; وباء «الأجانب» في بلاد الإسلام: هل تفيد فيه المعالجات الجزئية؟! | مجلة المجتمع

العنوان وباء «الأجانب» في بلاد الإسلام: هل تفيد فيه المعالجات الجزئية؟!

الكاتب أبو محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983

مشاهدات 71

نشر في العدد 603

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 11-يناير-1983

-لا يجوز إطلاق كلمة «أجنبي» على المسلمين في الكويت.

منذ شهور نشرت الوطن «22/ 5/ 1982» نص مشروع تقدم به خمسة نواب يطالب بـ حظر استعمال غير اللغة العربية في الدولة» 

وفي «17/ 12/ 1982» نشرت الوطن أيضًا خبرًا بشأن رد ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله على اقتراحات برغبة قدمت من بعض النواب، ومن بينها اقتراح يطالب «معهد الكويت للأبحاث العلمية» بالعمل «على زيادة نسبة الباحثين الكويتيين. وإن لم يوجد فمن أبناء الدول العربية، على أن يقلص عدد الأجانب في فترة أقصاها ثلاث سنوات، وتقليص عدد السكرتيرات الأجنبيات وأن يستبدل بهن عربيات، وأن يتم تعريب الجهاز في فترة أقصاها ثلاث سنوات. 

وفي العام الماضي أثيرت قضية تعريب التدريس في الكليات العملية في جامعة الكويت وأفسحت جريدة القبس صدرها لعشرات من المعنيين بهذه القضية، وظهر اتجاه غالب يطالب بضرورة العمل وبسرعة على البدء في التعريب.

وبعد توجيه الشكر العميق، والدعاء بالخير والأجر، لكل من يهتم بهذه القضية، نود أن نلفت نظر كل مسئول، وكل مسلم، وكل عربي، وكل من في قلبه ذرة حب لهذه الأمة وحرص على أن تبقى فلا تذوب وتعز بعد أن تسربلت الذلة والهوان، نود أن نلفت نظر الجميع إلى بعض الجوانب والاعتبارات المهمة حول هذه القضية: وباء «الأجانب» وما نتج- وينتج- عنه من «تغريب» و«مسخ» و«ضياع» لمقومات هذه الأمة.

«1»- أبدأ ملاحظاتي بواحدة تتعلق بمفهوم خاطئ وشائع في استخدام لفظة «أجنبي» و«أجانب». فكثيرًا ما تطلق على غير «أهل الكويت» أو مواطنيه، وهو استخدام- للحق- غير «رسمي» أو حكومي، وفي تسمية كل من ليس كويتي الجنسية «أجنبيًا» ظلم وخطأ ينطوي على معاني بغيضة من «العنصرية» الذي نفرنا منها رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- فقال: «دعوها فإنها منتنة».

هل «العربي»- من أي بلد كان «أجنبي» بين قومه «الكويتيين»؟ إذن ما قيمة التشدق صباح مساء بدعاوى عريضة عن «الأمة العربية» و«الأمة الواحدة»  و«الشعب العربي الواحد» و«القومية العربية» و«الوحدة العربية» و«والعالم العربي» وعن «التاريخ الواحد» و«المصير- المظلم- الواحد» و«الأماني المشتركة» و«الآلام المشتركة» و«اللغة المشتركة» و«والعقيدة المشترك» و«التراث المشترك»؟!

«2» وقد تطلق هذه اللفظة الكريهة على «غير العرب» فيدخل في ذلك كل من «ليس عربيًا» مسلمًا كان أو صليبيًا «نصرانيًا»، أو يهوديًا «صهيونيًا» أو شيوعيًا «ملحدًا» أو وثنيًا «بوذيًا أو سيخيًا أو هندوسيًا.. الخ». وفي هذا التعميم- كسابقه- ظلم وخطأ شديدان بل أن فيه إهدارًا لأغلى ما تعتز به هذه الأمة المسلمة ويعتز به كل مسلم من قيم ومبادئ ومعان.

وإذا كان «المسلمون»- أيًا كانت جنسيتهم أو بلدهم- يصبحون «أجانب» في بلد إسلامي، ويسوون في هذا مع غير المسلم، أفيبقى لنا شيء من الإسلام بعد ذلك، وأحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم تهتف بنا «المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا» و«المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» و«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.» بل إن كتاب الله بين أيدينا يهيب بنا. ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة المؤمنون: 52) و﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (سورة الأنفال: 73) و﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: 10).

كيف نجعل «أولياءنا» من المؤمنين أسوة بأعدائنا من الكافرين لا يحملون لنا إلا كل عداوة وحقد وحسد. ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ﴾ (سورة البقرة: 109)، ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (سورة آل عمران: 120)، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة آل عمران: 118).؟!

إن هذا- والعياذ بالله- ضرب من الكفر واستهتار واستخفاف واضح ومتعمد بآيات الله انقيادًا للأهواء وخنوعًا منكرًا لأعداء الله. وليت الأمر وقف بنا عند هذا الحد المؤسف، بل الواقع الذي تزكم رائحته الأنوف وتدمى القلوب إن «الأجنبي العدو» يلقى- من كل الجهات ومن كثيرين من الأفراد المعتلى الشخصية المصابين بعقد النقص والدونية- من التكريم والتبجيل ماديًا ومعنويًا، وتفتح أمامه- وبسرعة مدهشة- قنوات الوصول بمن يشتهي من كبار وصغار... أما «أخونا المسلم»- وإن علت درجته وظهرت سريرته- فإنه مغبون مهمل، بل ربما لقي من الحرب والتضييق والتهديد في رزقه ما لا يوصف، وكل ذنبه أنه «مسلم» مستقيم لا يجيد الدخول في مسالك الشيطان؟!

أليس ذلك- يا مسلمون- كفرًا بنعمة الله وتعطيلًا للكتاب والسنة؟! 

ولست أظن أن استخدام المصطلح «المخفف» «الوافدين» بمفيد في حل المشكلة أو في التخفيف من سوئها، إنه أشبه بتغطية العورات بغطاء شفاف لا يستر ولا يفيد. وما أشبه ذلك بمصطلح «الدول النامية» الذي يضحكون به على «الدول النائمة» أو «المتخلفة» بل يسخرون منها. 

أين ذلك العهد الطيب النبيل.. العهد الإسلامي الذي لم يمكن للمسلم فيه ما يحدث جنسيته سوى إسلامه: هو جنسيته وقوميته وشخصيته وجواز سفره إلى كل بلاد الإسلام على امتدادها؟!

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم 

«3»- إن المواقع التي يتكاثر فيها سرطان «الأجانب» كثيرة، وليس «معهد الكويت للأبحاث العلمية» إلا إحدى الصور الصارخة لسيطرة هذا الوباء كمًا وكيفًا. فهناك عدة مواقع في جامعة الكويت يكثر فيها «الأجانب الأعداء» ويتزايدون بشكل واضح. وعلى أيديهم وأفكارهم وطرائق حياتهم وتصرفاتهم يتربى الجيل الذي سيقود هذه الأمة نحو الهاوية ما لم نتداركه بتخليصه من تلك الأيدي غير الأمينة، ونضعه في أيد مسلمة تؤمن بالله وتحترم دين الإسلام وتعمل وتفكر وتتصرف بمنهج إسلامي. هل يمكن- بأي حال- للصليبيين أو للسيخ والبوذيين أو للشيوعيين الملحدين الذين تقطر أيدي حكوماتهم وشعوبهم من دماء المسلمين في كل مكان- بطريق مباشر أو غير مباشر- أن يحرموا على ما فيه خير شبابنا المسلم وأمتنا المسلمة؟! ألم يأتوا إلى هذه الديار الإسلامية، لا أقول لينهبوا، وإنما ليكملوا ما تقوم به حكوماتهم ويمهدوا بالتجسس أو بالغزو الفكري لمزيد من تدمير المسلمين وتمزيقهم؟!!

وخذ مثلًا آخر من بعض الوزارات امتلأت كثير من مواقعها التي امتلأت ببنات «ماركوس» الحاقد وبراهبات التبشير، خاصة في المستشفيات الجديدة، حتى أصبح من العسير على «العربي» في بلده أن يتفاهم إلا بلغة أجنبية في مثل هاتيك المواقع.

ولا تنس الفنادق والشركات وقطاعات النشاط التجاري الاقتصادي المختلفة.. وشارع «الكندادراي»- والاسم نفسه خير دليل على الغزو الأجنبي، ومثله شارع البيبسي».. بل حتى شركات التنظيف..

«4»- وأن نظرة واحدة إلى إحصائيات «الأجانب» أو «الوافدين» حسب دياناتهم قبل عشر سنوات، مقارنة بأعدادهم في هذا العام أو الذي قبله، لظهرت علامات ومؤشرات أكيدة على وجود مخططات لتكثيف غزو «كافر» لهذه البلاد. وليست الكويت هي الضحية الوحيدة لهذا الغزو الرهيب، بل كل دول الخليج تقريبًا وحتى أن بعضها أصبح من يزوره ينكر أن يكون بلدًا عربيًا، إذ «ترى الفتى العربي فيها -غريب الوجه واليد واللسان».

«5» أما الآثار المترتبة لوجود هذه الجيوش من «الأجانب الأعداء» في وأهوال ومآسي تتقطع لها قلوب المسلمين، بل قلوب ذوي النخوة والنجدة: 

أ» فها هم أبناؤنا «العرب المسلمون» في جامعاتنا «العربية» لا يستطيعون أن يدرسوا بلغتهم. ولا أن يفكروا بما يتفق مع مبادئ دينهم، أي ذل بعد هذا، وكل الأقوام- حتى اليهود الشقاق- يدرسون بلغتهم التي أحيوها من العدم قبل ثلاثين سنة فقط!! وامتدت آثار «العجمة» إلى كثير من الألسنة، حتى في الكليات «النظرية» إلي تدرس بالعربية، بل لقد بذلت محاولات، واستحضر من الغرب «ما يسمى بالخبراء» للتخطيط من أجل «تعجيم» كلية «التجارة» بحجة أن «السوق» تتطلب ذلك، فبدلًا من أن يطالبوا بتعريب «السوق» يطالبون بتعجيم كلية عربية. 

وفي غير «التجارة» من الكليات النظرية تسمع كل لكنة ورطانة في المحاضرات الرسمية والمناقشات الودية وحتى في المؤتمرات العالية الجامعية «كمؤتمر الجامعة الأول: نحو جامعة أفضل» حتى كانت «الفصحى» اللسان العربي المبين تطيش على كل لسان وتتعثر في كل جملة.

ب» وإذا كان هذا هو حال اللغة، وهي ثوب الفكر، فحال الفكر نفسه أسوأ وأخطر. فالعلوم- في الكليات العلمية تدرس من كتب ومراجع أأجنبية لغة وفكرًا وقيمًا، وفي الكليات النظرية «غير العلمية» من كتب تضم الكثير من الفكر المستورد المغطى بثوب عربي، وفيه ما يناهض الإسلام أو يناقضه أو يغرس في الطلاب الأبرياء قيمًا غريبة عن ديننا. وما خبر بعض الأساتذة القائمين على مناهج التغريب بمجهول. 

جـ» حتى البراعم الصغيرة في مدارس الدولة- بنين وبنات- يربون على كثير من مثل تلك النزعات الأجنبية. وخذ مثلًا لذلك كتب اللغة الإنجليزية- مشروع أكسفورد الباهظ التكاليف. ففي كتاب الصف الأول المتوسط يستفتحون بصورة ونشيد عن «لندن تحترق» «يا حرام!!» وتدس عادات الإنجليز في التحية وخرافات الغرب الوثني الذي لم يتخلص بعد من خرافات اليونان والرومان، فتجد «السوبرف لكون» و«السوبر مان» و«الهمبتي ومبتي» وأحصنة الملك ورجاله، وصور الجماعات المختلفة من البنين والبنات، ومناهج الغرب في حياته اليومية: 

استيقاظ من النوم في قطار فذهاب إلى المدرسة فعودة منها فغذاء فعشاء فنوم.. «ص/ ١٦» فأين الصلاة أيها المربون؟ وأين تحية الإسلام؟ ثم تجد حديثًا عن «الرقص «ص/ ۳۰» وعن «المرأة السحرية» التي ترى كل شيء «ص/ ٣٤- 3٥»..

وفي خاتمة المطاف «رحلة إلى لندن» «ص/ ٤٢»، أين الإسلام والمجتمع المسلم، أو حتى العربي؟ لا شيء اللهم سوى بعض الأسماء وبعض الصور لابسة الدشاديش. هل نحن نعلم أبناءنا وبناتنا ليكونوا عربًا ومسلمين يعرفون الإنجليزية، أم ليكونوا إنجليز لغة وثقافة ومسلكًا؟!!

هذا عن الصف الأول المتوسط فقط وأول الغيث قطر «أو قل: قطران» ثم ينهمر. 

د» أما في خارج إطار المؤسسات العلمية والتعليمية، فيكفي أن تنظر إلى اللافتات وأنت تمر في الشوارع حتى يأخذك العجب والدهشة.. اللافتات الأجنبية والأذواق والمعروضات ووسائل الدعاية المنقولة نقلًا أعمى عن المجتمعات غير الإسلامية ولا تتلاءم بحال ذوق الإسلام واعتداله وتمييز شخصيته.

ه» أما وسائل الإعلام فطامة وأي طامة.. وحديثها طويل كالأفاعي، لعل فرصته أوسع تتيح لنا لقاء معها لكشف لسوءاتها ومفاسدها. 

هذا- وغيره- سرطان ينخر في جسد الأمة، ولا يجدي معه أبدًا أن نهب بين الحين والحين فنشير بإصبع إلى جزئية من الجزئيات مطالبين بتصحيح الوضع المختل فيها.

إن الأمر جد خطير، ولا يجدي معه سوى حملة شاملة وبرنامج مدروس وتبين جاد مخلص من جهات متعددة وهيئات ومن كل فرد قادر على أن يسهم في هذه الحملة بجهد.. نحن في حاجة إلى «سياسة» عامة لتعريب الأمة وإعادتها من «غربتها» إلى حضن الإسلام في كل قطاعاتها الرسمية والشعبية ونشاطاتها العلمية والتعليمية والفكرية والثقافية والإعلامية والتجارية. 

نحن بحاجة ماسة إلى أن نحدد الأمور والمواقف تحديدًا مبنيًا على أسس واضحة مستقاة من ديننا وقيمنا وبيئاتنا.. مستهدفًا صالح الأمة في حاضرها ومستقبلها.. لتحديد تعرف به من هو «الأجنبي» حقيقة، ومن هو «منا» فتعامل كلًا بما هو له أهل.

أسأل أن تكون تلك الاقتراحات والطروحات المنذرة والمحزرة من خطر «الأجانب الأعداء» وخطر «التعريب» كما أدعوه أن تلقى الآذان الصاغية.. وتسأل الله أيضًا أن يحق الحق ويهدي إلى سواء السبيل.

«أبو محمد»

الرابط المختصر :