; الإسلام والسياسية في السنغال | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والسياسية في السنغال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 901

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 24-يناير-1989

    • السنغال دولة مسلمة تقع غربي أفريقيا استعمرها الفرنسيون عام 1854، واستقلت عام 1960،عاصمتها داكار وهي أشهر ثغورها التي تطل على المحيط الأطلسي، يزيد سكانها عن خمسة ملايين ونصف مليون نسمة أكثر من 90% منهم مسلمون.
    • عدد المستوطنين الفرنسيين في السنغال يتراوح بين 25 ألفًا و30 ألفًا.
    • اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد و90% من السكان يتكلمون لغة «الوولوف».
    •  قانون الأحزاب في السنغال يحظر قيام أحزاب باسم الدين وبالتالي الحزب الإسلامي ممنوع.

    الحركة الإسلامية في السنغال ليست جديدة بل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ السنغالي الإسلامي أي منذ دخول الإسلام إلى غرب أفريقيا، في القرن الحادي عشر الميلادي، على يد التجار المسلمين من المغرب العربي، وعن طريق مؤسس دولة المرابطين الذي رابط في جزيرة بين نهرين أكبرهما نهر «السنغال»، ويقال: إن العرب هم الذين أطلقوا اسم الشهر على كامل البلاد، وقد دخل سكان السنغال أفواجًا في الإسلام، وانتشر هذا الدين انتشارًا واسعًا في المدن والقرى والأرياف بصورة لم تعرفها أية دولة من دول أفريقيا السوداء حتى أصبح عدد المسلمين اليوم فيه يمثل حوالي 95% من مجموع السكان، وأول دولة إسلامية قامت في السنغال هي الدولة التي أقامها المجاهد عمر تال بمساعدة المرابطين الذين أمنوها من اعتداءات الوثنيين ولكن هذه الدولة انهارت بقدوم المستعمرين الغربيين، الذين قرروا في مؤتمر برلين عام 1885 اقتسام الأراضي الأفريقية، فجاء المستعمرون الفرنسيون لغرب أفريقيا وجعلوا من داكار مركزًا لغزوهم للمنطقة كلها ومركزًا تجاريًّا كبيرًا وأنشأوا السكك الحديدية على ساحل الأطلنطي وداخل البلاد، كما أنشأوا بها أكبر مطار في المنطقة... كانوا يأملون البقاء في الجزائر ولكنهم لاقوا مقاومة شديدة تزعمها الإسلاميون الذين كانوا يتحدون المستعمرين لا باعتبارهم غزاة فقط بل باعتبارهم حاملين معهم لحضارة تتصادم مع حضارتهم وثقافة ستغزو ثقافتهم الإسلامية، ولذلك لم تكن هذه المقاومة للمستعمرين بالسلاح فقط بل كانت بالإصرار على التمسك بالدين والمحافظة على القرآن وتحفيظه وتعليمه لأبناء السنغال في القرى والأرياف، وتعلم اللغة العربية والمحافظة على الكتاتيب نواة المدارس الإسلامية، التي لا تزال تقوم بدورها إلى اليوم في الدفاع عن إسلام السنغال.

    في الدستور علمانية وفي الواقع إسلامية!

    رغم إصرار النظام السنغالي على أن السنغال دولة علمانية وتثبيت ذلك في الدستور، ورغم التنصيص على حرية العقيدة من أجل فتح الأبواب أمام المبشرين فإن الواقع كما تبينه الإحصائيات الرسمية يؤكد أن الغالبية العظمى من سكان السنغال مسلمون (96%) ومتمسكون بإسلامهم رغم إغراءات المبشرين ومنحهم وعطاياهم ومعوناتهم للفقراء في القرى والأرياف، ورغم إصرار النظام على أن اللغة الرسمية هي اللغة الفرنسية فإن اللغة العربية لا زالت تلقى إقبالًا كبيرًا على تعلمها، وما زال الآباء والأولياء يبذلون ما في وسعهم لتعليمها لأبنائهم، وقد ساعدتهم على ذلك الجمعيات الإسلامية المحلية والجماعات المعروفة وذات النفوذ الكبير وعلى المستوى الرسمي والشعبي وأكبر هذه الجماعات «التيجانية» و«الموريدية». 

