العنوان نيجيريا.. إمكانات هائلة واقتصاد ضعيف
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015
مشاهدات 61
نشر في العدد 2087
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 01-سبتمبر-2015
عدد سكان نيجيريا يقدر بحوالي 180 مليون نسمة ويضم نحو 300 مجموعة عرقية
الإسلام دخل مناطق غرب أفريقيا في نهاية النصف الأول من القرن الأول الهجري
البصمة الكبرى والأكثر عمقاً في التغلغل الإسلامي في غرب أفريقيا نتجت عن حركة الشيخ عثمان بن فودي دم العلمية ومشروعه الجهادي والسياسي الذي أدى لقيام دولة "السكوتو" الإسلامية
الكنيسة بمختلف مللها حركت الاحتلال الأجنبي للعمل بكل الوسائل من أجل إزاحة المسلمين وقياداتهم الروحية والعلمية من مراكز التأثير
الصراع الإسلامي المسيحي احتدم واتخذ عدة عناوين ومحطات شملت الصراع العقدي الثقافي والتهميش عبر قنوات التعليم والنهج العنيف
حرب "بيافرا" الانفصالية كادت أن تحول نيجيريا لكيانين متعاديين أحدهما بالجنوب يشكل معقلاً للوجود المسيحي وآخر مسلم يضم المناطق الشمالية
الفشل في إقامة دولة مؤسسات جادة والفساد الشامل وإخفاق النظام السياسي في إنتاج مجتمع يقوم على التوافق كلها تحديات تحول دون تبوُّؤ نيجيريا مكانها اللائق إقليمياً ودولياً
ما بين 50 - 60% من الشعب النيجيري يعيشون تحت خط الفقر
الشركات الأجنبية صاحبة القرار وتتحكم في سياسة نيجيريا النفطية
الجيش النيجيري يشبه الجيش المصري في تحكمه بمفاصل الدولة ويعد من أهم أسباب الفساد في البلاد
إذا ألقينا نظرة اليوم في الوضع الجيو - سياسي لمنطقة جنوبي الصحراء؛ نجد أن وتيرة التوتر تتعالى يوماً بعد يوم منذ حوالي عقد من الزمن في كل من السودان الأوسط الذي محوره بحيرة تشاد المطل عليها عدد من الدول المهمة، هي: الكاميرون، تشاد، النيجر، نيجيريا، وحوضا النيجر، والسنغال.
وحسب المؤشرات المتوافرة لدينا من خلال قراءتنا للمشهد العام، يتوقع أن يشهد الوضع مزيداً من التصعيد؛ وفي هذا السياق تمثل جمهورية نيجيريا الفيدرالية، وما يتفاعل في ساحتها من تعقيدات، وتتصارع فيها من تناقضات؛ حالة جيدة لتشخيص هذا الوضع المتفجر، وقراءة مآلاته الممكنة في المستقبل المنظور، وكل ذلك على ضوء العامل الجديد المتمثل في انتخاب الرئيس "محمد بخاري" الذي يعلق عليه كثير من الناس آمالاً عريضة بأنه المرشح الجيد لإخراج العملاق من القمقم الذي حبس فيه.
عملاق أفريقيا
يُطلق على نيجيريا نعت لا يكاد ينازعها فيه أحد؛ ألا وهو "عملاق أفريقيا"، وذلك انطلاقاً من حجمها الجغرافي البالغ 923768 كم2، والديموجرافي الذي يقدر بحوالي 180 مليون نسمة على وجه التقريب، وتزداد هذه الخريطة تعقيداً إذا أخذنا في الاعتبار التشكيلة البشرية الفسيفسائية التي يتكون منها المجتمع النيجري حوالي 300 مجموعة عرقية، ومن هذه الزاوية نحاول تسليط الضوء على نيجيريا، مستعرضين أهم الجوانب التي يجب أن تتجمع لتعطي الصورة المتكاملة لمسيرة البلاد المتعرجة، وما يتوقع أن يرسو عليه الوضع فيها مستقبلاً، والدور الذي القيادي الذي يمكن أن تنهض به في قطر القارة نحو آفاق جديدة يسود فيها جو صحي يمكن أن يصلح للنهوض متى استطاعت أن تتخلص من المعوقات الشديدة التي ظلت تكبل خطاها وتبطئ من سيرها.
الإسلام في نيجيريا
يرجح الباحثون الذين درسوا الوجود الإسلامي في غرب أفريقيا عموماً، وفي السودان الأوسط خصوصاً، بأن دخول الإسلام إلى المنطقة يعود في أقرب التقديرات الممكنة إلى نهاية النصف الأول من القرن الأول الهجري، ويحدد بعضهم ذلك التاريخ بعام 667م عندما وصلت طلائع جيوش الإسلام إلى بلاد كانم - برنو الواقعة على الجهة الشرقية الشمالية لحوض نهر تشاد، قبل أن يتوجه المد الإسلامي الذي كان مكتسحاً إلى الجهة الغربية من البحيرة، ويربط بعض المؤرخين الذين تناولوا موضوع وصول الإسلام إلى المنطقة بالخط الذي اتخذه جيش عقبة بن نافع إلى منطقة "كوار"(1).
ظل التمدد الإسلامي يتم على مهل، وفي حالي مد وجزر، يتعاقبان حسب الظروف والتقلبات السياسية، إلى أن تلقى الوجود الإسلامي في القرن الحادي عشر الميلادي دفعة جديدة عندما أخذ بعض ملوك المنطقة يعتنقون الإسلام ويتبنونه ويحرصون على نشره؛ ما أعطى الوجود الإسلامي في هذه المرة قدراً كبيراً من الزخم، جعله يتحول من حالة فردية أو بقع اجتماعية متباعدة إلى ظاهرة اجتماعية منتظمة.
ثم جاءت الموجة الأكثر تأثيراً والأكبر حجماً، ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي؛ وذلك عندما انطلقت موجات متلاحقة من المهاجرين من القبائل الفلاّنية المعروفة بشدة تمسكها بأهداب الإسلام وهي قادمة من السودان الغربي وبالأخص من حوض نهر السنغال، وبالإضافة إلى أن هؤلاء ساهموا في توسعة دائرة الوجود الإسلامي في عموم المنطقة التي ستقوم عليها دولة نيجيريا الحديثة لاحقاً، فإنهم سيحدثون نقلة نوعية لهذا الوجود من الناحيتين، وذلك عندما ستفضي حركتهم الثقافية إلى أن ينبثق منها جهاد على أساس المشروع الإسلامي الذي ولد قيام كيان اجتماعي وسياسي منظم على أساس الإسلام وتعاليمه(2).
مع كل هذا تبقى البصمة الكبرى والأكثر عمقاً في التغلغل الإسلامي؛ وبالتالي انتشاره على مستوى المنطقة هي التي نتجت عن حركة الشيخ عثمان بن فودي دم (1168هـ - 1233هـ/ 1754م - 1818م) العلمية ومشروعه الجهادي وتنظيمه السياسي، عندما أدى كل ذلك إلى قيام إحدى أكبر الدول الإسلامية جنوبي الصحراء حجماً(3)، والأوسع تأثيراً؛ وهي التي تعرف باسم الخلافة أو دولة "السكوتو" الإسلامية التي عمّرت أكثر من قرن، قبل أن تقضي عليها ضربات الاحتلال الأجنبي المتلاحقة من فرنسيين وبرتغال وإنجليز، لكن آثار قيامها تظل شاخصة إلى يومنا هذا.
الصراع الإسلامي النصراني
أحدث الوجود الإسلامي بالمنطقة ظاهرة جديدة كان لها انعكاسها الواسع والعميق حتى في ظل الاحتلال الأجنبي، حيث أصبح الوجود الإسلامي يعتبر العنوان الأبرز على مستوى البلدان المطلة على حوض تشاد عموماً، وفي نيجيريا خصوصاً، لكن ذلك لا يعني من جانب آخر بأن الإسلام قد فرض هيمنته المطلقة، وإنما أوجد حالة من الانسجام بين المكون الإسلامي الذي كان ينظر إليه باعتباره عامل تحضر ومصدر تنظيم اجتماعي ناجح يفرض احترام المكونات الوطنية المتنافرة ويستأثر باهتمامها، وبقي الوضع على هذا الترتيب إلى أن دخل الاحتلال الأجنبي الذي كانت الكنيسة بمختلف مللها ونحلها تمثل رأس جسر لحركته، وهو ما كان يستدعي العمل بكل الوسائل من أجل إزاحة المسلمين وقياداتهم الروحية والعلمية على الخصوص من مركز التأثير، وهو السلوك الذي فتح باب الصراعات الدامية بين الفريقين يمكن وضعها تحت الصراع الإسلامي المسيحي الدامي في جمهورية نيجيريا الفيدرالية الحديثة.
احتدم هذا الصراع، واتخذ فيما بعد عناوين عدة يجملها في المحطات التالية:
- الصراع العقدي – الثقافي: وتحت هذا العنوان حاولت الجهات الكنسية إحداث تغيير جذري في الخارطة العقدية للشعب النيجيري، وفي هذه المرحلة يلاحظ أن الجهد التنصيري قد انصب على محاولة صرف المسلمين عن دينهم أو تشويه هويتهم، مستخدمين شتى الوسائل بما في ذلك قوة القانون والقرار السياسي.
- التهميش عبر قنوات التعليم: وظفت الجهات الكنسية التربية والتعليم من خلال فرض هيمنة تعليم اللغة الإنجليزية وإبعاد التعليم الإسلامي لغة ومضامين، بناء منظومة تربوية تعليمية مفصلة على مقاس محدد كان الهدف من ورائها تجهيل المسلمين أو إرغامهم على التخلي عن هوياتهم مقابل التمتع بما كان التعليم الكنسي يوفره للشباب من مكانة سياسية عالية ومركز اجتماعي متقدم وحالة اقتصادية مريحة، وهو النهج الذي يقوم على دعامة التغرير، وكان من أبرز نتائج ذلك وضع مقاليد السلطة في أيدي نخبة مدنية وعسكرية تنتمي مباشرة إلى النصرانية أو إلى أولئك المسلمين الذين مورس عليهم غسيل المخ أو ما يمكن أن نسميه بالتدجين الفكري؛ ونتج عن ذلك بالتلازم تعويم ولائهم وجعلهم ينحازون إلى مصالح بريطانيا والدول الأجنبية التي درسوا فيها، وقد يصل الأمر إلى أن يستخدم هذا الصنف من المسلمين في مشاريع محاربة الإسلام والمسلمين والتنكيل بهم نيابة عن خصومهم.
- النهج العنيف: رغم ما حققته الكنائس من نتائج بارزة في صراعها المحتدم مع المسلمين في نيجيريا؛ فإنها لم تقنع بذلك؛ لأنها كانت تتوق إلى أن تفرض نموذجها لتصبح المرجعية الفكرية العقدية الاجتماعية الوحيدة، وهو المشروع الذي كان جمهور المسلمين يقفون منه موقفاً حاداً؛ ما جعل الصراع بين الجانبين يتجه اتجاهاً عنيفاً، يمكن اعتبار ما يحدث اليوم من فتنة عمياء تحرق الأخضر واليابس، من إفرازات تلك الترسبات التاريخية.
نماذج الصراع
ويمكن تقديم نموذجين يبرز من خلالهما مدى عنف الصراع الذي دار بين الجانبين، والدرجة القصوى من الحقد الذي كانت الكنيسة تكنه للوجود الإسلامي:
يتمثل النموذج الأول في المؤامرة الشرسة التي كانت وراءها مخالب الكنيسة، وأدت في النهاية إلى مقتل الرئيس "أحمد بلّو"، حفيد مؤسس دولة "السكوتو" الإسلامية وأول رئيس مسلم لنيجيريا، ورئيس وزرائه "أبو بكر تفاوا" بعد الاستقلال، إلى جانب عدد كبير من القيادات الإسلامية(4)، ومثلت هذه المؤامرة محطة دموية بين الجانبين لا يمكن تجاوزها إلى هذا اليوم لما يمثله من رزء شديد للمسلمين.
النموذج الثاني نجده في حرب "بيافرا" الانفصالية المدمرة، والتي كادت تقصم ظهر نيجيريا وتحولها إلى كيانين سياسيين اجتماعيين متعاديين؛ أحدهما في الجنوب يشكل معقلاً للوجود المسيحي، وآخر مسلم يضم المناطق الشمالية وغيرها حيث الكثرة الإسلامية، شكلت هذه الحرب التي كانت تشعل وتسعر بوقود من كنائس العالمية، والتي بدأت منتصف عام 1967م واستمرت زهاء أربع سنوات، حيث لم تضع أوزارها إلا في عام 1970م، وقدر عدد الذين ماتوا فيها بحوالي مليوني نسمة.
مثلت هذه الحرب شرخاً ضخماً بالنسبة للمكونات الاجتماعية في نيجيريا وبين المسلمين وبين المسيحيين على وجه خاص، ومن الواضح أن الهدف من ورائها، بخلاف ما أعلن بأنها بمثابة سعي إلى رفع الظلم عن السكان من غير المسلمين من المناطق الجنوبية، كانت محاولة فرض هيمنة مطلقة على بقية مكونات المجتمع لتصبح تحت نير الكنيسة.
انطلاقاً من هذا التاريخ، اتسمت العلاقات بين الجانبين، رغم أن المسلمين يشكلون أغلبية دينية مريحة، بقدر عالٍ من التوتر الدائم، مع تفاوت في درجات هذا التوتر تبعاً لموازين القوى أو للظروف الدولية المحيطة، لكن الذي لا خلاف عليه أن النار لا تزال تحت الرماد، ويمكن أن تشتعل في أي لحظة، كما تؤكد ذلك الحالة الراهنة في البلاد، وهو وضع لا تنفرد به نيجيريا، وإنما نجده في عدد كبير من البلدان الإسلامية التي فيها أقليات نصرانية مدللة تطمح في أن تُحدث انقلاباً في التركيبة السكانية أو عبر السيطرة على مقدرات الدولة سياسياً واقتصادياً، وعلى الآليات الأساسية التي يمكن من خلالها التحكم في سير وتنظيم المجتمعات.
التحديات السياسية
وإذا كانت جمهورية نيجيريا الفيدرالية تحتل المرتبة الأولى على مستوى الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء من الناحيتين السكانية والاقتصادية؛ حيث تنتج ما يقدر بحوالي 2.5 مليون برميل من النفط يومياً؛ ما يوازي حوالي 2.62% من الإنتاج العالمي، كما أنها أول دولة أفريقية من حيث عدد السكان والسابعة عالمياً، إلا أن وزنها السياسي لا يوازي حجمها في المجالين المذكورين؛ ما جعل قيادتها للدول الأفريقية جنوب الصحراء بل ولدول منطقة غربي أفريقيا المنضوية تحت لواء المجموعة الاقتصادية لدول غربي أفريقيا المعروفة اختصاراً بـ "إيكواس" غير خالص لها، فضلاً عن أن ثمة دولاً تنافسها على المستوى القاري، وعلى رأسها جمهورية جنوب أفريقيا؛ ما جعل النزاع على الوزن السياسي والنفوذ محتدماً بين الجانبين.
وباستقرار الحالة في نيجيريا وما يمكن أن يكون عليه وضعها السياسي، يمكن استنتاج جملة من العوامل نستطيع بها تفسير هذا الوضع المتذبذب وغير المريح الذي تجد نيجيريا نفسها فيه، ويمكن اعتبار تلك العوامل التحديات السياسية الأبرز التي على نيجيريا التغلب عليها لتحتل مكانها اللائق على المستوين القاري والدولي.
أولاً: الفشل في إقامة دولة مؤسسات جادة وممكنة تكون قادرة على القيام بوظائف الدولة في الداخل، من تحقيق الأمن والاستقرار، وتثبيت أركان السلم الاجتماعي، وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمختلف طبقات الشعب، ثم تحظى بسبب ذلك بوافر الاحترام على المستوى القارة منذ الاستقلال الخارجي؛ ما يجعلها تؤدي دورها وتشارك في القرار العالمي بما يناسب وزنها السياسي وثقلها الاقتصادي الهائل.
ثانياً: الفساد الشامل الذي ظل ينخر في النظام السياسي لنيجيريا من اللحظات الأولى من نشأتها، بحيث تصنف هذه الدولة الكبيرة في أدنى السلم من حيث الحكم الرشيد، ويشهد لها تاريخها السياسي المتقلب الذي تتبعه الذي تلطخه سلسلة من الانقلابات الدموية التي بلغ عددها حتى الآن 8 من بين أكثر من 80 حركة انقلابية شهدتها القارة منذ استقلالها، وكان من حصادها المر مقتل 4 من الرؤساء؛ ما جعل الناس ينظرون إلى انتخاب "محمد بخاري"، الرئيس الحالي، بصورة ديمقراطية لم تشبها شائبة فرصة ثمينة في مرحلة من الحياة السياسية القائمة على دعامة الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة، ويكون الصندوق الانتخابي والقانون الدستوري حَكَماً في تحديد مصير القيادات السياسية اختياراً وعزلاً.
ثالثاً: فشل النظام السياسي؛ بشقيه العسكري والمدني، في إنتاج نموذج مجتمع يقوم على التوافق الاجتماعي من خلال عقد اجتماعي يرتكز على دعامة الشراكة والمصلحة الوطنية الجامعة، حتى ولو على الحد الأدنى من الالتفاف، بدلاً من هذا فإن المجتمع النيجيري لا يزال يعيش حالة يمكننا أن نطلق عليها الجزر العائمة التي تتسم علائقها بالهشاشة المفرطة، بحيث يمكن لكل هزة أن تُحدث بلبلة واسعة، كما هي الحال اليوم مع ظاهرة "بوكو حرام"، كما سنرى لاحقاً.
الملف الاقتصادي
إذا نظرنا إلى نيجيريا من خلال أراضيها الشاسعة والصالحة للزراعية، وإمكاناتها البشرية الهائلة، فإن المنطق يقتضي أن تكون اليوم ضمن الدول التي يعيش شعبها حداً مقبولاً من الرفاهية، لكن الواقع المر هو أن وضع نيجيريا الحالي على عكس ذلك تماماً، والأنكى أن هذه الدولة الغنية بمصادرها تعيش حالة شديدة من التخلف الاجتماعي والاقتصادي؛ ما جعل بعض الدول التي لا تمتلك إلا جزءاً ضئيلاً من إمكاناتها المادية الضخمة، مثل جمهورية جنوب أفريقيا وإثيوبيا ورواندا تعيش حالة أفضل منها بكثير.
ومن باب عرض المؤشرات الدالة على التدهور الاقتصادي الذي يعاني منه المواطن النيجيري العادي، ننظر في هذه المعطيات:
تتراوح نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر من الشعب النيجيري ما بين 50 - 60%، ولا يبلغ دخلهم اليومي دولاراً أمريكياً، وتقول الدراسات: إن المؤشر في ارتفاع مستمر، أما تعداد الأميين فيصل إلى رقم مخيف؛ حيث يبلغ عدد الأميين البالغين من الشعب النيجري في عام 2006م حوالي 55%، هذا بالإضافة إلى مؤشر آخر يتمثل في الوضع الصحي للشعب النيجيري الذي لا يزال يعاني من انتشار أوبئة مميتة أو محدثة للعاهات الدائمة، بينما نجحت دول أفريقية أقل شأناً من الناحية الاقتصادية من نيجيريا بكثير في القضاء عليها بصورة نهائية مثل السنغال ومالي وبوركينافاسو(5).
أما أبرز أوجه القصور في المجال الاقتصادي في نيجيريا، فنجده في السياسة التي تتبعها في إدارة مواردها الاقتصادية عموماً، والنفطية على وجه الخصوص، إن الإنسان الذي يزور هذه الدولة التي تعتبر محورية في السياسة النفطية العالمية (العاشرة عالمياً، والخامسة على مستوى الإنتاج بـ "أوبك"، والسادسة عالمياً من حيث التصدير)، يفاجأ بطوابير السيارات أمام محطات بيع الوقود، مقابل انتشار ظاهرة بيع الوقود في السوق السوداء في كل شوارع المدن الكبيرة والصغيرة، والأنكى من هذا حالة التراجع التي تشهدها البلاد؛ حيث كانت تمتلك أكثر من مصفاة لتكرير النفط، لكنها اليوم معطلة كلها؛ ما جعل هذا العملاق النفطي يستورد من الخارج كل ما يستهلكه من وقود؛ مع ما يصاحب ذلك من أزمات نفطية متكررة، وحوادث رهيبة تحصد الأرواح وتخرب الممتلكات كما وقع منذ عامين في منطقة الدلتا.
ومن مظاهر الفساد الساري في الحياة الاقتصادية النيجيرية بعد مجال النفط الذي تتحكم فيه الشركات الأجنبية التي تمتلك القرار وتتحكم في سياسة نيجيريا النفطية، إذا كانت ثمة سياسة على الإطلاق، انتشار بل طغيان ظاهرة الفساد الاقتصادي بكل ما يعنيه من رشوة تعم جميع مرافق الدولة، وتتغلغل في صفوف المجتمع، واختلاس المال العام؛ بحيث يقدر ما تخسره الدولة بسبب هذا الفساد المستشري بما لا يقل عن 7 مليارات دولار أمريكي تم تهريبها إلى الخارج؛ ومن أهم أسباب هذا الفساد التي تكبد نيجيريا خسارة فادحة الجيش النيجيري الذي يشبه في تحكمه على مفاصل الدولة الجيش المصري، والمجال الآخر هو المجال النفطي الذي سبقت الإشارة إليه.
شبح الإرهاب
تعيش جمهورية نيجيريا اليوم أشد حالات العنف التي لم تشهد لها مثيلاً منذ انتهاء الحرب الأهلية التي كادت تحطم الوحدة الوطنية، وتبعثر أطراف الدولة الفيدرالية، وذلك منذ ظهرت إلى مسرح الأحداث جماعة "أهل السُّنة للدعوة والجهاد" التي تحولت إلى "بوكو حرام" التي حملت منذ أيام فقط اسم "الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي" أسوة بالدولة الإسلامية المشرقية، وصاحب هذا التحول الدرامي إعلان "أبي بكر شيكوى"، أمير دولة المغرب، مبايعته لـ "أبي بكر البغدادي"، أمير دولة المشرق "داعش".
ومنذ ظهور الجماعة على يد مؤسسها "محمد يوسف" إلى آخر حلقة في تطورها، فإن الثابت الوحيد هو اشتداد النهج العنيف إلى حد الوحشية التي تتبعها الجماعة مع اطراد نموها واتساع دائرة نشاطها لتخرج من حدود نيجيريا التي ظهرت في المرحلة الأخيرة من حكم الرئيس "جوناثان" وكأنها على وشك رفع الراية البيضاء؛ بسبب عجزها عن كف الضربات الموجعة التي تكيلها لها الجماعة والقدرة على الرد بمثلها أو بأقوى منها.
بهذا استطاعت الجماعة التي بدأت مثيرة للسخرية "أقلمة" أو تدويل المعركة التي فرضتها، وتجاوزت ذلك إلى إزعاج دول الجوار اللصيق بنيجيريا وتردد بعضها قبل الإقدام على المجاهرة بمجابهة الجماعة، كما هي الحال لكل من الكاميرون والنيجر اللتين تلقتا ضربات موجعة من قبل محاربي الجماعة، وخلق لهذه الأنظمة السياسية حرجاً شديداً؛ ما جعلها تعول على إنشاء تحالف فضفاض يضم قوات متعددة الجنسية من الدول الأفريقية.
رغم هذا الحشد الذي لا يزال في دائرة الأمنيات؛ فإن المعطيات المتوافرة لا تدل على أن هذه الظاهرة الإرهابية لا يتوقع دحرها في الإدارات الفاسدة، إلى جانب تطهير الحياة السياسية والاقتصادية، مع ما عرف عن الرجل من صرامة ونظافة اليد، قد يكون لكل هذا تأثير يمكن أن يُحدث تحولاً في مسار المعركة.
لكن الحقيقة المريرة تبقى أنه حتى في حال كسر شوكة الإرهاب وتقليم أظافر الإرهابيين بالمنطقة، فإننا مقبلون على عقود من الهزات بفعل جملة من العوامل؛ منها أن الإفرازات التي خلفتها الظاهرة تحتاج إلى وقت طويل لتنمحي، إلى جانب وجود هذه القنوات المفتوحة بعضها على بعض عبر العالم، وفوق هذا كله ما يذاع، مع وجود معطيات داعمة، بأن هذه الظاهرة المنحصرة في العالم الإسلامي ليست بريئة، وإنما تتم تغذيتها من مصادر خفية ضمن أجندات غاية في الجدية، كما يشير الوضع في شمالي أفريقيا ومنطقة الشام وبلاد الرافدين وأجزاء من الخليج ضمن ما يعتبر داخل دائرة الدول المنكوبة.
الموقع والمكانة
أشرنا إلى كون نيجيريا أهم البلدان التي تطل على بحيرة تشاد التي تبلغ مساحتها الإجمالية 16300 كم2، والغنية بالثروات المطمورة في حوضها، والتي قامت بدور كبير في نشأة حالة عمرانية إسلامية راقية اجتذبت أنظار العالم الخارجي، وولدت انصهاراً اجتماعياً، من أبرز علاماتها امتزاج قبائل حميرية وفلانية وهوساوية وغيرها في النسيج البشري المحلي.
من ناحية أخرى، تزداد أهمية نيجيريا الإستراتيجية وخاصة في إطار العلاقات العربية – الإسلامية – الأفريقية؛ بسبب وقوعها على ما يمكن أن نسميه بنقاط تماس الأبرز أهمية بين العالمين، كما تتمتع كذلك بخطين يصلانها بكل من منطقة شمالي أفريقيا والخليج العربي.
تمتلك نيجيريا عدداً من الأوراق يمكنها أن تستخدمها في إطار مشروع حضاري؛ ما يمكنها من الاستفادة من عمقيها الأفريقي والعربي – الإسلامي، وفي هذا الإطار نتذكر ما كان قد لاحظه الزعيم الإسلامي التركي الملهم "نجم الدين أربكان" (يرحمه الله) حين رأى أهمية نيجيريا وفائدة وضعها ضمن عدد من الدول الإسلامية التي تمتلك مؤهلات تمكنها من أن تكون القاطرة التي تستطيع جر قطار التنمية في العالم الإسلامي، وبقياس آخر يمكن للرئيس "بخاري" انتشال بلاده من الهوة السحيقة التي انزلقت إليها طيلة عقود؛ بأن يوظف كل الأوراق الجيدة التي يمتلكها بما في ذلك تثبيت أركان الحكم الصالح الرشيد.
وحتى تقوم نيجيريا بهذا الدور المحوري، يتعين عليها القيام بخطوات إصلاحية كبيرة في شتى المجالات؛ في التربية والتنمية والأمن والترابط الاجتماعي واستعادة هيبة الدولة؛ بما ييسر لها استعادة توازنها وإعادة بناء وحدتها الوطنية التي تمزقت إرباً، لكن لا يُعقل أن تنتظر الدول الإسلامية أو تتفرج حتى تنصلح الحال لتستقبلها، لكن عليها واجب النجدة ومد يد العون لها بما يخفف عنها حمل الضغط الشرير الواقع عليها.
ويبدو لي أن الخطوة الأولى يمكن أن تكون إسناداً قوياً من النواحي الإعلامية، والسياسية، والاقتصادية للتيار الجديد من القيادات الإسلامية التي وصلت إلى مركز القرار خلال الاستحقاقات السياسية الأخيرة؛ وبذلك تتم تقوية موقفها، وتحسين فرص نفاذ ما تحمله من خيارات ستصب في نهاية المطاف في الرؤية الجديدة الرامية إلى احتواء مثيري الشغب باسم الله.
الهوامش
(1) يراجع أحمد محمد كاني في الجهاد الإسلامي بغرب أفريقيا.
(2) تعتبر دولة الأئمة التي قامت في بلاد "فوتَ تورُ" في حوض نهر السنغال خلال عامي 1776 – 1991م من أهم الروافد التي أمدت حركة الشيخ "عثمان بن فودى" فكرياً وجهادياً، باعتبار الأصداء التي كانت تصلهم من المنطقة وبفعل أن جده ينحدر من هناك.
(3) حيث ضمت بالإضافة إلى معظم نيجيريا الحالية أجزاء كبيرة من تشاد، كما وصلت حدودها إلى جمهورية مالي الحالية غرباً؛ ما جعل الشيخ "أحمد لُبُّ باه"، أمير دولة ماسينا المسلمة، يبايع الشيخ "عثمان" ويلحق إمارته بالدولة.
(4) وقعت أحداث الانقلاب الدامي فجر يوم 25 يناير 1966م.
(5) تعتبر نسبة الأمية أعلى في صفوف المسلمين من غيرهم عموماً، وبالمقارنة مع المسيحيين خصوصاً، لكن هذا الانقلاب في الأوضاع بعد أن كان المسلمون يشكلون الطبقة المتعلمة وأعرض قاعدة من المثقفين؛ نتيجة السياسة التربوية التعليمية التي مورست ضدهم تحت نير الاحتلال وبعد جلاء المحتل كذلك؛ ما جعل المسلمين يهتمون بإنشاء تعليم موازٍ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل