العنوان المسألة الدرزية: هل هي المقدمة لإنشاء الدويلات الطائفية في لبنان؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1983
مشاهدات 97
نشر في العدد 650
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-ديسمبر-1983
ادعاء التقدمية والاشتراكية لا يمكن أن يخفي حقيقة الاتجاه الطائفي لجنبلاط واتباعه.
انسحاب القوات الإسرائيلية من الجبل كان تمهيدًا لتمكين الطائفة الدرزية من بسط يدها على جميع المناطق الدرزية.
جنبلاط يقول إن من حق إسرائيل ضمان حدودها الشمالية.
إعلان الإدارة المدنية في الشوق وفك الحصار عن دير القمر وتهجير المسيحيين منها شواهد ملموسة على مسيرة التقسيم.
اتصال الزعامة الدرزية مع أمريكا وإسرائيل لم ينقطع منذ الغزو الإسرائيلي.
إنشاء الكيان الدرزي هو أحد أهم نقاط الاستراتيجية الصهيونية الخاصة بتفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية.
الغزو الإسرائيلي يصطدم بمقاومة عنيفة في الجنوب وبيروت ويرتاح في الجبل.
شيمون بيريز وجنبلاط يلتقيان في الشوف لبحث الترتيبات الجديدة في المنطقة.
تناقلت الصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية منذ عدة أيام وبالتأكيد في يوم الخامس عشر من الشهر الجاري نبأ مفاده أن (۲۰) ألف مسيحي من سكان دير القمر المحاصرة من قبل قوات درزية منذ عدة شهور إضافة إلى ثلاثة آلاف مسلح كتائبي سيغادرون البلدة المحاصرة إلى مناطق مسيحية أخرى وأن الخروج سيتم بإشراف الجيش الإسرائيلي وكانت الصحف ووكالات الأنباء قد ذكرت أن وليد جنبلاط زعيم الطائفة الدرزية قد أعلن فك الحصار من بلدة دير القمر والسماح لسكانها بمغادرتها بمن فيهم قوات الكتائب دون شروط مسبقة.
ومن الملاحظ أن هذا الإجراء الذي أعلنه جنبلاط قد تزامن مع تصريح أدلى به جنبلاط في الأسبوع الأول من الشهر الجاري أعلن فيه أنه يعتزم الإعلان عن قيام كيان درزي في منطقة الشوف لاعتقاده بعدم إمكانية الوصول إلى الحل المناسب للمسألة اللبنانية، وبعد مرور أسبوع على تصريحه هذا عاد فنفى في تصريح آخر الأنباء التي تحدثت عن اعتزامه إنشاء الكيان الدرزي.
ونحن هنا لا يهمنا كثيرًا تصريحه بقيام الدولة الدرزية أو تصريحه الآخر الذي ينفي فيه ذلك. إنما الذي يشد انتباهنا الإجراءات والوقائع الملموسة التي لا تخضع لتصريحات صحفية تؤكد أو تنفي، لأن ما يدور في النفس من أماني وما يترسخ في العقل من أفكار ومبادئ، يمكن إعلانها كما يمكن نفيها إذا لم تترجم هذه الأماني وهذه الأفكار إلى إجراءات ووقائع تنفيذية.
ونحن هنا لا نريد أن نلجأ إلى أساليب التحليل النفسي للكشف عن الأماني التي تختلج في نفس جنبلاط وأتباعه أو التعرف على المبادئ والمعتقدات الراسخة في أذهانهم لأن هذا لا يتفق مع مرتكزات ومبادئ العمل الصحفي بوجه عام، ومبادئ العمل الصحفي الإسلامي بوجه خاص.
ونحن وإن كنا نعتقد اعتقادًا جازمًا بناء على كل المدلولات الدينية والسياسية والتاريخية بأن إنشاء الكيان الدرزي هو أحد أهم نقاط الإستراتيجية الصهيونية الخاصة بتفتيت المنطقة. إلا أننا سنلزم أنفسنا بالاعتماد على الشواهد الحية والوقائع الملموسة في إثبات أن ما يجري على الساحة اللبنانية يتم توظيفه لصالح الهدف الخاص بإنشاء كيانات طائفية تشمل فيما تشمل کیانًا درزيًا في منطقة الشوف.