    أما بقية السكان فتتقاسمها الوثنية والمسيحية التي أدخلها المستعمرون والمبشرون، وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأسبق ليوبولد سيدار سنجور يعود أصله إلى عائلة مسلمة ولكنه تربى في أحضان الكنيسة ونشأ نصرانيًّا وتزوج من فرنسية نصرانية وحتى يغطي على حقيقة نسبة المسيحيين الضئيلة في البلاد أبطل ذكر الديانة في بطاقات الهوية، وهكذا وجدت الكنيسة مجالًا لتضخيم عدد المسيحيين وللادعاء بأنهم يمثلون أكثر من 20% من السكان، في حين أن هذا الرقم بعيد كل البعد عن الصحة وإنما هو يمثل طموحًا من طموحات الكنيسة بعد أن مكن لها الاستعمار في بلاد المسلمين السنغال.

    السنغال بلد الصراع اللغوي والثقافي والديني

    رغم أن الفرنسية لغة دخيلة وأجنبية أصلًا إلا أنها اليوم هي اللغة الرسمية في بلاد السنغال، بها تكتب المطبوعات الإدارية كلها، وبها تكتب الجرائد والمجلات، وهي لسان الإذاعة والتلفزيون، وإذا تساءلنا: لماذا؟ فإن الجواب بسيط!! إذا كان النظام السياسي في جانب لغة ما باعتبار أن ذلك اختيارًا سياسيًّا فإن هذه اللغة ستسود وهذا الاختيار السياسي، إنما كان اختيار ليوبولد سنجور الذي تشرب الفرنسية وأتقنها وبرز فيها ونال شهادة عليا في نحوها وكتب بها دواوين شعره التي أجبر طلاب المدارس على حفظها... فلم لا تكون الفرنسية اللغة الرسمية للسنغال ما دامت سياسة الدولة في الكثير من الدول الأفريقية هي سياسة الرئيس والرئيس وحده؟، لكن فرنسة البلاد التي مضى عليها الآن أكثر من 28 سنة لم تقتل لغة السنغاليين الأصلية والأكثر انتشارًا في أرجاء السنغال وهي لغة «الوولف» التي لا زال الناس يتكلمونها في بيوتهم وفيما بينهم في الأماكن العامة والخاصة، كما أن الفرنسية لم تستطع أن تحد من تمدد اللغة العربية التي تعتبر اللغة الثانية في السنغال.

    منذ مجيء المستعمرين الفرنسيين بدأ الصراع بينهم وبين السكان الأصليين السنغال، اتخذ هذا الصراع شكلًا لغويًّا وثقافيًّا ودينيًّا ومما يذكر في هذا المجال أن السلطة الفرنسية كانت تعيد الطلاب السنغاليين الذين يذهبون للجزائر وتونس لدراسة اللغة العربية إلى بلادهم قبل أن يتموا دراستهم حتى لا يكونوا نواة لإنشاء مدارس إسلامية يقومون فيها فيما بعد بتدريس اللغة العربية، ولكن رغم مكائد الاستعمار ومحاولته التضييقية استطاع المتعلمون من السنغاليين في الجزائر بالخصوص وفي عواصم عربية أخرى أن يؤسسوا حركة تسمى «حركة الاتحاد الثقافي الإسلامي»، وهذه الحركة تعتبر أم الجمعيات الإسلامية في السنغال

