; لماذا أخرجت المومياء من التابوت؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا أخرجت المومياء من التابوت؟

الكاتب حمد الجاسر

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985

مشاهدات 89

نشر في العدد 709

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 19-مارس-1985

    لمعالجة كيف نجح اليسار في الوصول إلى مقاعد البرلمان بعد انحساره لا بد من الدخول إلى الموضوع من مدخله السياسي الصحيح، ولا بد من الحديث عن أدواره الحقيقية التي وجد -أصلًا- من أجلها.

     كان لتمكن ثلاثة من مرشحي (اليسار الكويتي) من النجاح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ضجة كبيرة قامت بها الصحافة المحلية وربما العالمية كذلك.

     فتم تصوير نجاح بعض رموز اليسار للكويت على أنه صحوة للاتجاه الليبرالي اليساري مقابل هزيمة وتراجع للاتجاه الإسلامي، وهذا حكم ملفق بلا شك، ونتيجة كانت تتمناها بعض الجهات.

     لقد كان لهذا اليسار -الذي تعلق بأهداب حركة القوميين العرب- صولات وجولات خلال الخمسينيات والستينيات وذلك على الصعيد العربي، وعلى الصعيد المحلي، ولكن مع بداية السبعينيات بدأ هذا اليسار بالتراجع حتى إذا دخلت حقبة الثمانينيات وجدنا هذا اليسار -على الصعيد المحلي على الأقل- قد مات وأدخل التابوت بعد أن فقد جميع مقومات البقاء، وخلت منه المجالس النيابية واتحادات الطلبة وكثير من جمعيات النفع العام، أما القاعدة الشعبية التي تدعمه فلم يعد لها وجود. 

     ومع افتتاح الموسم الانتخابي الجديد في أواخر ١٩٨٤، بدأت الحياة تعود إلى الجسد الميت، وبدا من قوة حملة اليساريين أنهم يخوضون معركة مجلس ١٩٨٥ باستماتة وبطاقات تفوق قدراتهم الفعلية، فقد فتحت لهم المنابر ليبثوا دعايتهم. وتحركت بعض الفعاليات السياسية لصالحهم، وتكفل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي بشن الحرب ضد خصومهم من الإسلاميين، حتى إذا بزغ فجر الحادي والعشرين من فبراير اكتشفت الكويت أن اليسار الميت قد عاد إلى الواجهة، فيا ترى لماذا أخرجت المومياء من التابوت؟

     اليسار من الناحية الفكرية يرتبط بالاشتراكية ودرجاتها، وهذه لا تزيد عن كونها أيدلوجية أوربية نشأت في الدول الصناعية في غرب أوربا؛ نظرًا لظروف اقتصادية معينة هناك، ومن ثم انتقلت هذه الأيدلوجية نحو دول أوربا الأخرى، وتم تصديرها إلى العالم الثالث، واعتنقت إحدى دول أوربا المسيحية هذه الأيدلوجية -وهي روسيا-، ثم تكفلت بعد ذلك بالترويج لها ودعمها في شتى بقاع العالم، وفي العالم الثالث بوجه خاص.

    أما من الناحية السياسية فإن اليسار عبارة عن نقيض للسياسة الرأسمالية الغربية، وهو لذلك يصلح كغطاء لأي عمل سياسي يستهدف مواجهة أي نظام أو كيان سياسي يتبنى الصبغة الرأسمالية الغربية.

     واليسار في العالم العربي لا يخرج عن هذا النطاق، وهو في الغالب يستخدم إما لتشكيل أنظمة حكم قوية تحرس مصالح الجهات التي أقامتها، وإما لتكوين نقائض للأنظمة التقليدية ذات الصبغة الغربية، بحيث يخطف اليسار هنا لواء المعارضة، ويعمل على السيطرة على الجماهير وسد الطريق أمام المعارضة الحقيقية بحيث تكون المعارضة لإقلاق الأنظمة التقليدية ودفعها نحو الارتماء في أحضان الغرب على ألا تنفلت هذه المعارضة بصورة تخل بمصالح الدول الغربية.

اليسار لضبط مناطق النفوذ:

     وحتى يتم فهم دور اليسار في هذا الصدد فإنه يجدر الإشارة إلى إحدى الثوابت الأساسية في سياسة الدول الكبرى، فهذه الدول ترتبط مع بعضها البعض بمعاهدات ثابتة يتحدد على أساسها أسلوب حل المشاكل بين هذه الدول من جهة، وكيفية توزيع مناطق النفوذ في العالم من جهة أخرى.

    ومن هذه المعاهدات اتفاقية سايكس بيكو بين أقطاب الاستعمار القديم روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وكان مما تضمنته تحديد حصة كل من فرنسا وبريطانيا من تركة تركيا (الرجل المريض) كما سموها، وهذه التركة ليست سوى الشرق الأوسط.

     ثم اتفاقية (يالطا) خلال الحرب الثانية، وفيها دخلت الولايات المتحدة مضمار الهيمنة الاستعمارية على العالم، وبقي الروس والأمريكان يمارسون نفس اللعبة في اتفاقيات سولت -۱ وسولت- ۲.

    إن معظم المحللين السياسيين يؤكدون أن منطقة الشرق الأوسط قد تقرر لها من تلك المعاهدات والاتفاقيات أن تكون منطقة نفوذ غربية، كما أن استقراء أحداث الثلاثين عامًا الماضية وواقع حالنا الآن يؤكد ذلك.

     وللسياسة الغربية تجاه الشرق الأوسط سياسات ثابتة، ومن هذه السياسات الثابتة ما أشار إليه برنالد لويس في كتابه «الغرب والشرق الأوسط» حيث قال:

(وأصبح هدف السياسة الغربية في الشرق الأوسط عملًا صعبًا، وهو قيام حكومات لها قابلية الحياة، على أن تكون استعداداتها العدوانية نحو الغرب محدودة، وبقيت هذه السياسة منذ ذلك الوقت حتى الآن: وهي تشجيع، بل خلق أنظمة حكم تعارض أمريكا معارضة معتدلة، والظاهر أن هذه الغاية هي الهدف الأساسي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط).

     لذلك عمد الغرب الذي تقوده أمريكا ومنذ نشوء الصراع العربي الإسرائيلي إلى استبدال الحكومات التقليدية في العالم العربي بحكومات عسكرية ترفع الشعارات اليسارية الراديكالية (الثورية)، وتتصل بالاتحاد السوفيتي لكنها تبقى -بصورة غير ظاهرة- على ولائها للغرب وتحقق الكثير من مصالحه، ومصالح الاتحاد السوفيتي أحيانًا، وهذه الحكومات تكون قوية بحيث تضبط الشعوب لتنفيذ مشاريع الغرب في المنطقة سواء كانت اقتصادية، أو سياسية أو أخطر من ذلك، فرض العلمنة على شعوب المنطقة، وإبعاد الدين الإسلامي عن السياسة والاقتصاد والاجتماع، وهو ما أعلن عنه السادات (لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة).

     فبدأت سلسلة من الانقلابات العسكرية أولها في سوريا عام ١٩٤٩ على يد حسني الزعيم، ثم انقلاب ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ في مصر، ثم العراق ۱۹۵۸، وليبيا ١٩٦٩ وغيرها، وهذا يمثل إحدى طرق الغرب في الاستفادة من اليسار في ترويض الشعوب والهيمنة على الشرق الأوسط، وجدير هنا العودة إلى مقال قيم بعنوان: (كيف تصنع أمريكا نظامًا ثوريًا) نشرته مجلة المجتمع في عددها رقم (٥٩٠).

     الطريقة الأخرى التي يستفيد بها الغرب من اليسار هي أن يمثل اليسار وتنظيماته المختلفة عامل ضغط وإقلاق ضد الحكومات التقليدية التي لا تزال قائمة على المسرح السياسي، بحيث تضطر تلك الحكومات إلى الاقتراب أكثر نحو الغرب وربما تقديم التنازلات له من أجل إسكات اليسار؛ حيث إن هذه الحكومات تفهم اللعبة وتدرك ارتباط اليسار المعارض لها بالغرب، ويبدو أن موقع اليسار الكويتي أقرب إلى أن يكون من هذا النوع.

اليسار الكويتي «كسر هيبة السلطة»:

     الخصوصية الكويتية حددت دور اليسار في أن يكون عنصر صداع وإقلاق للحكومة الكويتية، فمنذ الخمسينيات وحتى الاستقلال كان اليسار المتخفي في ثياب القوميين العرب يفتعل الصدامات والاحتكاكات مع السلطة، وكانت الأحداث العربية مثل حرب السويس ١٩٥٦، والوحدة المصرية السورية، وغيرها تستثمر في تنظيم مظاهرات وإضرابات وما شابه وبصورة تتعمد المساس بالسلطة وإيذائها.

     وبعد الاستقلال استمر ذلك، وعندما دخل اليساريون إلى مجلس الأمة مارسوا دورهم داخله بصورة واضحة، وكانوا يتعمدون معارضة كل ما تقترحه الحكومة، ويختلقون الصدامات والمساجلات الكلامية مع الوزراء وأقطاب السلطة.

     وقد أشار إلى هذا الدور بعض أفراد اليسار نفسه ممن اختلفوا مع قيادتهم، وذلك في دراسة أعدها السيدان أحمد الديين وعبد اللطيف الدعيج، وذلك في «السياسة» بتاريخ 23/ 3/ 71، كذلك تحدث السيد الدعيج بالتفصيل في مقال له في صحيفة السياسة بتاريخ 14/ 10/ 74، فيقول: (وهكذا حكم على نشاط الحركة السياسي طيلة الفترة السابقة بالفشل داخل البرلمان، وكان طبيعيًا أن يمتد هذا الفشل ليشمل نشاط الحركة خارجه، فقد اتخذت المعارضة داخل المجلس والتي تشكلت من نواب الحركة والمتعاطفين معها، اتخذت خطين متوازيين، الأول: التصدي لكل المشاريع والقوانين الحكومية بالمعارضة، والثاني: محاولة استثارة وزراء الحكومة وخاصة الشيوخ كلما أمكن خدمة لشعار «إزالة هيبة السلطة»، وقد شهد المجلس افتعال مناقشات حامية بهذا الخصوص فرغت الحركة لتوليها قطبي المعارضة آنذاك الدكتور أحمد الخطيب، والسيد جاسم القطامي).

     واليسار يمارس هذا الدور ضاربًا عرض الحائط بكل شعارات الإصلاح والتقدم التي يرفعها، انظر إلى عبد اللطيف الدعيج في نفس المقال: (لقد تجاهلت الحركة داخل المجلس أي إمكانية للتطوير أو التصحيح، بل أي إمكانية لتحقيق شيء ما يسهم في دفع عجلة التقدم في هذا البلد، أو يسهم في تمسك الشعب بالتجربة البرلمانية وحرصه عليها، أكثر من ذلك فإن الحركة التي كانت تعيب على منافسيها الانتخابيين افتقارهم للوضوح السياسي ولبرنامج عمل محدد يخوضون به الانتخابات، ويحاسبون عليه- كانت الحركة في نفس الوقت تخوض الانتخابات في ظل انعدام ليس البرنامج المتكامل فحسب، بل وانعدام أي تصور مسبق عما سوف تقدمه أو تطرحه في المجلس المنتخب).

     وقد استمر اليسار في مهمة إزعاج السلطة في اللحظات التي كانت الكويت تتعرض فيها لضغوط من قبل قوى إقليمية ودولية، الأمر الذي يثير الشبهة تجاه اليساريين، ومن الأمور التي وقف اليسار وراءها أحداث عام ١٩٦٦؛ حيث كانت ولاية العهد لم تحدد بعد، وكان الشيخ جابر الأحمد والشيخ جابر العلي مرشحين للمنصب، وقد تحدثت وسائل الإعلام آنذاك عن مؤامرة كانت تتهدد الكويت، وذكرت الصنداي تلغراف البريطانية في عدد لها في شهر مايو ١٩٦٦ إشاعات عن إحباط مؤامرة انقلاب في الكويت، وعقد مجلس الأمة جلسة سرية في ذلك الشهر أطلعت الحكومة المجلس خلالها على معلومات وتفاصيل مخططات «لا تخلو من العنف» كما ذكرت جريدة الحياة اللبنانية وتدعم هذه المخططات دولة عربية قيل إنها مصر، وقد تصاعدت الأحداث آنذاك بقيام الكويت بترحيل مئات من الوافدين العرب معظمهم من مواطني الدول «التقدمية»، وقامت الصحافة اليسارية والقومية بشن حملة عنيفة ضد الكويت، واتهمت الحكومة الكويتية بأنها تنفذ مؤامرة لتصفية العناصر الوطنية.

     كذلك فجر اليسار لغمًا آخر في عام ١٩٦٩، عندما قام بعض أفراده بزرع عبوات متفجرة في عدد من مناطق الكويت مسببين بلبلة واسعة وإرباك كبير للحكومة بصورة أظهرتها كحكومة ضعيفة غير قادرة على ضبط الأمن، وبحاجة إلى دعم خارجي بهذا الصدد، وهذا ما ينسجم تمامًا مع دور اليسار كما أسلفنا.

     ومن المهم أن نشير هنا أن هذا الدور المرسوم لليسار لا يكون معروفًا بالضرورة لدى جميع أفراده وقياداته، فالأفراد العاديون في أي تنظيم يكونون -عادة- من المؤمنين بشعارات الحزب، ومن المخلصين لأهدافه المعلنة، أما الأهداف الحقيقية فهي تلك التي يعرفها الأقطاب في أي تنظيم يساري وهم قلة من الأفراد، ويستثمرون إخلاص واندفاع أفرادهم في تنفيذ الأهداف المتفق عليها مع الغرب.

لماذا كان اليسار قويًا في السابق؟

     لقد كان اليساريون وحلفاؤهم على درجة كبيرة من القوة خلال الخمسينيات والستينيات، ولم تكن هذه القوة من داخل التيار اليساري، بل من خارجه، وجاءت الكثير من الظروف الداخلية (في الكويت) والخارجية لتدعيم هذا التيار.

ومن عوامل قوة اليسار في السابق:

أ - اليساريون يلبون الحاجة السياسية للغرب في المنطقة؛ لذلك كانت الأنظمة العربية العسكرية -وهي منيعة الغرب- تتكفل بدعمهم وحمايتهم، وكان لدولة مثل مصر آنذاك نفوذ رهيب في العالم العربي وهيبة، لذلك كانت السلطة في الكويت تتردد في الرد بحزم على تصرفات اليساريين الاستفزازية.

     وكان لرموز اليسار علاقة قوية مع تلك الأنظمة، وقد برز ذلك بوضوح، وعلى سبيل المثال في حادث «مخفر الصامتة» على الحدود الكويتية العراقية عام ۱۹۷۳ فقد انتدبت الكويت زعيم الحركة في الكويت للذهاب إلى بغداد لحل الإشكال، والغريب أن اليسار امتنع في ذلك الوقت عن إدانة التصرف العراقي رغم موجة السخط الشعبي، وهو نفسه اليسار الذي يقف مع إيران خلال حرب الخليج بعد سنوات من حادث الصامتة.

ب - كانت حركة القوميين العرب بقيادة جورج حبش تكرس مجهود المنظمات الفدائية الفلسطينية من أجل الأنشطة الإرهابية الابتزازية خاصة ضد الأنظمة التقليدية في المنطقة، لذلك كانت هذه الأنظمة تخشى أن يتوجه الإرهاب إليها إذا ما حاولت التضييق على اليسار.

ج - كان الشارع الكويتي متأثرًا بفيضان الدعاية القومية والناصرية، وكان يكفي أن يعلن عبد الناصر شيئًا من على منبر خطابته حتى تخرج الجماهير إلى الشارع بالمظاهرات، فكان اليسار يستثمر ذلك كله لصالح أغراضه، إضافة إلى ذلك كانت هناك تيارات وطنية وقومية يستفيد منها اليسار ومن هذه التجمع الوطني الذي يقوده جاسم القطامي، ثم من يسميهم اليسار بالبرجوازية الوطنية، وهي فئة التجار الذين تعود جذور تيارهم إلى حركة المجلس عام ۱۹۳۸.

د - تمتع اليساريون لفترة طويلة بدعم قطب سياسي بارز في الكويت الذي كان له ثقل كبير في تلك الحقبة.

     كان هذا القطب يحاول احتواء اليسار لصالحه، ويقيم معه الجسور، في نفس الوقت استفاد منه اليساريون فقد وفر لهم الحماية الأمنية، وسهل لهم الخدمات العامة في الأجهزة الحكومية، وكان مصدرًا جيدًا للمعلومات بالنسبة لليساريين.

     وقد برزت علاقة اليسار مع هذا القطب البرلماني خلال أزمة عام ١٩٦٦ حول ولاية العهد، حيث تزامن الخلاف حول ولاية العهد مع اصطدام حاد بين اليسار والحكومة ساندتهم خلاله الأنظمة العربية ذات الغطاء اليساري، بل وخططت بعضها للإخلال بالأمن في الكويت كما سبق وذكرنا.

اليسار يستنفذ أغراضه:

     ثم جاءت حقبة الحل السلمي في أواخر السبعينيات، وتغيير التكتيك الغربي بالنسبة للشرق الأوسط، وكان التكتيك القديم قد حقق أهدافه فالانقلابات والأنظمة الثورية كانت قد عملت على امتصاص النقمة الشعبية ضد إسرائيل، في نفس الوقت صنعت هذه الأنظمة عملية الصراع الفعلي مع إسرائيل، واكتفت بقتال إسرائيل بالخطب والإذاعات، في نفس الوقت كانت تبيعه سيناء، والجولان، والقدس.

     وأصبح الغرب يفضل الآن الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط (استقرار الأنظمة) تمهيدًا لمشاريع الصلح مع إسرائيل.

     وخلال الثلاثين عامًا الماضية تم ترويض الشعوب، ونفذت الأنظمة الثورية ضدها صنوف القهر والاضطهاد مما أخرج جيلًا من العرب يحمل الهزيمة في قلبه، وأصبحت الهموم اليومية والمعيشية هي هاجس المواطن العربي؛ فهو يريد الاستقرار والحياة بأي ثمن، ولم تعد قضية فلسطين تمثل اهتمامه المصيري كما كان الحال في الخمسينيات، فأصبح التكتيك الغربي الجديد: استقرار الأنظمة ونزع فتيل الثورية.

     وفي التكتيك الغربي الجديد فقد اليسار الحاجة إليه بصورته القديمة، وكان هذا سببًا أساسيًا لانحسار اليسار في الساحة العربية، ويمكن أن نعدد بعض الأسباب الأخرى لانحسار اليسار واليسار الكويتي خاصة:

أولًا- أن الهزائم التي تكبدتها الأنظمة الثورية أمام إسرائيل كانت ضربة قوية للدعاية اليسارية؛ حيث إن تحرير فلسطين وإلقاء اليهود في البحر كان من أبرز الأهداف المعلنة لليسار بكافة فئاته.

ثانيًا- لقد خابت آمال الشعوب في المبادئ الثورية لليسار وبرامج الإصلاح التي أعلنها وروج لها، خاصة وأن اليسار بكافة فئاته كان له نصيب في الحكم في وقت من الأوقات، ولم يحقق شيئًا من تلك الشعارات.

ثالثًا- بعد هزيمة الناصرية وقع انقسام كبير في حركة القوميين العرب مما أوجد لليسار علاقات صعبة مع بعض الأنظمة الثورية التي كانت تحميه وتدعمه.

رابعًا- نظرًا للدور الضيق المرسوم لليسار في الكويت «إزالة هيبة السلطة»، فإن اليساريين لم يتحركوا أبدًا كحركة تنظيمية، وإنما كرموز وقيادات سياسية، تعتمد بصورة مصيرية على توفر المنابر الإعلامية والبرلمانية والنقابية لها، فإذا ما منعت هذه المنابر عنهم؛ ماتت الحركة وكأنها لم تكن، وهذا ما كشفهم أمام بعض الشباب المغرر به داخل التنظيم اليساري، وجعلهم ينشقون عنهم مما هو من صورة القيادة اليسارية.

خامسًا- فقد اليساريون الدعم الخاص الذي كان يوفره لهم القطب السياسي القوي الذي ذكرناه سابقًا بعد أن خرج هذا القطب من المشاركة في السلطة، وقد عاد هذا القطب إلى دعم اليسار في الانتخابات الأخيرة، الأمر الذي سنتطرق إليه في العدد القادم.

سادسًا- بروز الحركة الإسلامية في النصف الثاني من السبعينيات، وإقبال الشعب الكويتي على التدين الذي هو نقيض اليسار، وهذا ما سحب البساط من تحت اليساريين وصرف عنهم الجماهير، إضافة إلى ذلك فإن أجواء التفسخ والتسيب الاجتماعي في السابق قد تقلصت الآن أمام زحف التدين واتجاه الشعب نحو المحافظة، وتلك الأجواء في بيئة طبيعية لنمو اليسار وتوسعه.

     لقد استمر اليسار في الضعف والتقلص بسبب هذه العوامل حتى إذا جاءت انتخابات مجلس ۱۹۸۱ وجد اليسار نفسه وقد مات وانتهى.

     وبعد السقوط أخذ اليسار يبحث عن أي طريق للعودة إلى الحياة السياسية وإحياء تياره، وكانت عودته أخيرًا مقابل تنازلات كبيرة قدمها لبعض الجهات، وكانت عودته لأداء دور جديد مختلف تمامًا عن الدور القديم، وهذا ما سنتحدث عنه في العدد القادم إن شاء الله.

الرابط المختصر :