; معالم على الطريق- رجال صدقوا ورجال سقطوا | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق- رجال صدقوا ورجال سقطوا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1947

نشر في الصفحة 35

السبت 09-أبريل-2011

{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: 23)، والصدق مع الله يقتضي الانخلاع عن حظوظ النفس وعن سبحات التيه ونزعات الهوى ونزغات الشياطين، وهذا أمر قد يعجز الإنسان عنه إلا إذا استعان بالله  {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 200) {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعراف (۱۸۸)، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} (القصص: ٥٠) فأول مضلات الرجال نزعات الأهواء واتباع شياطين الإنس والجن، وحظوظ النفس والبعد عن صراط الله المستقيم وعدم الاستعانة به سبحانه معرضون ومن الناس رجال سقطوا فيما عاهدوا عليه الله  {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ  فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ  أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (التوبة: 78).

وكانت العرب تقول فيمن يعد ويخلف مواعيد عرقوب وعرقوب هذا كان رجًلا من العماليق أتاه أخوه يطلب طعاما، فقال له عرقوب إذا أثمرت هذه النخلة فلك ثمرها. 

فلما أتمرت أتاه أخوه يطلب أن يوفي بوعده فقال له عرقوب دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت قال له دعها حتى تصير زهوا، فلما زهت ف قال له دعها حتى تصير رطبًا، فلما أرطبت قا قال له دعها حتى تصير تمرًا، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب بالليل فجزها ولم يعط أخاه شيئًا فصار مثلا في الخلف وفيه يقول الأشجعي:

وعدت وكان الخلف منها سجية                          مواعيد عرقوب أخاه بيثرب

وقال كعب بن زهير :

صارت مواعيد عرقوب لها مثلاً                          وما مواعيدها إلا الأباطيل

فليس تنجز ميعادا إذا وعدت                            إلا كما يمسك الماء الغرابيل

وخلف الوعد ونقض العهد قرين النفاق ومساو لضياع الرجولة وفقد الشهامة، قال عليه الصلاة والسلام «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ورجال الصدق هم عمد الدعوات ورايات الحضارات، ولذلك لا تجدهم كثيرًا في الأمم أو موفورين في الشعوب، ولهذا قال: «الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة» (رواه البخاري)، يشير إلى أصحاب البصائر النيرة والأفهام المتقدة.

جلس عمر بن الخطاب في المدينة بين أصحابه فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله، فلم يعلق عليه عمر، ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به، ثم قال عمر: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين، فقال عمر:ولكني أتمنى رجاًلا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فإستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

رحمك الله يا عمر، لقد كنت خبيرًا بما تقوم به الدول، وتنهض به الأمم، وتترعرع به الحضارات، وتسود به الرسالات، وتحيا به الأمم الهامدة.

ولا شك أن الأمم والرسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والأموال والثروات المبذولة ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى العقول الذكية والسواعد الفتية، والعزائم القوية والقلوب الكبيرة التي ترعاها في تلك النهضات وترودها إذا، فالرجال الكبار هم عماد الرسالات وروح النهضات، ومحور الإصلاح في الأمم والشعوب، فلله ما أحكم عمر حين لم يتمن فضة ولا ذهبا ولا لؤلؤا ولا جواهر، ولكنه تمنى رجاًلا قد يزن الرجل منهم شعبا بأسره وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة وقد حاصر خالد بن الوليد الحيرة فطلب من أبي بكر مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، وقال له لا يهزم جيش فيه مثله، وكان يقول لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل !! ولما طلب عمرو بن العاص المدد وهو يفتح مصر، كتب إليه عمر، أما بعد فإني أمددتك بأربعة رجال، كل رجل منهم بألف رجل الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، عبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. والرجال ليسوا بالثياب ولا بالمناصب، وقد قيل في الإمام الشافعي:

عليه ثياب لو تباع جميعها بفلس                    لكان الفلس منها أكثر

وفيهن نفس لو تقاس بمثلها                         نفوس الورى كانت أعز وأكبر

فما ضر نصل السيف أخلاق غمده                 إذا كان عضبًا حيث أنفدته فرا

فإن تكن الأيام أزرت ببزتي                            فكم من حسام في غلاف تكسرا

وقال آخر:

ترى الرجل الضعيف فتزدريه                          وفي أثوابه أسد هصور

ضعيف الأسد أكثرها زئيرا                              وأصرمها اللواتي لا تزير

إذا، فليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمنصب ولا بالمال أو الجاه وإنما الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور وتبعده عن سفاسفها، قوة تجعله كبيرًا وإن كان صغير السن، غنيا وإن كان فقير اليد، قويا في عزمه وإن كان هزيل الجسم.

ولن تترعرع الرجولة الحقة ويتربى الرجال الصالحون إلا في ظلال العقائد الراسخة، والفضائل الثابتة، والمعايير الأصيلة والتقاليد العظيمة، أما في ظلال الفساد والظلم والشك والنفاق والإلحاد والانحلال السافر والحرمان القاتل فلا توجد رجولة صحيحة، ولا ينمو لها غرس أو تطلع لها شمس نقول بعد هذا ولكن أين المربون الكبار الذين يصنعون المجد في الرجال، ويغرسون العزائم في النفوس، ويقودون الشباب إلى الفلاح ؟ أين النماذج الكريمة، والقدوة العظيمة التي تقل عند الطمع، وتكثر عند الفزع، ولا يغرهم النصر أو تحطمهم الهزائم؟ نسأل الله الفوز والعون والإيمان إنه سميع مجيب. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

562

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

466

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28