    وقد عمل هذا الاتحاد على إنشاء مدارس إسلامية أهلية خاصة، ولقي هذا العمل معارضة من قبل الفرنسيين الذين أوجدوا قوانين صارمة بخصوص إقامة المدارس؛ منها مثلًا اشتراط تدريس الفرنسية في هذه المدارس، وأن تخضع هذه المدارس لشروط قاسية جدًّا ما كانت لتتوفر لهؤلاء الناس الذين تثقفوا ثقافة عربية إسلامية، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الكثير من هذه المدارس، ولكن أمام ما وجده المستعمرون من مقاومة صلبة وإصرار على إبقاء هذه المدارس، تراجع عن قرارات الإغلاق، وبقيت هذه المدارس تدرس الدين الإسلامي واللغة العربية، وحتى في فترة الاستقلال بقي الصراع قائمًا بين الثقافة الغربية والمتغربة والثقافة الإسلامية، وازدادت الهجمة على الثقافة الإسلامية مع ظهور بوادر صحوة إسلامية ومد إسلامي جارف في السنغال بدأ يهدد القارب الذي يركبه الرئيس السنغالي الأسبق سنجور الذي طلع على السنغاليين بفكرة جديدة أشبه ما تكون بالشعوبية ولكن غايتها الوقوف أمام المد الإسلامي، حيث نادي سنجور بأدب زنجي وثقافة زنجية، وإذا كان صادقًا مع نفسه بالفصل بين الأدب الفرنسي والأدب «الزنجي» أي بين الثقافة الغربية والثقافة الزنجية، ولكنه كان يريد أن يثبت من خلال ما أسماه «بالزنوجة» أن سكان السنغال ينتمون إلى الأصول الأفريقية وليست لهم علاقة بالعرب رغم الشواهد التاريخية التي تثبت أن شعب السنغال ينحدر من أصول عربية هاجرت من بلاد المغرب العربي وامتزجت بالزنوج، ومن هذا المنطلق عارض كتابة اللغة السنغالية بالحروف العربية ومنع طباعة الكتب والمجلات العربية «حتى لا تستود ثقافتان في البلاد» حسب رأيه.

    صحوة إسلامية في السنغال

    من أهم مظاهر هذه الصحوة انتشار المدارس الإسلامية والمراكز الإسلامية وبناء عدد كبير من المساجد التي أصبح الشباب يقبلون عليها بعد ما يئسوا مما سمعوه من الأحزاب العلمانية واليسارية المعارضة منها ومن تدير دفة الحكم، ووراء نمو المؤسسات الدينية المختلفة في السنغال مناضلون إسلاميون نشطون توزعوا في منظمات وجمعيات أهم ما يميزها كثرة عددها، فهذه جمعية الفلاح، وهذه جمعية عباد الرحمن، وهذه حركة الاتحاد للتقدم الإسلامي، وقائمة الجمعيات والمنظمات الإسلامية المعروفة تتجاوز الـ 35 منظمة وجمعية، وأغلب هذه الجماعات والمنظمات تركز على بناء المدارس الإسلامية لأنها تستشعر الخطر في المدارس الفرنسية والمدارس الكنسية التي تجتذب بما توفر لها من إمكانيات مادية عددًا كبيرًا من أبناء المسلمين ولعلنا نستغرب عندما نعلم أن المدارس الكنسية أغلب تلامذتها من أبناء المسلمين، ولكن هذا هو الواقع الذي تظهر من خلاله الكنيسة متسامحة ولا تجبر أبناء المسلمين على حضور الدروس الدينية المسيحية ولكن كم من سم مدسوس في الدسم بالنسبة للدروس الأخرى، ومهما يكن من أمر فإن المد الإسلامي يتزايد ويتعاظم رغم ما تبذله الجهات النصرانية المتحالفة مع الجهات الغربية والمتغربة من «محاولات لإيقاف هذا المد، ولولا ذلك ما طلعت الصحف السنغالية أكثر من مرة منددة برجال الصحوة الإسلامية وبإظهار الخوف من تمادي نشاط الإسلاميين

    وقد كرست بعض الأفلام الحاقدة لمهاجمة انتشار الإسلام واللغة العربية في السنغال لكنها وجدت من يتصدى لها على أعمدة الجرائد وصفحات المجلات حيث تثير الردود نقاشًا لا ينتهي عن الإسلام والعقيدة الإسلامية وعن المجتمع الإسلامي، وربما ستسمع مستقبلًا الحديث يدور عن الدولة الإسلامية في السنغال رغم أن الكثير من العملاء للغرب يحذرون من توطيد العلاقات مع العرب والمسلمين متهمين إياهم بنبرة لا تخلو من عنصرية بمحاولة الحلول محل الفرنسيين» .. يقول أحد هؤلاء في جريدة «السولاي» «إن العلاقات الثقافية العربية الأفريقية اتسمت منذ استقلال الدول الأفريقية بخلط بين الثقافة والدين والسياسة»، ثم يضيف: «إن الأهداف المكشوفة وغير المكشوفة لغالبية الدول العربية في أفريقيا هي نشر الإسلام واللغة العربية بأوسع ما يكون، وقد كرست أهم مساعيها على الجمعيات التي وصفت بأنها ثقافية والتي تستفيد من مساعدات مالية ومادية من ممولين عرب»، وأخيرًا يطالب الحكومة السنغالية بالضرب على أيدي الإسلاميين، ويدعو إلى ضرورة الفصل بين السياسة والدين في السنغال.

