضاء الاتجاه الإسلامي قد عبروا من خلال منشورهم عن مباركتهم لهذا التغيير ولكننا لم نجر أي اتصال معهم وإننا نحتاج في بداية الأمر إلى ترتيب لإطار جديد للحكومة، أما بخصوص الأحكام التي صدرت بحق قياداتهم يوم ٢٧ أكتوبر الماضي فإن هناك محاكم وإجراءات منصوص عليها في القضاء التونسي ولكننا سنهتم بالدلائل والقرائن ولا تريد مزيدًا من الأثقال عليهم كما وإننا لا بد أن نحترم حكم القضاء».

وفي هذا الصدد لابد أن نذكر بما صرح به زین العابدين بن علي وهو يومئذ وزير أول لمجلة «فيغارو ماغازين» فقد سأله الصحافي: سيدي الوزير الأول ما هي الأصولية في رأيكم؟

وكان رده: «الأصولية هي رفض للحاضر بل أكثر من ذلك للمستقبل وكون الشخص أصوليًا يعني التشبث بماض متحجر ورفض أي فكرة تطور وأي مشروع يتجه نحو الحداثة «...» ثم يستأنف موضحًا:

لیكن واضحًا لدينا أن الأصولية بالنسبة لنا لا تعني الإسلام بل الظلامية وانغلاق الفكر«...».

ومهما يكن من أمر فإنه يبقى على الإسلاميين في تونس أن يعرفوا كيف يستفيدون من الوضع الحالي وكيف يوظفون الظروف المواتية لصالحهم وكيف يعززون صفوفهم ويدافعون عن طروحاتهم بالإقناع والحجة وفي إطار الصراع الفكري حتى يبددوا تهم العنف والظلامية والتحجر التي ألصقت بهم.

الرابط المختصر :