; الدعوة بين التأصيل والاستثمار | مجلة المجتمع

العنوان الدعوة بين التأصيل والاستثمار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

مشاهدات 93

نشر في العدد 836

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

في المنتدى الفكري

من أسباب انحراف هذه الأمة غياب الفهم وغياب الإحاطة بهذا الدين

الفجوة بين الصحوة الإسلامية وبين الحكومات فجوة غير علمية وغير موضوعية

يجب الكف عن العمل الدعوي الذي ينزع إلى الفوقية وإلى الابتعاد عن الهموم اليومية.

في هذا المنتدى، تستضيف المجتمع المفكر الإسلامي سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي -حفظه الله- في حوار حول تأصيل الصحوة فكرًا ومواقف وسلوكًا ويشترك في هذا اللقاء مع سماحة الشيخ الندوي كل من:

  1. الدكتور حامد أحمد الرفاعي الأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز «جدة».
  2. الدكتور عبد الله فهد النفيسي أستاذ العلوم السياسية «الكويت».

في هذا المنتدى طرحت المجتمع أسئلتها كما يلي:

 

أولًا: تأصيل الصحوة

المجتمع: بلغت الصحوة الإسلامية أشدها والحمد لله فهل هنالك ثمة لوازم لشباب هذه الأمة من أجل تأصيل مواقفهم وترشيدها وتقويتها وهم يعيشون عصر الصحوة الإسلامية؟

  • سماحة الشيخ الندوي:

باشر سماحة الشيخ الندوي الإجابة على سؤالنا بوضع ثلاث نقاط أساسية وذلك كما يلي:

فيما يتعلق بالصحوة الإسلامية في تقييمها وترشيدها وتقويتها وتوجيهها إلى الهدف الرئيسي، فإنني أعتقد في ضوء دراساتي القاصرة وتجاربي العملية أن الخطوة الأولى هي إعادة الثقة في قلوب الشباب وعقول الأعضاء بصلاحية الإسلام للبقاء أولًا، وتوجيه الإنسانية ثانيًا، وقيادة البشرية ثالثًا، والملاحظ أن هذه الثقة قد تضعضعت وضعفت جدًا، بتأثير التربية الغربية فأصبح المسلمون يعتقدون أن الإسلام قد قام بدوره الإصلاحي مشكورًا، ولم يعد صالحًا للبقاء في هذا العصر المتطور فكثير من شبابنا الذين نشؤوا في أحضان التربية الغربية وفي محيط الجامعات العصرية بدؤوا يقولون بأن الإسلام ليس فيه أمل، ومن إضاعة الوقت والطاقة أن نؤمل في الإسلام تولي قيادة البشرية من جديد، حيث أنه -بزعمهم- لن يحل المعضلات العصرية.

  • الخطوات الثلاث:
  • فأول خطوة يجب أن نخطوها وبخاصة الدعاة، قادة الفكر والمؤلفون والكتاب أن يعيدوا الثقة في نفوس الشباب بصلاحية الإسلام ليس للبقاء فقط، بصلاحية الإسلام لإنقاذ البشرية والمجتمع البشري من الانهيار أو الانتحار، فالمجتمع الغربي ليس في طريقه إلى الانهيار فحسب، بل في طريقه إلى الانتحار.
  • والخطوة الثانية: وجود مجتمع مثالي على منطقة محدودة يمكن الإشارة إليه بالبنان إذ يتوجه إليه الإنسان إذا أراد أن يدخل في الإسلام.
  • والخطوة الثالثة: هي وجود حركة إسلامية عملية وهذه حاجة من حاجات البشرية الرئيسة وليس المجتمع الإسلامي فقط، وعدم وجود هذه الحركة قد أحدث اضطرابًا في الأفكار والعقول ومكن للحركات الطائشة المضللة والمفسدة أن تشغل هذا المكان.

الدكتور حامد الرفاعي:

  • وبعد الخطوات الثلاث التي قررها العلامة الندوي طالب د. حامد الرفاعي بنقلة جادة في العمل الإسلامي تحقق النموذجية الإسلامية الفذة حيث قال:

أن الصحوة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى نقلة جادة من مجال وإطار العموميات إلى إطار العمل الجاد المثمر الذي يعطي ثمرة هذا الزخم العاطفي الصحوي الذي يشعر الإنسان أن وراءه نية خالصة ورغبة صادقة في تقديم التضحية وفي تقديم الجهد الخالص لتحقيق مراد الله -تعالى- في الأرض وهو إقامة حكم الله -تعالى- وإسعاد البشرية من بعد، أقول: نحن بحاجة إلى  هذا، إن الجيل السابق الذي كان سببًا في بعث هذه الصحوة قد قدم جهدًا عاليًا وكبيرًا في بعث هذه الصحوة أو إنهاء تلك الغفوة التي عاشتها الأمة الإسلامية على مدار قرون متتالية، هذا الجيل وقد قدم دوره الكبير في بعث هذه الصحوة وفي دفع هذا الجيل نحو النور أقول هذا جيل ونحن الذين تتلمذنا على يديه بحاجة لأن نقدم جهدًا آخر يكمل ذاك الجهد، وهو أن نقدم الميدان العملي والعوامل التي تنقل ذاك الجهد الكبير إلى استثمار جاد يحول هذه الصحوة إلى واقع عملي تتحقق به هذه النموذجية الفذة التي تكون حجة على العالمين، كنموذجية إسلامية تمثل حقيقة هذا الدين وأذكر في هذا المقام قولًا أحسبه لابن تيمية -رحمه الله- عندما قال: «إن الإسلام محجوب بأهله» إننا نعم. نحجب هذا الإسلام في نفوسنا من خلال هذا الخلل الذي نقدم به الصورة المشوهة غير المنطقية، والظالمة لهذا الدين الذي نحن ننتمي إليه، ولا بد أن نحقق الصورة العادلة المثلى التي ينبغي أن تكون في نفوسنا على مستوى هذه المكرمة الربانية، وقد اصطفانا بأن نكون مسلمين.

فن ممارسة الحق:

ويتابع د. رفاعي إجابته واضعًا ثلاث نقاط إلى جانب نقاط العلامة الندوي يقول: إذًا لا بد للمسلمين، وقد أتقنوا إلى حد مقبول فهم الحق، أن يتقنوا كذلك فهم فن ممارسة الحق، لا بد أن نؤكد على الترشيد الذي ينقلنا من العموميات ومن العاطفة الجياشة إلى العاطفة الجادة العملية التي تجعلنا قومًا عمليين فضلًا عن أن نكون قومًا قياديين لعملية تصحيح هذا المسار البشري، وبالتالي فلا بد من أن نركز على معاني ألخصها بما يلي:

  1. إن قضية المسلمين اليوم وقضية الاستعصاء الإسلامي نحو تطبيق النموذجية الإسلامية، يقوم في مبعثه على عوامل من أهمها وحدة الفهم الإسلامي لما بين يدينا من الحق، ووحدة الفهم الإسلامي في تصريف هذا الحق في حياتنا ومع غيرنا من خارج دائرة الإطار الإسلامي.
  2. لا بد أن تبرز في حياتنا أطر توحد تصوراتنا عن كيفية التعايش مع غيرنا من المسلمين وكيفية تصريف هذا الدين على الساحة العملية مع أنفسنا ومع غيرنا ممن يعيشون معنا أو يعيشون بعيدًا عنا ممن ينتظرون منا الإجابة على هذا الفراغ الذي يعيشونه وينتظرون منا الإجابة على هذا الضائع في نفوسهم وقد عاشوا هذا الانهيار.

إننا مكلفون بتصحيح المسار وإذا كنا عاجزين عن تصحيح المسار في حياتنا فإننا من ثم سنكون عاجزين عن تصحيح المسار لغيرنا، ولذا فنحن مسؤولون أمام الله -سبحانه وتعالى- عن هذا الخلل البشري الذي يهدد هذه المدنية.

  1. مع حرصنا على إيجاد الفهم المشترك والتصور المشترك لا بد أن نقدم دراسات حية وعملية ومحددة عن تصوراتنا الإصلاحية في المجالات «الاجتماعية السياسية، الاقتصادية العسكرية الأمنية» وبالتالي لا بد أن نؤدي دورنا بكل كفاءة، لا الكفاءة التي تثبت وجودنا، ولكن الكفاءة التي تنقلنا إلى موطن الريادة الذي كلفنا به من رب العالمين سبحانه وتعالى.

د. عبد الله النفيسي:

يرى د. النفيسي أن الخطوات الثلاث التي طرحها سماحة العلامة الندوي بحاجة إلى تفصيل ومن تلك الخطوات اتخذ د. النفيسي ثلاثة مرتكزات فصل فيها القول بما يلي:

أن قضية التأصيل هي من أهم القضايا التي عرضت لها في إسهاماتي المتواضعة في مجلة المجتمع، ولقد تناول أستاذنا ووالدنا أبو الحسن الندوي ثلاثة مرتكزات كمنطلق لهذا التأصيل، وكان بودي أن أسمع منه التفاصيل أكثر حول هذه المرتكزات لأنها برأيي تشكل هيكلية مناسبة لمعالجة الموضوع، وتأصيل الصحوة الإسلامية، عملية خطيرة وهامة ولا يمكن أن تتم إلا عبر ثلاثة مرتكزات:

  1. ضرورة تحديد المفاهيم:

المرتكز الأول: نعم مطلوب إعادة الثقة في نفوس الشباب في الإسلام ليس فقط بصلاحية الإسلام أو بقاء الإسلام، بل حتى في قيادة الإسلام ومقدرة الإسلام على إنقاذ البشرية، لكن كيف تتم إعادة هذه الثقة هذا هو السؤال، هذه مشكلة ومعضلة كبيرة ما زالت الحركة الإسلامية عاجزة عن القيام بها، الخطاب الإسلامي منذ أكثر من خمسين سنة موجه إلى القيم الإسلامية، وإلى الأخلاق الإسلامية، وما ينقصنا هو نظام للمفاهيم وليس نظام للقيم، لأن القيم واضحة، والأخلاق واضحة، والحلال بين والحرام بين، ولسنا بحاجة لنجتر الكلام عن القيم، لأن القيم نزلت من لدن خبير عليم -سبحانه وتعالى- ما نحن بحاجة إليه هو نظام للمفاهيم وليس نظامًا للقيم، فإذا تمكنا من تحديد مفهوماتنا لهذا العالم المعاصر الذي نعيش فيه، أعتقد بل أجزم أننا استطعنا أن نخطو خطوة إلى الأمام على كل صعيد. نحن نتحدث عن الدولة الإسلامية المنشودة في كل منشور من تراثنا، ونتحدث عن المجتمع الإسلامي المنشود ونتحدث عن الغد الإسلامي المنشود، لكننا دائمًا نكتفي بهذه العموميات ولا نغوص في التفاصيل ومشكلتنا في التفاصيل، وليس في العموميات وذلك لأن المفاهيم غير واضحة وغير موجودة أصلًا لذلك نجد أن رؤية التفاصيل غير واضحة.

نحن نتكلم عن الشورى كمرتكز من مرتكزات النظام الإسلامي، ونأتي بأحاديث كثيرة حول الشورى وآيات وتفاسير هذه الآيات، ولكن كيف نطبق الشورى في هذا العصر؟ هل الشورى هي الديمقراطية؟ هل الشورى هي الاقتراع السري؟ هل الشورى هي الحزبية والتعددية السياسية؟ هل الشورى هي مطلقة وتخص الجميع، أم محددة وتخص الخاصة؟

هذه قضايا للأسف لم نجرؤ حتى الآن في الخوض في تفاصيلها والمطلوب التفاصيل وليس العموميات.

نحن نقول إن المجتمع الذي نعيش فيه، هو مجتمع خارج عن إطار الالتزام بالإسلام. لا بل ذهب بعض الكتاب من شهداء الحركة الإسلامية إلى وصف هذا المجتمع بالجاهلية وطالب بالانتقال إلى مجتمع إسلامي، لكن حتى الآن نظرية التحول من «الجاهلية» إلى «الإسلامية» غير واضحة، كيف سوف يتم هذا التحول؟

ويتابع د. النفيسي قوله:

هذه نقطة ينبغي التوقف عندها أو البحث فيها، لا أزعم أنني أملك أجوبة واضحة فيها، لكني أطالب بحرارة وبإخلاص بفتح الحوار في داخل الإطار الإسلامي حول هذه القضايا فإعادة الثقة التي طالب بها والدنا أبو الحسن مطلوبة لكن نريد أن نحددها أكثر.

  1. التركيز عن العمل السياسي:

المرتكز الثاني: ويقول فيه د. النفيسي مركز على الإعلام والنقابات:

في تصوري في تأصيل الصحوة الإسلامية هو التركيز اليوم على العمل السياسي والاجتماعي والكف عن تبذير الطاقة الإسلامية في المجالات الأخرى، في رأيي -والله أعلم- أن المجتمعات العصرية اليوم أصبحت لا تتجاوب مع النظريات مهما تسامت هذه النظريات، المجتمعات العصرية اليوم تحتضن من يحتضنها وتقبل من يقبلها وتؤيد من يمد يده لها ولا يكون ذلك إلا من خلال العمل السياسي والعمل الاجتماعي والكف عن هذا العمل الدعوي الذي ينزع إلى الفوقية وإلى الابتعاد عن الهموم اليومية، التركيز على العمل السياسي يتم بالتركيز على الإعلام، ويتم بالتركيز على النقابات والإعلام الإسلامي اليوم لا يعكس حال العمل الإسلامي، بل أستطيع أن اعتبره جزءًا من الدعاية الإسلامية، ولذلك ينبغي أن يكون لسان الإعلام الإسلامي اليوم هو واقع العمل الإسلامي في كل ما في العمل الإسلامي من ضعف هيكلي ينبغي أن ينعكس ونتحدث عنه ونتحاور حوله ونحاول أن نتجاوزه، أما هذه الدعاية التي نسميها إعلامًا إسلاميًا فهي لا ترقى إلى مستوى الإعلام الموضوعي المطلوب منه معاني جليلة وكبيرة.

موضوع النقابات هو الموضوع المهم، اليوم المجتمعات العصرية كلها تندرج تحت النقابات، قس على ذلك في كل العالم الإسلامي والمطوب اليوم الالتحام بالبنية التحتية من المجتمعات وهذه النقابات أصبحت هي وسيلة التحول الاجتماعي، فكلما التصقت أي حركة كانت في هذه النقابات كلما استطاعت الحركة أن تحقق خطواتها نحو التغير المطلوب، وكلما ابتعدت الحركة أيًا كانت عن هذه النقابات، استطاع غيرها أن يكسبها واستطاع التحول أن يأخذ ثوبًا مغايرًا للإسلام واليوم الحركة الشيوعية والحركة اللادينية، تشهد ولله الحمد انحسارًا عظيمًا بشهادة كبار الزعماء العرب وغير العرب ولذا جاء الآن دور الحركة الإسلامية والمطلوب منها أن تغشى عالم النقابات لكي تسيطر على هذه البنية التحتية التي يرتبط كل تغيير بها في المجتمعات في المستقبل.

  1. النوعية وليس التكديس:

المرتكز الثالث والأخير يتناول الحركة الإسلامية: يقول د. النفيسي:

لا بد من إعادة النظر في سياسة التكديس التي لجأت إليها الحركة الإسلامية، لتتحول إلى سياسات الانتقاء وسياسات التغيير، وليس عبثًا أن المصطفى عليه الصلاة السلام قال: «اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين» فلنبحث عن النوعية ولنكف عن تكديس الأعداد، لأن هذه الأعداد لن تفيد بل بالعكس فسوف تثقل كاهل التحرك الإسلامي، وقد تطبعه بكثير من السلبيات العالقة به ومطلوب حقيقة اليوم قبل الغد، أن تطلب الحركة الإسلامية النصرة من شرائح اجتماعية معينة تملك هذه النصرة ومستعدة لها، هذه هي المرتكزات الثلاث التي أراها وسيلة جيدة لتأصيل الصحوة الإسلامية.

رد لسماحة الشيخ الندوي:

سماحة الشيخ أبو الحسن لم ترق له مسألة التفاصيل حيث يقول:

أعتقد أنه إذا قام المجتمع الإسلامي الواعي أي المخلص الجاد فإنه يستطيع أن يكيف عمله الإسلامي ويتوجه في المجال السياسي في ساحة السياسة والعلوم والحضارة، يستطيع أن يكيف عمله بالبيئة القائمة. فالأصول كلها موجودة إنما تحتاج عملًا اجتماعيًا أكاديميًا، أي أن النصوص موجودة والمادة الأولية للاجتهاد، والتطبيق في نور العصر وبين أحداث الإسلام وبين روح الإسلام ميسورة والذي يتعلق بالشرع يحتاج إلى عمل مجمعي ويمكن أن يقوم هذا المجمع في أي مكان. والذي نريد أن نركز عليه هو الإخلاص والجدية في قيام هذا المجتمع ووجود حركة إسلامية تجمع بين الحركية وبين العلمية وبين الوعي وبين الحركية، وبين روح البطولة والمغامرة. فعدم وجود حركة إسلامية تجمع بين الحركية والعملية والبطولة والفهم الصحيح والدقيق أصبح مع مرور العصر خطرًا كبيرًا على المسلمين المتعطشين للبطولة والمغامرة، لأنهم وجدوا فيها ما يروي ظمأهم ويشبع رغبتهم السابقة.

ويتابع الشيخ الندوي رده فيقول:

يجب أن نفكر في ذلك جديًا وأما شرح المفاهيم وعرض النظرية السياسية الإسلامية بتفاصيلها، فهذا عمل مجمعي مثلما قلت، فالذين يصلحون لأن يكونوا أعضاء في هذا المجمع ويساهمون في عمله والحمد لله متوفرون ويمكن أن يستفاد منهم، ويمكن أن يفكر بلد إسلامي وحكومة إسلامية في تكوين هذا المجمع العلمي الإسلامي في عرض النظريات السياسية الأصيلة في تفاصيلها، وفي تكليفها مع روح العصر، وهذا ممكن.

  • د. الرفاعي:

وبين وجهتي نظر العلامة الندوي ود. نفيسي يعلق د. حامد الرفاعي معبرًا عن رأيه في علاقة التأصيل بالكيفية. يقول د. الرفاعي:

أعتقد أننا لا زلنا لم ندخل في الإجابة عن كيفية تحقيق ما نريد، وأحسب أن مشكلتنا الأساسية هي في هذه الكيفية، وأن التأصيل المقصود في هذا السؤال هو كيف نؤهل شباب وجيل الصحوة لكي يسير في ميدان الكيفية لتحقيق هذه النموذجية، ولا شك أن تحقيق النموذجية الإسلامية، من خلال مجتمع إسلامي في أي أرض وفي أي زمان لا شك أنه الأساس الذي يشكل القاعدة الأساسية في الدعوة إلى الإسلام.

ولكن كيف نصل إلى هذا الطموح وكيف نحقق هذا الأمل، أنتم تعلمون فضيلة الوالد «مخاطبًا سماحة الشيخ الندوي» كم هي العوائق التي تواجهها الحركات الإسلامية منذ قرن أو على الأقل نصف قرن معاصر، كما هي العوائق وما ضخامتها وما هي أحقادها التي تحول بين هذا الطموح وبين تحقيقه وبالتالي لا بد أن نعمل عقلنا وجهدنا في تذليل هذه العقبات بشتى الوسائل إن كانت في الجانب البطولي والتضحية، أو في جانب الحكمة والتعقل، لأن النموذجية التي حققها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحقيقة ثرية بالمعاني والعوامل التي وراء هذا التحقيق، هناك عوامل التضحية وعوامل الاستبسال لكن إلى جانب ذلك هناك عوامل حسن الصياغة في التعامل وحسن الصياغة في تقديم ما نريد وفي تحقيق ما نريد.

جاهلية ليست كالأولى:

وأحسب أن أمثلة التصرف وأمثلة التعامل التي قدمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع الجاهلية الأولى في تحقيق ما يريد، أحسب أنها يجب أن تكون هي المعيار الصحيح الذي تلتزمه في تحقيق النموذجية الإسلامية في وسط جاهلية لا أقول أنها كالجاهلية الأولى أبدًا، فأنا أختلف مع من يقول أنها جاهلية متكررة بكل أبعادها أبدًا. وذلك لأن هذه الجاهلية تتركز في إطار الانحراف لا في إطار الاعتقاد وأحسب أن المجتمع المسلم بشكل أو بآخر لا يزال بفضل من الله سبحانه وتعالى يحتفظ بقسط كبير في إطار المفاهيم الاعتقادية، ولكن الخطورة التي نواجهها في مجال الانحراف السلوكي، والانحراف الفكري، والانحراف في المفاهيم عن هذا الجانب العقدي وبالتالي لا ينبغي أبدًا ومن الظلم أن أقول أن ما يطلق عليه اليوم بأنه جاهلية هو مثيل لتلك الجاهلية. وأنا أؤكد على أن الإطار الإسلامي والتراث الإسلامي مليء بالعطاء السياسي والعسكري والأمني، ولكن المطلوب هو أن نحدد مفاهيم أساسية لكي نقدمها لهذا الجيل، لأنه ليس بمقدور هذا الجيل بشكله الجماعي أن ينهل مباشرة من التراث الفقهي «فاسألوا أهل الذكر» فلا بد أن يتحمل أهل الذكر مسؤولية تقديم المفاهيم المحددة الجاهزة للتلقين وللتربية والتكوين، وآمل أن نكون قد قدمنا الواجب.

