العنوان 4 سيناريوهات لمستقبل آخر «ربيع عربي» المادتان (80) و(88) من الدستور التونسي تحسمان الانقلاب.. إما النموذج التركي أو المصري
الكاتب يوسف أحمد
تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021
مشاهدات 75
نشر في العدد 2158
نشر في الصفحة 32
الأحد 01-أغسطس-2021
انقلاب تونس
4 سيناريوهات لمستقبل آخر «ربيع عربي»
المادتان (80) و(88) من الدستور التونسي تحسمان الانقلاب.. إما النموذج التركي أو المصري
مثلما تتيح المادة (80) للرئيس اتخاذ تدابير استثنائية تشكل المادة (88) سلاحاً بيد البرلمان لعزله
الرئيس خالف المادة (80) التي انقلب بها على المؤسسات الديمقراطية حيث لم يستشر أحداً في قراراته
ما يقف دون اللجوء لتفعيل المادة (88) غياب المحكمة الدستورية التي يعود لها تأويل النصوص الدستورية
السيناريو الراجح أن يستمر الرئيس بانقلابه مدفوعاً بدعم قوى إقليمية ودولية لا تريد لـ»الربيع العربي» أن يستمر
يوسف أحمد
من عجائب انقلاب تونس أنه أول انقلاب يقوم به رئيس مدني وأستاذ للقانون الدستوري وليس قائداً عسكرياً، وأن يفسر أستاذُ القانونِ الدستورَ وفق هواه ليعصف بمستقبل آخر حلم «ربيع عربي» بعدما انتهت كل التجارب باضطرابات وثورات مضادة.
ويبدو أن الرئيس التونسي قيس سعيد لعب على التناقضات وعدم وضوح تفسيرات بعض مواد الدستور لتنفيذ الانقلاب، مستفيداً في الوقت ذاته من غضب شعبي على فشل الحكومة في احتواء تداعيات انتشار فيروس «كورونا»، وتدهور أحوال الاقتصاد.
رغم أن الرئيس التونسي قيس سعيد استند في قراراته المفاجئة بإقالة رئيس الحكومة، وتجميد عمل البرلمان، وإبعاد وزيري الدفاع والعدل، إلى تفسيره هو للمادة (80) من الدستور الخاصة بإجراءات استثنائية في «حالة خطرٍ داهمٍ مهددٍ لكيان الوطن»، فإنه قد يكتوي بنيران المادة (88) من الدستور التي قد تعزله من منصبه.
فمثلما أن المادة (80) تتيح له أن «يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التّدابير في بيان إلى الشعب»، تشكل المادة (88) سلاحاً في يد البرلمان لعزل الرئيس نفسه.
وقد يشجع هذا النواب على الاجتماع في أي مكان بعد إغلاق البرلمان، لأن المادة (51) من الدستور تخوّل البرلمان الانعقاد خارج مقره بتونس.
كما أن الرئيس سعيد خالف حتى المادة (80) التي انقلب بها على المؤسسات الديمقراطية؛ فالمادة (80) بها ثلاث فقرات، وهو استند فقط للفقرة الأولى ليقوم بتدابير استثنائية، بل وادعى أنه استشار رئيس البرلمان ورئيس الحكومة في عزله لهما، وهو ما نفاه الطرفان، ليخالف بذلك نص المادة على مشاورة البرلمان والحكومة قبل اتخاذ هذه الإجراءات!
فالرئيس سعيّد لم يستشر أحداً في قراراته وفق الدستور، بل وبادر لتجميد البرلمان وحل الحكومة، وعزل رئيسها، الذي يملك البرلمان وحده سلطة سحب الثقة منه؛ ما يؤكد أن ما فعله عمل انقلابي يمهد لعودة الاستبداد.
أيضاً الفقرة الثانية من المادة (80) تشدد على أن «مجلس نواب الشعب (البرلمان) يُعتبر في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة (الاستثنائية)، وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة».
وهذا يعني أن الرئيس خرق الدستور؛ لأنه جمَّد عمل البرلمان، واستدعى الجيش ليمنع أحداً من دخوله بالقوة؛ أي حله فعلياً، بدليل رفعه الحصانة عن نوابه، وهو ما ليس من اختصاصه أيضاً.
كذلك تقضي الفقرة الثالثة من الفصل (80) بأنه «بعد مضي 30 يوماً على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه».
ويشير الفصل ذاته في فقرته الأخيرة إلى أن «المحكمة تُصرِّحُ بقرارها علانية في أجل أقصاه 15 يوماً، ويُنهى العمل بتلك التّدابير بزوال أسبابها، ويوجه رئيس الجمهورية بياناً في ذلك إلى الشعب».
وهذا يعني أيضاً إلغاء هذه التدابير تلقائياً؛ لأن المحكمة الدستورية لم يتم تشكيلها حتى الآن بسبب عناد الرئيس ورفضه قانون تشكيلها منذ عام 2015م.