    وحملة التبشير متواصلة

    حملة التبشير التي سبقت الاستعمار في السنغال متواصلة وإن كان الاستعمار قد ذهب بجنده وحاكمه العام، فإنه باقي بنفوذه وثقافته واتفاقاته السرية، فحملة التبشير هذه تبدو كأنها جزء لا يتجزأ من ذلك الاستعمار وهدف من الأهداف.

    يقول رئيس الاتحاد الإسلامي في السنغال، في حديث لوكالة الأنباء الكويتية: «إن الخطر سيزداد إذا بقي الوضع على ما هو عليه لأن البعثات التبشيرية وأصحاب الأيديولوجيات الفاسدة، الذين يعيشون في أفريقيا ينفقون أموالًا كثيرة ويبنون المدارس النموذجية التي بدأت تجتذب أبناء المسلمين وتوجه الجيل الناشيء إلى أهداف هذه البعثات فيفقدون ثقتهم بدينهم وبلغة القرآن وحتى بتقاليد الوطن، ولا يمكن لأحد أن يعترض على نشاط البعثات التبشيرية ونشاطات الكنيسة الكاثوليكية لأنها تعمل في إطار الشرعية التي أعطاها لها دستور البلاد، وقوانينها التي تنص على أن السنغال دولة علمانية، وأن السنغاليين أحرار في اعتناق أي دين شاءوا، فضلًا عن أن هذه البعثات وهذه الكنيسة مصدر معونة لا بأس بها، وهي تسهم في إعانة الفقراء حتى من المسلمين بمختلف أنواع الإعانات فهي تبني المدارس والمستشفيات، وتساهم في إعالة الفقراء والمعوزين لا سيما عندما تصبح ظروف العيش صعبة بسبب القحط والجفاف كما هو الشأن في السنوات الأخيرة

    ومن الأمثلة المشهورة على مثل هذه الأعمال ما قامت به المبشرة «مريام بيي» التي ساعدت سكان مجموعة كبيرة من القرى السنغالية على حفر الآبار وتنوير المساكن، وتحسين الظروف الصحية، وإقامة المشاريع التي لا يشارك فيها السكان إلا بـ 25% من تكلفتها إن كانوا قادرين على ذلك، وكثيرًا ما تكون هذه الأعمال مجانية، وبناء على ذلك تقول بعض التقارير أن الكنيسة نجحت في إخراج بعض التلاميذ من المدارس الإسلامية وإدخالهم إلى المدارس الكنسية كما حدث في قرية اندميج حيث لم يبق في المدرسة الإسلامية سوى 30 تلميذًا من 100 تلميذ، والفرق استوعبته طبعًا المدرسة الكنسية باندميج، بل الأدهى من ذلك أن كثيرين يولدون مسلمين ويترعرعون مسيحيين كما حصل من قبل مع الرئيس سنجور وما زال يحصل إلى يومنا هذا، فقد ذكر أحمد نيانج أحد الدعاة الإسلاميين أنه يعرف شابًا وأخته أصبحا مسيحيين يعلقان الصلبان على صدريهما رغم أن هذا الشاب يدعى «الحاج تيام» وذلك بسبب ترعرعه في أحضان الكنيسة.

    وفي بعض القرى، كما يقول هذا الداعية، ارتد 40 شخصًا عن دينهم الإسلامي نتيجة الحملة التبشيرية، وهو يعتبر ذلك كارثة إن لم تعالج أسباب هذه الردة من الأساس، ويقول داعية آخر هو الشيخ سبيكي سيلا، أمين عام جمعية الشباب المسلم: «إن أعداء الإسلام قد هجموا على بلاد المسلمين بشكل مركز، وحسب قواعد عمل مدروسة لا عن طريق الخطب والنشرات» وذكر أنه في السنغال وحدها يوجد 18 مركزًا للكنيسة يضم كل واحد بين جدرانه آلاف المسلمين، وحتى الآن لا يوجد مركز واحد تابع لجمعية إسلامية يضارع شكلًا ومحتوى هذه المراكز الكنسية.

    الوجود الأجنبي والديمقراطية

    الصحوة الإسلامية في السنغال ليست وليدة ظروف خارجية كما قد يتبادر إلى الذهن بل هي نتيجة لفشل النظام في تحقيق ما كان يطمح إليه الشعب السنغالي المسلم، وهي ردة فعل لهجمات التبشير والتغريب التي فتح لها سنجور الأبواب على مصراعيها، يضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالسنغال الذي يعتمد على موارده الفلاحية وعلى زراعة الفول السوداني بالدرجة الأولى، وقد تأثرت هذه الزراعة بعامل الجفاف ولكن الجفاف وحده لا يفسر تلك الأزمة بل لعله استغل للتغطية على الفساد وسوء التصرف وملء الجيوب والحسابات الخارجية، وعندما بلغت الأزمة ذروتها عام 1981 أراد الفرنسيون أن يجدوا لها متنفسًا بإبعاد سنجور عن الحكم، حيث أعلن استقالته وعين عبدو ضيوف خلفًا له، وقد قال زعيم الحزب الديمقراطي عشية تلك الاستقالة «من المعارضة البرلمانية» «إن سنجور قد هرب من سفينة غارقة» ولكن لماذا كادت سفينة السنغال أن تغرق لولا هروب سنجور منها ولا زالت تتلاطمها الأمواج العاتية حتى اليوم؟».

    إن الإجابة باختصار تكمن في تناقض الطموحات الشعبية السنغالية مع الوجود الاستعماري المقنع في السنغال، فبينما لا يعترف النظام بوجود قواعد عسكرية فرنسية على أرض السنغال، تؤكد التقارير غير الرسمية وجود قاعدتين عسكريتين فرنسيتين على الأقل على أرصف السنغال إحداها جوية، وأن فرنسا تحتفظ في السنغال بأكبر قوة عسكرية خارج فرنسا تقدر بحوالي 12000 جندي، ويضاف إلى هذا الوجود العسكري جالية تقدر بعشرين ألف مستوطن فرنسي أغلبهم يعيشون في مدينة داكار، ولكن الذي يعتبر شوكة في خصر النظام السنغالي هو ظاهرة المستشار الفني الموجود تقريبًا على رأس كل وزارة أو سفارة أو شركة.

    وتقول جهات معارضة: إن المستشار الفني هو في الحقيقة صاحب السلطة الحقيقية، ويقول العارفون بالشؤون السنغالية بأن السيد الحقيقي للحكم في السنغال، والذي يحدد سياسة الحكومة، هو الفرنسي جان كولان المتزوج من أخت سنجور، والذي ظل وزيرًا للداخلية في السنغال طوال 15 سنة، ويشغل الآن في حكومة عبدو ضيوف وظيفة وزير الدولة والكاتب العام للرئاسة، وإذا عرفنا أنه لا يحق للسنغال أن تشتري قطعة سلاح أو أن تبرم أية اتفاقية عسكرية دون استشارة فرنسا، وأن قوات الجيش والشرطة في السنغال يشرف على تسليحهم وتدريبهم الفرنسيون بمقتضى اتفاقيات، عرفنا وزن هذا الوجود الفرنسي على الأرض السنغالية وفي السياسة السنغالية الداخلية والخارجية، ونحن نتساءل: ماذا تعني الديمقراطية في ظل كهذا وضع؟ هذه الديمقراطية التي تروج لها الدعاية الغربية والفرنسية ويتبجح بها النظام السنغالي.

    وإذا ألقينا نظرة على خريطة العمل السياسي في السنغال فإننا سنلاحظ أن هذه الخريطة تغيرت من نظام الحزب الواحد الذي حكم به سنجور إلى نظام التعددية الحزبية المحدودة في أواخر عهده حيث سمح سنجور بوجود ثلاثة أحزاب فقط مقابل الحزب الحاكم، ويقول العارفون بشؤون السنغال أن سنجور هو الذي أوجد هذه الأحزاب أو هذه المعارضة الشكلية لمد أنفاس حكمه بعض السنوات عندما شعر باحتقان يهدد بالانفجار فقد ضاق الناس ذرعًا بحكمه الفردي وبنزعاته المتغربة والمتفرنسة والنصرانية، وتلك الأحزاب هي الحزب الديمقراطي السنغالي لعبد الله واد، وحزب الاستقلال الأفريقي الذي يرأسه الصيدلي محمود ديوب، والحركة الجمهورية السنغالية التي يرأسها أبو بكر غاي، ويقال: إن هذه الأحزاب تعهدت لسنجور بأن لا تنازعه سلطته المطلقة، وترد المعارضة غير المعترف بها. إن عبد الله واد قال لسنجور «إنني أريد أن أحفظ بلادي وستبقى أنت فوق كل شيء لتراقب كل شيء»، وتقول المعارضة السرية: إن الحزب الديمقراطي السنغالي ليس إلا الوجه الثاني لحزب سنجور ولكن بعد أن تسلم عبدو ضيوف مقاليد السلطة في السنغال أطلق حرية تكوين الأحزاب السياسية ولم يترك إلا استثناء واحدًا، حيث جاء في البند الثالث لقانون الأحزاب أنه لا يجوز تكوين أحزاب سياسية باسم الدين أو الأقليم أو الجنس وهكذا أغلق الباب أمام تكوين حزب إسلامي

    ومنذ ذلك الحين صار عدد الأحزاب المعارضة في السنغال 14 حزبًا معترفًا بها قانونيًّا، كما ظهر عدد هائل من الصحف شاركت منها ثمانية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 1983، منيت فيها بهزيمة، وانتصر الحزب الحاكم حيث فاز بمائة وعشرة مقاعد من مجموع 120 مقعدًا، ولكن الأحزاب المعارضة لم تقر تلك النتائج واتهمت الحكومة بتزوير الانتخابات، وما زال الحبل مشدودًا بين الحزب الحاكم وتقولات الأحزاب المعارضة التي لم تقو بعد على تشكيل معارضة ذات وزن ومؤثرة على سير الأحداث في السنغال رغم أن الأزمة الاقتصادية لا زالت تعصف بالسنغال، ويبدو أن المعارضة بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد، وإلى توحيد صفوفها ونبذ خلافاتها، لمواجهة النفوذ الأجنبي الذي يدعم النظام القائم إذا أرادت أن تلعب دورًا في سياسة السنغال وترتيب مستقبله. وما يقال عن المعارضة يقال عن الإسلاميين الذين لم تستطع قيادات جمعياتهم وجماعاتهم أن توحد صفوفها وتصهر أنشطتها في بوتقة واحدة من أجل نجاعة العمل الإسلامي ومن أجل الوقوف في مواجهة هجمات التبشير والمسخ الثقافي.

    إن أزمة السنغال لا تزال قائمة ومتمثلة في الصراع الذي لا يهدأ بين المطامح الأجنبية والمطامح الشعبية السنغالية، وإذا كان السنغاليون مطالبين اليوم بمزيد من الوعي لما يحاك لهم ويدبر على أيدي المستعمرين المقنعين ويزيد من العمل والجهد للوقوف في وجه هؤلاء وإبطال خططهم الهدامة والاستغلالية، فإن واجب إخوتهم من العرب والمسلمين الأفارقة منهم بالخصوص يقتضي منهم أن يولوا نضالهم المزيد من الاهتمام، وأن تقوم المؤسسات الإسلامية بدورها في دعم الحركة الإسلامية السنغالية، لأن السنغال هو المدخل لكامل غرب أفريقيا فهل نتركه مرتعًا للبعثات التبشيرية والنشاط الكنسي؟ وهل نتركه تحت رحمة الاستعمار المقنع؟ وإلا فماذا تعني الإخوة الدينية؟ وماذا يعني التكافل بين المسلمين؟

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل