; لا تحزن إنَّ الله معنا | مجلة المجتمع

العنوان لا تحزن إنَّ الله معنا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1829

نشر في الصفحة 35

السبت 29-نوفمبر-2008

تبدأ الحياة ببذل الجهد، وتحمُّل الصبر، والاعتماد على النفس، والتوكل على الله.

وتبدأ الرسالات بالاستعداد للكفاح، وشحذ الهمة، والتعوُّد على مقارعة الخطوب.

وقد قال الله في كتابه العزيز للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل:5)

ففي خِضَم الحياة وفي ظلمتها، وفي شدتها، وأهوالها، وعند حزنها وكروبها يخيَّل إليك أن الأبواب قد أُغلقت، وأنَّ الشموس قد كُسفتْ، وأنَّ الأقمار قد خُسفت، والضياء قد حُجبت، والحقيقة أنَّك تستطيع أن تعيد للحياة بهجتها، ولنفسك سعادتها بشيء من التحمل والصبر والثبات.

لأنّ الجزَع لا ينفع، والحزن لا يجدي، وقد جربتُ، وجرب الكثيرون الحزن فما نفعهم، وما أغنى عنهم شيئًا، فقدوا أعزةً، فحزنوا فلم يعدهم الحزن إلى الحياة، خسروا تجارتهم، فحزنوا، فلم تعد تجارتهم إليهم، ورسبوا في دراستهم، فحزنوا، فلم يعدهم ذلك إلى النجاح؛ إذن فلا تحزن إذا أصابك مكروهٌ أو تيأس إذا أصابتك شدة، ولكن اعمل واجتهد أن تخرج منها، أو تتخطاها، فأنتَ قد تكون أسعد من غيرك حالًا، وأفضل وضعًا، فمثلًا إذا كنتَ فقيرًا فغيرك محبوسٌ في دين، وإن كنت لا تملك وسيلة نقل، فسواك مبتور القدمين، وإن كنتَ تشكو آلامًا، فالآخرون يرقدون على الأسرَّة البيضاء من شهور، وإن فقدتَ ولدًا، فسواك فقد في الكوارث عددًا من الأولاد في حادث واحد.

لا تضيع حياتك في الحزن، وتبذل لياليك في الهم، وتوزع ساعاتك على الغم، لا تسرف في إضاعة حياتك، فإنَّ عمرك الحقيقي هو سعادتك وراحة بالك، والله لا يحب المسرفين، وأنتَ في قضاء الله وقدره، والقضاء مفروغ منه والمقدور واقع، والأقلام جفت، والصُّحف طُويت، وكل أمرٍ مستقر، فالحزن لا يقدم للواقع شيئًا، ولا يؤخره، ولا يزيد فيه أمرًا، ولا ينقصه.

لا تحزن لأن الحزن يزعجك من الماضي، ويخوفك من المستقبل، ويذهب عليك يومك، وينقبض له قلبك، ويعبس له وجهك، وتنطفئ منه روحك، ويتلاشى معه الأمل.

لا تحزن وقد أحاطتك نعم الله التي لا تحصى، فأنتَ تشرب الماء الزلال.. وتستنشق الهواء الطلق، وتمشي على قدميك معافى، وتنام ليلك آمنًا، وتعيش بين أهلك ومحبيك، في لطف من الله وأمان، تحيط بك عنايته وستره، وكلُّ مطيعٍ لله مستأنس، وكل عاصٍ لله مستوحش.

فلا تحزن إذن وأنتَ تملك الدعاء.. وتجيد الانطراح على عتبات الربوبية، وتحسن التردد على أبواب ملك الملوك.. ومعك الثلث الأخير من الليل، ولديك ساعات القبول التي تسمع فيها نداء الحق، وتجليات الرب سبحانه وتعالى.

لا تحزن لأنَّ الحزن يسر العدو، ويغيظ الصديق، ويشمِّت بك الحاسد، ويغير عليك الحقائق، ويبدل أمامك السرور همومًا، والحياة بؤسًا، والنعمة نقمة.

والحزن من الشيطان فهو يأسٌ جاثم، وفقر حاضر، وقنوطٌ دائم، وإحباطٌ محقق وفشلٌ ذريع، وخروجٌ عن الأنس، ونقمةٌ على النعمة.

لا تحزن إذا اقترفتَ ذنبًا فإذا أذنبتَ فتُب، وإن أسأتَ فاستغفرْ، وإن أخطأتَ فعُد إلى الصواب، فالرحمة واسعة، والباب مفتوح والتوبة مقبولة.

ولربَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى               ذرعًا وعند الله منها المخرج

ضاقتْ فلما استحكمت حلقاتها        فُرجتْ وكنت أظنها لا تفرج

لا تحزن على ما فاتك، فعند الله نعم كثيرة، ففكر في نعم الله الجليلة وفي أياديه الجزيلة، وأشكره عليها قال تعالى: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 34)

وأكثِر من الاستغفار، فإنَّ ربك كريم مفضال: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (نوح: 10، 11، 12).

والصبر دائمًا يكون في ركابه الفلاح، ومن صفاته النجاح ولذلك أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله جل شأنه ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (الأحقاف: 35)

ويستحق الصابرون المجد والخلود في الجنة بما تحملوا من العنت والمشقة في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف: 137)

وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111)

وقوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: 24).

والصبر زاد الأنفس المؤمنة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45)

﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 65)

والصبر نوعٌ من عون الله على شدائد الأيام، وعواصف الليالي.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي:

دعِ الأيام تفعل ما تشاء                 وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي                    فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلًا على الأهوال جلدًا          وشيمتك السماحة والوفاء

وإن كثرتْ عيوبك في البرايا            وسرك أن يكون لها غطاء

تستَّر بالسخاء فكل عيب                 يغطيه كما قيل السخاء

ولا ترج السماحة من بخيل               فما في النار للظمآن ماء

ورزقك ليس ينقصه التأني              وليس يزيد في الرزق العناء

ولا حزن يدوم ولا سرور                   ولا بؤس عليك ولا رخاء

ومن نزلتْ بساحته المنايا                 فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن                 إذا نزل القضا ضاق الفضاء

دع الأيام تغدر كل حين                   فما يغني عن الموت الدواء

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

127

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 31

121

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (31)

نشر في العدد 367

118

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الأسرة (367)