هل يعزله البرلمان؟
حل مشكلة انقلاب الرئيس هو بالتالي في المادة (88) من الدستور التونسي التي تتيح للبرلمان عزل الرئيس في حال مخالفته للدستور، لكن هذا قد يُدخل تونس في مأزق ونفق مظلم قد لا يحسمه سوى الجيش الذي قد ينقلب على الجميع، خصوصاً في ظل ضغوط أطراف إقليمية ودولية للتخلص من «الربيع العربي» وآخر تجاربه في تونس.
وإذا كانت المادة (88) تشترط عزل الرئيس بثلثي أعضاء البرلمان؛ فحركة النهضة وحزب نداء مصر وائتلاف الكرامة وغيرهم من الرافضين لانقلاب الرئيس التونسي يمتلكون أغلبية الثلثين، وبالتالي يمتلكون إمكانية إقالة الرئيس؛ حيث ينص الفصل (88) من الدستور على أنه «يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه».
المشكلة الوحيدة هنا أن المادة (88) تنص على أنه تحسم المحكمة الدستورية البت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها، بينما المحكمة أيضاً غير موجودة ولم يتم تشكيلها حتى الآن.
وتنص المادة نفسها من الدستور على أنه «لا يمكن للمحكمة الدستورية أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل ولا يُعفي ذلك من التتبّعات الجزائية عند الاقتضاء، ويترتب على الحكم بالعزل فقدانه لحق الترشح لأي انتخابات أخرى».
لكن ما يقف دون اللجوء إلى هذا الفصل هو غياب المحكمة الدستورية التي يعود إليها تأويل النصوص الدستورية؛ الأمر الذي رفع وتيرة الجدل حول موقف سعيد في مواجهته مع الحكومة والبرلمان.
وحين هدد الرئيس التونسي، في 26 يناير 2021م، بعدم قبول وزراء لأداء اليمين الدستورية، هدد النائب عن حزب قلب تونس عياض اللومي بأنه سيتم البدء في إجراءات عزل سعيد عبر تفعيل الفصل (88) من الدستور لتجاوزه مقتضيات النص الدستوري.
وكان الرئيس التونسي عبّر حينئذ عن اعتراضه على التعديل الحكومي، معتبراً أنه لم يحترم الإجراءات، التي نص عليها الدستور، من حيث بعض الوزراء المقترحين ممن تتعلق بهم شبهات فساد.
4 سيناريوهات
بعدما أصدر الرئيس التونسي قراراته الانقلابية واعترضت عليها عدة قوى حزبية وأيدتها قوى أخرى يسارية وليبرالية تطلق على نفسها «مدنية»، وفرض الطوارئ، وأنزل الجيش إلى الشوارع، بات أمام تونس 4 سيناريوهات محتملة:
الأول: أن يستمر الرئيس في انقلابه ويختار النموذج المصري، مدفوعاً بدعم قوى إقليمية ودولية لا تريد لـ»الربيع العربي» أن يستمر في تونس والقضاء على آخر نموذج له في تونس.
وقد يكون الرئيس سعيّد قد حصل خلال اجتماعه بالقيادات العسكرية والأمنية على نوع من المباركة والاستعداد لتنفيذ القرارات، بما يدعم قراراته.
ويبدو أن هذا هو المرجح حتى الآن في ظل القرارات المتلاحقة للرئيس بالسيطرة على كل شيء في تونس وفرض الطوارئ وعزل وزير الدفاع الذي يتردد أنه رفض القرارات، وقد يمتد الأمر إلى حد اعتقال رئيس البرلمان والحكومة وغيرهما إذا استمر تحدي البرلمان سلطاته.
فقد انعقد البرلمان رغم تجميده، وأدان بشدة قرارات الرئيس سعيد، بتجميد أنشطة البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة ووزراء آخرين، مؤكداً استمرار عمله وفق الدستور والقانون، بحسب بيان صادر عن مكتب البرلمان برئاسة راشد الغنوشي.
الثاني: أن يخرج الشعب للشارع ويبدأ عدم استقرار ومصادمات بين مؤيدي ومناهضي الانقلاب تضطر الجيش للتدخل بصورة أكبر وربما عزل الرئيس نفسه وتطبيق النموذج المصري بحذافيره.
وقد يدفع لهذا إقالة الرئيس لوزير الدفاع التونسي إبراهيم البرتاجي الذي طرح تساؤلات عن خلافات بينهما بشأن قرارات انقلاب الرئيس، وعدم رضاء عسكريين عن قرارات الرئيس أو السعي لإنهاء التجربة الديمقراطية ككل بدعاوى عدم استقرار البلاد.
الثالث: توصل الرئيس التونسي ورئيس البرلمان لتفاهم حول إجراء انتخابات تشريعية بشكل عاجل مع بقاء التدابير الاستثنائية لمدة شهر (كما ينص الدستور)، أو مدها خشية انزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى في ظل تدخلات دولية كبيرة من أطراف إقليمية ودولية.
الرابع: إقالة البرلمان للرئيس التونسي بموجب المادة (88) من الدستور ودعم الجيش والشعب لذلك، والاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قريبة تنهي كل الخلافات وتحسم شعبية كل فريق وتعيد الهدوء لتونس مع تولي الجيش والبرلمان قيادة هذه المرحلة الانتقالية.