ويمكننا أن نحدد هنا نقطتين رئيسيتين ننطلق منهما للتعرف على شواهد ووقائع ملموسة تؤكد السعي نحو إقامة الكيان الدرزي.
هاتان النقطتان هما: العلاقات الدرزية الإسرائيلية، العلاقات الدرزية اللبنانية.
أولًا- العلاقات الدرزية الإسرائيلية:
من المعلوم أن الكيان الصهيوني يضم في تركيبته السكانية ما يقرب من ٥٠ ألف درزي منهم من يحتل مراكز مهمة في الجيش ويؤثرون على الحياة السياسية في البلاد وهناك نائب درزي في حزب الليكود الحاكم وهو أمل نصر الدين الذي قام بعدة زيارات لمنطقة الشوف في العام الماضي، إضافة لوجود كتائب درزية كاملة تعمل في صفوف الجيش الإسرائيلي، وقد اشتركت هذه الكتائب الدرزية في الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982م.
من هذا كله نستدل على أن الطائفة الدرزية المتواجدة هناك أصبحت جزءًا من المجتمع الصهيوني، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الجالية صلات قوية مع أبناء الطائفة الدرزية في لبنان وقد ذكرت بعض المصادر الإعلامية في شهر أكتوبر الماضي أن وليد جنبلاط أشار إلى ما تردد عن اتصالاته مع الجالية الدرزية في إسرائيل بقوله إنه يشعر بالامتنان لموقفهم من حرب الشوف ويقدر تأييد دروز إسرائيل له، وكان دروز إسرائيل قد خرجوا في مظاهرات صاخبة للمطالبة بحماية المكتسبات التي حصل عليها الدروز اللبنانيون في حرب الجبل، لذلك كانت الورقة الدرزية من أهم الأوراق التي أدرجها الإسرائيليون في مخططاتهم الخاصة بتفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية تناسب كيانها العنصري ويسهل عليها وضع هذه الدويلات تحت وصايتها وتأثيرها ونشر مظلتها على المنطقة بكاملها.
وقد لاقت هذه الإستراتيجية الصهيونية هوى واستحسانًا لدى الزعامة الدرزية وعلي رأسها وليد جنبلاط حيث بدأت هذه الزعامة برسم خططها لتنفيذ المخططات الإستراتيجية للكيان الصهيوني وكان الغزو الإسرائيلي للبنان في عام ٨٢ بداية العمل الجاد للزعامة الدرزية، فجدير بالذكر أن جنبلاط كان زعيمًا لما يسمى بالحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية إلا أن المقاتلين الدروز المنضوين في الحركة الوطنية من خلال ما يسمى بالحزب التقدمي الاشتراكي لم يكن لهم أي دور في مقاومة الغزو الإسرائيلي الذي اجتاح الجنوب اللبناني مرورًا بالعاصمة بيروت إلى جيل الشوف. وهناك كان اللقاء ما بين شيمون بيريز زعيم حزب العمل الإسرائيلي وبين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وطبعًا لم يعلن عما دار داخل الاجتماع بين الزعيمين الإسرائيلي والدرزي إلا أن الأيام التالية لهذا اللقاء أعطت صورة عما دار بين الرجلين.
فعلى سبيل المثال صرح جنبلاط يوم ۱۲ أكتوبر من العام الحالي في مقابلة مع إحدى الصحف الكويتية بقوله إنني أرى أن لبنان يحتاج لبعض الراحة وأنا مستعد كاشتراكي لبناني للقبول بتحييد الجنوب وتدويله، وأن يضمن الاتفاق استقلال لبنان وكذلك ضمان الحدود الشمالية لإسرائيل.
وحين سئل خلال مقابلة صحفية مع مجلة المجلة في شهر يوليو الماضي عن أسباب عدم مقاومة الغزو الإسرائيلي في الجبل، تعلل بأن رقعة الشوف محدودة لا تمكنه من الصمود والمقاومة، مع أن جنبلاط نفسه يوجه هذه الأيام تهديداته للقوات
الأمريكية ويعلن بأنه سيشعل العالم كله!!
وفي شهر نوفمبر الماضي أذاع راديو مونت كارلو حديثًا مع جنبلاط ذكر فيه أنه مع كونه يعارض الاتفاق الإسرائيلي اللبناني إلا أنه يرى أن من حق إسرائيل ضمان حدودها الشمالية. فهل الحق الذي یراه جنبلاط ينبع من كونه اشتراكيًا أم درزيًا؟؟؟ كما أننا نريد أن نستوضح عن رأي جنبلاط في مواقف أبناء طائفته المقيمين داخل فلسطين المحتلة حين أعربوا عن شجبهم واستنكارهم لعملية تفجير القيادة الإسرائيلية في صور الذي قام بها أحد الفدائيين اللبنانيين والتي أسفرت عن مقتل العديد من ضباط القيادة الإسرائيلية، وكان المتحدث باسم لجنة المتابعة الدرزية قد أعرب عن ثقته بقدرة الجيش الإسرائيلي على الانتقام.
وجدير بالذكر أن ما يزيد على عشرة قتلى في الحادث المذكور كانوا من الدروز الإسرائيليين الذين قتلوا دفاعًا عن إسرائيل وأمن إسرائيل وجالت نعوشهم بالعلم الإسرائيلي ونجمة داود وألقى شيخ الطائفة الدرزية «أمين طريف» كلمة أثناء مراسم التشييع قال فيها إن الطائفة الدرزية التي ربطت مصيرها بمصير إسرائيل والشعب اليهودي ستعزز هذا الرباط وستستمر في طريق الولاء والإخلاص للدولة.
وبعد هذا كله يأتي جنبلاط ليقول إنه يشعر بالامتنان لموقف إخوانه دروز إسرائيل من حرب الشوف ويقدر تأييدهم للدروز اللبنانيين!!! وكما ذكرنا فإنه في الوقت الذي كانت فيه بيروت تحت الحصار الإسرائيلي تتعرض للخراب والدمار كانت منطقة الشوف هادئة لا تعكر صفوها طلقة واحدة من بنادق المقاتلين الدروز، وكان جنبلاط يسترخي على مقعده الوثير داخل قصره في المختارة ومن حوله جنود الغزو الإسرائيلي يستريحون في حدائق القصر وبساتين المختارة.
حتى الانسحاب الإسرائيلي من منطقة الشوف الذي تم في بداية شهر سبتمبر باتجاه الجنوب اللبناني كان إجراء مدروسًا من قبل الجانب الإسرائيلي بحيث يحقق انفراد الدروز في منطقة الجبل إلى سوق الغرب باعتبارها الخط الأحمر الذي يجب أن تتوقف عنده القوات الدرزية، وكان القتال الذي اندلع فور الانسحاب الإسرائيلي بين القوات الدرزية والقوات المسيحية عبارة عن عملية مسرحية انتهت فعلًا عند حدود سوق الغرب حيث تم التوصل بعدها إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، وتم للطائفة الدرزية أن تبسط يدها على جميع المناطق الدرزية، وكان ما جرى يوم الخامس عشر من الشهر الجاري حين أعلن جنبلاط عن فك الحصار عن بلدة دير القمر آخر معقل مسيحي والسماح لسكانها بمغادرة البلدة بمن فيهم قوات الكتائب للانتقال إلى المناطق المسيحية آخر صفحة في الدور الإسرائيلي الخاص بإقامة الكيان الدرزي. وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن إسرائيل كانت في المحور الرئيسي الذي ارتكزت عليه المفاوضات التي سمحت بالتوصل إلى الاتفاق على إخلاء دير القمر مما يدل على الثقة التي باتت توليها بعض الأطراف اللبنانية لإسرائيل.
وقال يوري لو يراني المسؤول عن أوجه النشاط الإسرائيلي في لبنان، لقد أقنعنا مفاوضينا الدروز بضرورة تذليل العقبة التي تمثلها دير القمر وقد اقتنعوا بكلامنا، وأضاف قائلًا إن إسرائيل دخلت في حوار مثمر مع معظم الطوائف اللبنانية ولم تصطدم إلا برفض طائفة السنة.
من خلال هذه الوقائع والشواهد الحية وعشرات من الشواهد الأخرى التي لم نتمكن من عرضها بسبب طبيعة الكتابة في الصحافة الأسبوعية يتأكد لنا أن الحلقة الأولى في المخطط الإستراتيجي الإسرائيلي الخاص بتفتيت المنطقة وبلقنتها تكمن في إنشاء الكيان الدرزي الذي أصبح أمرًا واقعًا لا ينقصه سوى الإعلان الرسمي وذلك ضمن حلقات متعددة لإنشاء الكيانات الطائفية الأخرى في المستقبل.
ثانيًا- العلاقات الدرزية- اللبنانية:
لا يهمنا هنا استعراض العلاقات التاريخية للطائفة الدرزية بالدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني فقد أسهبت الصحافة المحلية والعالمية بعرض هذه العلاقة إنما الذي يهمنا هو التركيز على التطورات المستجدة لهذه العلاقات وبخاصة خلال السنوات القليلة الماضية وتحديدًا خلال عامي (82-83) حيث بدأت ملامح الكيان الدرزي تظهر على سطح الأحداث اللبنانية، وكثيرًا ما يحاول البعض إغفال الحقائق الكامنة وراء الأحداث ويوجه الأنظار نحو أفعال أو ردود أفعال توحي في ظاهرها أن القضايا المطروحة ليست إلا قضايا سياسية محلية سببها الصراع بين الزعامات المختلفة على الحكم والسلطة. ومن هذا المنطلق ذهب أحد منظري السياسة اللبنانية في معرض تعليقه على الإعلان الصادر عن وليد جنبلاط في شهر أكتوبر من العام الحالي حول الإدارة المدنية للمناطق الدرزية إلى القول بأنه يعتقد أن الإجراء الدرزي الذي أعلنه جنبلاط هو عملية على الدولة اللبنانية فالمسألة منذ فترة بعيدة عبارة عن سلسلة من ردود الفعل تكاد تخرج من يد أصحابها فيزداد الوطن انحلالًا رغب الساسة في ذلك أم لم يرغبوا.
ونحن نقول إنه مع إيماننا بصحة ما قاله المنظر السياسي اللبناني من الناحية الظاهرية، إلا أننا لا نستطيع أن نغفل حقيقة أساسية وهي أن القضايا السياسية والمصيرية لا تحكمها ردود الأفعال وظواهر الأحداث لا تعبر بالضرورة عن حقائقها. إنما القضايا السياسية والمصيرية تسير وفق مخططات وإستراتيجيات، وما دار ويدور على الساحة اللبنانية كان يتم وفق هذه المخططات وليس نتيجة أفعال وردود أفعال، فمن الواضح أنه حتى من الناحية القانونية الصرفة يعتبر إعلان الإدارة المدنية للمنطقة الدرزية خروجًا على النظام العام للدولة لأنه يخص إقليمًا بذاته وطائفة بذاتها. ولا نعتقد بأي حال من الأحوال أن جنبلاط ومن وراءه يجهلون هذه الحقائق. إن الصراع المستمر عبر قرن من الزمان بين المارونيين والدروز لم يكن لواضعي المخططات الخاصة بالمنطقة أن يغفلوا عنه نظرًا لكون جميع العوامل حتى النفسية منها مهيأة لتكوين حاجز جغرافي بين الطائفتين يكون مكملًا للحواجز النفسية والتاريخية والعقائدية... ومن هنا يمكننا القول بأن منفذي مخططات البلقنة بعد أن نجحوا في زرع الحواجز المشار إليها بدءوا بتنفيذ الفصل الأخير من هذه المخططات ألا وهو إقامة الحاجز الجغرافي الذي سيكون بداية الانطلاقة الرسمية نحو إعلان الكيان الدرزي وما يتلوه من كيانات طائفية أخرى.
وبعد إعلان الإدارة المدنية في المناطق الدرزية جاء القرار الذي اتخذته القيادة الدرزية بإخلاء منطقة دير القمر المحاصرة من سكانها المسيحيين وقوات الكتائب وترحيلهم إلى مناطق مسيحية أخرى وتحت إشراف الجيش الإسرائيلي ليؤكد بصورة لا تدع مجالًا للشك حقيقة التوجهات الخاصة بالمنطقة لجعلها منطقة درزية صرفة، حتى إن بيير الجميل زعيم الكتائب يدلي بتصريح صحفي يعلن فيه تخوفه من أن تؤدي هذه التطورات إلى تكريس التقسيم في المنطقة الدرزية لأن بيير الجميل يرغب أن يكون لبنان موحدًا تحت الهيمنة المارونية والكتائبية أو أن يشمل التقسيم كافة الطوائف اللبنانية.
لقد كانت التصرفات الجنبلاطية خلال العام الماضي والعام الحالي تدور حول توسيع الشقة والخلاف مع بعض الأطراف اللبنانية الأخرى في محاولة لدفع الجميع نحو الاقتناع بأن الحل الأمثل للمسألة اللبنانية يكمن في توزيع الشعب اللبناني داخل كانتونات طائفية مستقلة تؤدي في النهاية إلى خدمة السياسة الإسرائيلية وأهدافها البعيدة في المنطقة. ففي كل مرة تتدخل الوساطات المختلفة بين الأطراف المتنازعة وبخاصة بين الدروز والكتائب كانت القوات الجنبلاطية تلجأ إلى تصعيد المواجهة العسكرية فمن قصف للمناطق المسيحية إلى استمرار تعطيل الملاحة الجوية بقصف مطار بيروت، وفي كل مرة يتم فيها دعوة زعماء أطراف الصراع للاجتماع لبحث الأوضاع كان جنبلاط يلجأ للتسويف أو الرفض أو السفر إلى عمان أو دمشق أو الاسترخاء في قصره بالمختارة مما حدا ببعض المسؤولين اللبنانيين أن يتحدثوا عن هذا التسويف بقولهم إن الوقت لم يعد يتحمل مزيدًا من المماطلة والانتظار وأن على جنبلاط أن يحدد ماذا يريد لنستطيع معرفة الأسس التي سنحاوره على أساسها.
إن التذبذب في توجهات الزعامة الدرزية كانت تنبع كما ذكرنا من حرص هذه الزعامة على توظيف كل التناقضات اللبنانية لصالح الطائفة الدرزية والكيان الدرزي، فحينا نرى جنبلاط يتحالف مع بعض الأحزاب اللبنانية ذات الصبغة اليسارية تحت مظلة الحركة الوطنية ويستغل هذه الحركة لعدة سنوات ثم يتخلى عنها فور تعرضها للاهتزاز نتيجة الغزو الإسرائيلي عام ٨٢ وانتهاء الدور المؤثر لهذه الحركة، وبينما كانت أسلحة المليشيات الوطنية وخاصة المليشيات السنية تصادر من قبل قوات الغزو الإسرائيلي والجيش اللبناني كانت أسلحة المقاتلين الدروز في جبل الشوف محفوظة تحت حماية جنود الاحتلال الإسرائيلي بل إن هذه الأسلحة زادت من حيث الكم والنوع وهذا ما ظهر واضحًا فور انسحاب القوات الإسرائيلية من الجبل واندلاع القتال بين الكتائب والدروز فمن أين أتتهم هذه الأسلحة والجبل واقع تحت الاحتلال الإسرائيلي؟
وفور تخلي جنبلاط عن الحركة الوطنية توجه شمالًا ليقيم تحالفًا جديدًا مع بعض الزعامات اللبنانية الدائرة في فلك أحد الأنظمة العربية التي يصطبغ حكمها بالصبغة الطائفية، ومن خلال تحالفه الجديد بدأ جنبلاط يمارس لعبته مرة أخرى في تعزيز الخلاف اللبناني، ومن المعلوم أن سليمان فرنجية أحد أركان التحالف الجديد الذي سمي بجبهة الخلاص الوطني كان من أشد الدعاة إلى الهيمنة المارونية، وجدير بالذكر أن فرنجية هذا كان قد قدم في العام ٧٧ م مشروع نظام الكانتونات الطائفية المرتبطة كونفدراليًا تحت مظلة الهيمنة المارونية فكيف وعلى أي أساس يتم التحالف بينه وبين جنبلاط الذي يدعي التقدمية والاشتراكية.
إن ارتداء الزعيم الدرزي ثوب التقدمية والاشتراكية لا يمكنه من إخفاء الطابع اليميني لاتجاهاته السياسية، فقد سقطت التسميات البراقة والشعارات المضللة التي سادت في المنطقة في الفترة السابقة وأصبحت الحقائق والوقائع الملموسة هي الهوية الحقيقية التي تعبر عن المسارات السياسية للأفراد والهيئات، وإن إطلاق اسم الحزب التقدمي الاشتراكي على المليشيات المسلحة للطائفة الدرزية لا يمكن أن يخفي حقيقة الاتجاه الطائفي لجنبلاط واتباعه، وإلا فكيف يتفق أن يكون حزبًا تقدميًا واشتراكيًا وعضويته تقتصر على أبناء الطائفة الدرزية ويغلب تواجده في المناطق الدرزية، وجنبلاط نفسه لو لم يكن درزيًا لما كان من حقه الوصول إلى زعامة الحزب ونتساءل أيضًا ألم يصبح جنبلاط نفسه زعيمًا بالوراثة أسوة بغيره من زعماء الأحزاب الطائفية اللبنانية.
إننا هنا لا نوجه أي لوم أو اتهام لجنبلاط لأن ما يفعله ينطلق من حرصه على مصالح أبناء الطائفة التي ينتمي إليها والتي جعلته زعيمًا لها حتى ولو كانت هذه المصالح تمر عبر البوابة الإسرائيلية أو الأمريكية... فنحن نعلم الأنباء التي تحدثت عن اجتماعه مع داني شمعون الوريث المرتقب للزعيم الماروني كميل شمعون وبعد ذلك قام داني بزيارة إسرائيل وأجرى محادثات مع المسؤولين الإسرائيليين عن الأوضاع اللبنانية، ونحن نعلم أيضا أن جنبلاط أوفد شخصية درزية هي مروان حمادة إلى واشنطن ليبحث مع الإدارة الأمريكية تطورات الوضع اللبناني كل هذا نعلمه ولا نستغربه فكما قلنا أنفًا فإن الحقائق والوقائع والشواهد الحية تبقى أكبر من الظواهر والادعاءات...
نقول إننا لا نلوم جنبلاط على ما ذكرناه في هذه المقالة الصحفية لأننا أسقطناه من حساباتنا كما أسقطنا غيره من المنادين والمنفذين للمخططات الصهيونية الخاصة بإنشاء الكيانات الطائفية في بلادنا، وإنما نلوم ونتهم أيضا أولئك الأفراد وتلك الهيئات التي لا زالت تتعامل مع جنبلاط وغير جنبلاط من خلال الظواهر والشعارات والادعاءات لا لشيء إلا لكون الشعارات الجنبلاطية توافق شعاراتهم وادعاءاتهم ومن هنا كان الخراب والانحدار يعصف بهذه الأمة المنكوبة.
فهل نعي حقائق الأشياء قبل فوات الأوان؟؟؟؟