إن سبب هذه المشكلة هو هذه الواقعية الصعبة التي نحن الآن عاجزون عن تحقيقها وبالتالي نجد أنفسنا مضطرين أن نتحدث عن العموميات وعن النظريات.

ثانيًا- استثمار الصحوة:

المجتمع: كيف نستثمر الحركات الإسلامية لحالة الصحوة هذه حتى تحقق ما تصبو إليه وتضمن لنفسها الاستمرارية الإيجابية؟

سماحة العلامة الندوي

تناول الرد على هذا السؤال أولًا سماحة الشيخ أبي الحسن فقال:

إن وجود العمل الإسلامي المتصل الدائم هو الذي يجمع العناصر الطيبة وهذه هي طبيعة العمل البطولة والمغامرة أنها تجذب العناصر التي تتفق مع مبادئها وأهدافها وفيها صلاحية قديمة، وبخاصة إذا قامت هذه الحركة برفع صوتها ودعوة الآخرين للانضمام لها.

هذه هي تجربة الحركات الصحيحة في التاريخ الإسلامي كله. أما إذا ما بقينا ننتظر ونركز كل علاقتنا الفكرية والعقلية والعملية على عرض النظريات السياسية والعلمية، فإننا لن نستطيع كسب هذه العناصر الطيبة وهذه الطاقات المخبوءة الهائلة.

  • د. حامد الرفاعي:

إن قضية استثمار هذه الصحوة يكون على مرتكزين اثنين يتفرع عنهما الكثير من المتطلبات والحيثيات:

المرتكز الأول: لا بد أن يكون بمقدور الحركة الإسلامية والتجمعات الإسلامية التي هي مادة هذه الصحوة أن تتمثل هذه الصحوة في حياتها وفي مسيرتها فإذا كانت هذه الجماعات عاجزة عن أن تتمثل في حياتها وفي مسيرتها وطموحاتها التي تدعو إليها فهي أعجز عن تحقيق هذا الطموح في حياة ومسيرة المجتمعات التي تريد تصحيح مسيرتها، ففاقد الشيء لا يعطيه كما يُقال.

من أسباب انحراف هذه الأمة غياب الفهم وغياب الإحاطة بهذا الدين

  • لقاء الدعاة ورجال السلطة:

يتابع د. الرفاعي رده فيقول:

المرتكز الثاني: أن أشد ما يخشاه أعداء الإسلام دائمًا أن يلتقي رجال العلم والدعاة في هذه الأمة مع رجال السلطة، لأنهم يعرفون أن التحام هذين الفريقين إنما يشكل خطوة انعطاف نحو تحقيق الأمل، وبالتالي نجد أن هناك عوامل وجهودًا كبيرة تبذل على إقامة قواعد الريبة والتوجس، ولا بد للحركة الإسلامية أن تعمل على إزالة هذه الجدر، جدر عدم الثقة وأن تمزق هذه الحجب التي تحول بين صلة العلماء وصلة رجال الدعوة مع من اختصهم الله امتحانًا أو محنة في مقام السلطان وحتى نستطيع نحن أصحاب الدعوة الجادين أن نحقق هذه الصلة فإننا نوجد الميادين الصالحة لاستثمار الصحوة الإسلامية.

  • نموذجية نبوية:

ويؤكد د. الرفاعي على النموذجية النبوية فيقول:

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجول في القبائل ويعرض الإسلام عليهم، وأظن أن فتح مكة ما كان إلا نتيجة لواحدة من هذه المحاولات «من أي البلاد أنتم، نحن من يثرب، هل لكم من ساعة؟ نتحدث إليكم» فتحدث ساعته، وكانت النموذجية في المدينة المنورة، ساعة يتحدث مع قوم يجهلهم ويجهل عقائدهم ولكنه يطمع أن يحاور كل إنسان وأن يفتح به الخير الذي يريد.

وكذلك موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية- وهذه النموذجية الفذة التي تجمع بين بيعة الرضوان وبيعة الموت وبين الحوار السياسي العالي الراقي الذي يقدم النموذجية الحية العملية التي يجب أن نؤكد عليها لنخرج بعض جوانب التربية من التشنج والانحصار والتقوقع إلى الانفتاح، ودور الدعاة اليوم أن يبرمجوا دعوتهم لكي يلتزم الشباب بهذه البرمجة التي تنقلهم من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة ضمن المفاهيم المحددة للنص الواحد في إطار حملة النصوص التي تشكل وحدة المفهوم الواحد للقضية الواحدة.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأمة لم تؤت قط من خارجها وإنما من داخلها وأول عامل من عوامل انحرافها من داخلها هو غياب الفهم وغياب الإحاطة بهذا الدين

وقد يقول قائل في هذا العصر بأن قضية التربية الروحية وقضية التكوين التربوي عامل أساسي، أنا لا أقول خلاف ذلك ولكن أقول مع هذا وإلى جانب هذا لا بد أن نؤكد على المفاهيم الحركية العملية التي توظف التربية الروحية والتربية التكوينية، وأحسب أن ضريبة العمل المعاصر هي غياب تحديد المفاهيم الحركية والعملية، ولقد تحمل مثل هذه الضريبة والعنف منها جيل الصحابة، وما أحسب أن الفتنة التي قامت بين علي -رضي الله عنه- وبين معاوية، ما أحسب أن مبعثها غياب التربية الروحية أو النقص في التكوين التربوي وإنما أحسب أنه كان هناك خلل في وحدة المفاهيم السياسية والتنفيذية عند بعضهم، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال: 25).

  • سماحة العلامة الندوي:

أود أن أعرض بعض الملاحظات وهي: أن التربية المنزلية والتربية المحلية كان لها أثر كبير في مجتمعاتنا السابقة، وكان المسلم يتربى في المنزل أولًا ويتحصن بالشقة بالإسلام وهذه التربية أصبحت مفقودة هذه الأيام، ولذا فإن الأجيال اليوم تواجه هذه الحضارة الحديثة وهذه المدنية التي تبهر العيون والأنظار وهي غير محصنة من بيئتها المنزلية وفاقدة الثقة بالإسلام منذ البداية وبالتالي لا تستطيع أن تقاوم هذا الانبهار بهذه الحضارة وهذه المدنية.

ولذلك فإن من مسؤولياتنا أن نحصن شبابنا من البداية وفي المجال الذي نحن نستطيع أن نعمل فيه، في بيوتنا وفي المعاهد وهذا التحصين قد ينفعهم وينقذهم أو ينقذ الكثيرين منهم من الانبهار بالحضارة الغربية.

ثم إن المسؤولية الثانية هي أن نعمل في تلك البيئات الغربية التي تأتي منها هذه المفاسد فكثير منهم معاندون، ولكن الكثير منهم جاهلون كذلك ولم يطلعوا على الحقيقة الإسلامية الصحيحة فنحن مسؤولون عن تزويدهم بالمعرفة الإسلامية الصحيحة والقيم الإسلامية الصحيحة وأن نصحح الخطأ الذي وقع في أذهانهم عن التعريف بالإسلام وبالشخصيات الإسلامية. فكما يجب أن نعمل في بيئتنا الشرقية والإسلامية يجب أن نعمل في البيئة الغربية كذلك التي هي مصدر ثقافتنا وأفكارنا التي نقرأها ونزود شبابنا بها.

د. عبد الله النفيسي:

يعود د. نفيسي إلى أصل السؤال الثاني فيقول:

في رأيي يمكن استثمار الصحوة الإسلامية عن طريق ثلاث وسائل:

الوسيلة الأولى: المجال الآن واسع أمامنا لتأسيس المؤسسة الإسلامية، هناك صحوة إسلامية، وهناك شعبية لهذه الصحوة الإسلامية وهناك -إلى درجة معقولة- قبول من بعض الحكومات الإسلامية لهذه الصحوة، فلنستثمر هذه الفرصة التاريخية لتأسيس المؤسسة الإسلامية.

وأقصد بالمؤسسة الإسلامية تأسيس المدارس الإسلامية والجامعات الإسلامية والبنوك الإسلامية تأسيس المؤسسة التي تكون عنوانًا للنظرية الإسلامية.

والوسيلة الثانية: هناك الآن انعطاف شعبي للصحوة الإسلامية وقبول لها وترحيب بها، وهناك أعداد هائلة من الخبراء في الاقتصاد والهندسة والكيمياء والعلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية وغيرها مقبلون على هذه الصحوة. فهذه العقول، وهذه الخبرات العظيمة ينبغي انتقاؤها من وسط الجمهور، وينبغي تشكيل النقابات لها وربطها بالصحوة الإسلامية ربطًا موضوعيًا وعلميًا رقيقًا حتى نستثمرها لغرض الصحوة ولأهداف الصحوة.

الوسيلة الثالثة والأخيرة: أن الوقت اليوم مناسب أكثر منه في أي وقت آخر لتأسيس نظام للعلاقات العامة عالميًا بالحكومات وبالشعوب وأخص بالذكر الحكومات، لأن هناك محاولة دؤوبة كما أشار أخي الدكتور حامد من جهات معادية للإسلام لضرب أي محاولة لهذا الاتصال. ينبغي أن نؤسس الاتصال بكل حكومة تقبل بهذا الاتصال، وأن نستثمر هذا الاتصال. الاتصال بالدعوة الإسلامية. وأن نحرص على هذا الاتصال. وقد تكون هناك حكومات تواقة لهذا الاتصال أكثر منا نحن وأن عقدة الاضطهاد ينبغي أن نتخلص منها، وأن نقبل على هذا العالم بقلوب واثقة بالله ومنفتحة وقادرة على استثمار المحيط الاجتماعي والسياسي.

ثالثًا -الحركة الإسلامية والأنظمة:

المجتمع: ربما يكون ما ذكره الدكتور عبد الله النفيسي عن قضية الاتصال بين الحركة الإسلامية والأنظمة، ربما يكون هذا موقفًا فرديًا لا يمثل الحركة الإسلامية. والسؤال لماذا تتخوف الحركات الإسلامية بمجموعها من هذا الاتصال؟ وإذا كان الجواب \أنها لا تتخوف فنحن لا نرى على أرض الواقع غير عقدة الخوف قائمة بين الحركة الإسلامية بعمومها والأنظمة، بحيث أن الرعب أحيانًا يأخذ مجراه في تحديد العلاقة بين الطرفين، ثم \إن هناك جهات شعبية قد تكون متطرفة سواء كانت يسارية أو إسلامية تتهم من يفكر مثل هذا التفكير بالتنازل. وقد يتهم آخرون أصحاب هذا التفكير بالعمالة وبيع الدعوة. والسؤال: إلى أي مدى ستظل الحركات الإسلامية تشك في نوايا السلطات، وبالتالي تجعل من كل شيء يتعلق بالأنظمة والحكومات أمرًا مستكرهًا مبتعدًا عنه؟ هذا الواقع عاشته الحركة الإسلامية في الفترة الماضية، وكما ذكر د. عبد الله بأن أعداء الإسلام من الاستعمار والصهاينة يغذون هذه العقدة فكيف تحل هذه العقدة إن كنتم ترونها موجودة؟ وكيف ترشدون شباب الحركات الإسلامية بهذا الصدد؟

العلامة الندوي:

  • المسؤولية تقع على الجهتين: على الدعاة القائمين بالدعوة وعلى المسؤولين، فأما المسؤولون فلهم تصورهم الخاطئ لكل حركة إسلامية، حيث يعتقدون أنها ستقضي على سلطتهم. وعدم محاولتهم للاستعانة بهم في صالح البلاد والاعتماد عليهم فيما يصلحون له فاعتبارهم العدو اللدود فهم يرکزون على هذه الجماعات الإسلامية وهذه الجهات الإسلامية التي تفكر التفكير الإسلامي.

الجزء الثاني من المسؤولية يقع على عاتق الدعاة فهم يسرعون في المجابهة ولو سمحتم لي بتعبير أصح نحن مخيرون بين شيئين: وصول الإيمان إلى أصحاب الكراسي أو وصول أهل الإيمان إلى الكراسي فيفضل الكثير منهم وصول أهل الإيمان بأنفسهم وبشخصياتهم إلى الكراسي. يعني هم يتولون الحكم مباشرة لا يثقون بأحد، فهم لا يرون لهم بديلًا يريدون أن يباشروا الحكم بأنفسهم أما أن يصل الإيمان إلى أصحاب الكراسي وهم يتبنونه ويكونون من المتحمسين له فهذا لا يفكر به كثير من الدعاة.

أقول المسؤولية الأولى على حكامنا الذين ينظرون للإسلام كعدو منافس كأنه خطر على حكمهم وعلى حكوماتهم ونفوذهم، وهذا خطأ.

والأولى أن يصطلحوا مع شعوبهم ذات العقيدة الإسلامية حتى تسعد البلاد والعباد والمسئولية الثانية تقع على عاتق الدعاة الذين يسرعون للمجابهة، يعني يكونون جبهة معارضة للحكومات من غير حاجة ومن غير لزوم ولكنهم يرون أن هذه الحكومات هي حكومات كافرة أي أنهم يصدرون الحكم عليها ويتطرفون في الحكم عليها، فلو أنهم عملوا بالحكمة ولو أن هؤلاء الحكام كذلك انتفعوا بهذه العناصر الطيبة القوية لكان أفضل يجب أن نتفادى هذه الحرب في غير عدو والجهاد في غير جهاد، هنالك اليوم حرب واقعية بين الحكومات والشعوب، وليس بين الحكومات وأعداء الإسلام.

د. النفيسي:

ويؤكد د. النفيس على ما ذهب إليه العلامة الندوي بشأن العلاقة بين الأنظمة والحركة الإسلامية فيقول:

أنا أعتقد بأنه ينبغي أن ندرس هذه القضية دراسة علمية لأنها كما أشار والدنا وأستاذنا سماحة العلامة الندوي قضية مركزية بالنسبة لنا الصحوة الإسلامية أعرف تمام المعرفة بأن هناك تصورات لدى كثير من الحكومات عن الصحوة الإسلامية تصورات مشوهة وغير صحيحة، وغير دقيقة.

ولا بد من توضيح صورة الصحوة الإسلامية لدى الحكومات، لأن هذه الصورة مشوهة وغير موضوعية وغير علمية. ونحن أبناء الصحوة والمسؤولون عن الصحوة شاركنا في تأسيس هذه الغربة بين الصحوة وبين بعض الحكومات المعتدلة التي لا تعادي الصحوة الإسلامية.

ينبغي على الصحوة الإسلامية أن تبادر -كونها هي المستضعفة وهي الأقل شأنًا في مركز السياسة وكونها الأقل نفوذًا -ينبغي أن تبادر هي بالاتصال وتأسيس نظام عالمي للعلاقات السياسية بكل هذه الأنظمة بكل راياتها ومسمياتها، ولا خوف من ذلك لأن مبتغانا هو الإسلام، ومبتغانا هو الحق، ونحن سنمد يدنا لأي نظام يقبل بهذا الحق، سوف نساعده على هذا الحق، ونكون جندًا له إذا رفع راية الحق.

النقطة الثانية: أن هذه الفجوة بين الصحوة الإسلامية وبين الحكومات وهي فجوة غير علمية وغير موضوعية، قد تسببت في كوارث كثيرة مست الدعوة كدعوة، ومست أشخاص الدعوة وقادتها وإذا كان الأمر كذلك فينبغي الحذر من استمرار الحال على ما هو عليه.

ولقد وجدت من خلال التجربة الشخصية في العمل السياسي أن مجرد الوجود في الحلبة ومعايشتها والقرب منها أفضل بكثير من الابتعاد عنها، فمن حيث المعلومات تكون معلوماتك أدق وحية وموضوعية وعلمية، وتتوالد القدرة على استثمار هذه المعلومات. ولذلك فإني أرى كما یری مولانا وإمامنا العلامة الندوي ضرورة الاتصال وتأسيس هذا الاتصال.

د. حامد الرفاعي:

لا بد من التفكير بأن أخوف ما يخافه أعداء الأمة الإسلامية ويقض مضاجعهم ويقلق بالهم التحام أهل السلطان في هذه الأمة مع أهل العلم والفكر فهما: جناحا الأمة بهما تقلع من ساحات رکودها وتخلفها وضعفها، وبهما تحلق في أجواء أمجادها وعزتها من جديد.

لذا لا بد أن يستقر في أذهاننا ويرتكز في أعماق ضمائرنا أن أخطر ما يهدد أمتنا بعد خطر فساد العقيدة والدين هو خطر فساد الثقة وقيام جزر التربص والتوجس ما بين الحاكم والمحكوم عامة أو ما بين أهل السلطان وأهل العلم والفكر والإصلاح في هذه الأمة، وفي إطار هذه المعاني لا بد أن يدرك الفريقان أهل السلطان وأهل العلم عظم المسؤولية وخطورة الأمر الواقع على عاتقيهما، وهما يصلحان شأن هذه الأمة ويبعثانها من جدید ولا بد أن يدرك الفريقان أيضًا أمام هذه المسؤولية حدود كل منهما تجاه تبعاتها وتكاليفها أخذًا بالتوصية النبوية صلوات الله وسلامه عليه  «كل منكم على ثغرة من ثغر الإسلام، الله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكم». ولا بد أن يستقر في الأذهان عمومًا بأن كل مخلوق ميسر لما خلق له كما قال عليه الصلاة والسلام.

 فالله تعالى خلق العباد بإمكانات وكفاءات متنوعة ومتفاوتة لتكتمل عمارة هذه الأرض من خلال التكامل والتعاون بين الطاقات المختلفة والفعاليات المتنوعة والأمة بقدر ما تتقن فن الانتظام حسب قواعد الكفاءة والقدرة بقدر ما تضع نفسها على المسار الصحيح باتجاه حشد كفاءاتها وقدراتها وفعالياتها لتكون تيارًا واحدًا وصفًا واحدًا في طريق الأهداف والغايات. 

هذه القضية الهامة والخطيرة في نفس الوقت لا بد أن يدرك الدعاة أهميتها ولا بد أن يدرك أهل السلطان فعاليتها فلكل فضله، ولكل قدره فكما أن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال الخليفة الثالث عثمان -رضي الله عنه- فإن العلماء والمصلحين هم ورثة الأنبياء وأن في الهدى في هذه الأمة كما جاء في كثير من الآثار والأمة لا تكون ولا يصلح حالها إلا بلقاء والتحام أهل الفضل والقدر فيها، أهل السلطان والعلم والإصلاح.

وأمر لا بد من الإشارة إليه وهو مثلما أن للعلم وأهله معايير ومواصفات لدين هذه الأمة فكذلك لرجال الحكم والسلطان معايير ومواصفات إلا أنها جميعًا تلتقي في تيار واحد وتستقي من نبع واحد ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله وهدي الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

فمن كان على ذلك والتزم بذلك فهو ممن نعنيه من أهل العلم والإصلاح، وهو من نقصده من أهل الحكم والسلطان، أما من هم سوى ذلك فللشريعة فيهم قول وللشريعة منهم موقف.

الختام:

المجتمع للعلامة الندوي:

هل لكم أن تختتموا هذا المنتدى بكلمة من فضيلتكم:

  • الندوي:

لقد كانت زيارتي للكويت -المسلم الحبيب- زيارة مفاجئة، وكأنها فرضت علي فرضًا، ولكني الآن بدأت أشعر بأنها كانت إرادة من الله تبارك وتعالى وتيسيرًا منه، وهذا اللقاء الذي جمعنا هنا في جمعية الإصلاح الاجتماعي أعطى قيمة لهذه الرحلة. وأنا أحمد الله تبارك وتعالى على ما استفدت لا على ما أفدت أحمد الله على أن استفدت كثيرًا وأننا كلنا في حاجة إلى مثل هذه اللقاءات ومثل هذه الندوات ومثل هذه الأحاديث الهادفة الدقيقة التي كانت بعيدة عن كل تهريج وعن كل دعاية، فأنا أشكر جمعية الإصلاح الاجتماعي وأشكر زملائي وفي مقدمتهم الدكتور حامد والدكتور النفيسي وأشكر الموجهين لهذه الندوة وأهنئهم كذلك على نجاح هذا اللقاء وعلى أن هذا الحديث كان مركزًا وكان هادفًا وكان عميقًا ودقيقًا والحمد لله.

المجتمع: نشكر سماحتكم ونشكر الأخوين د. الرفاعي ود النفيسي ونود أن ندعو كل أخ قادر على إثراء ما طرح في هذا المنتدى إلى مراسلتنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :