; عمر بن الخطاب.. والقيم النقدية | مجلة المجتمع

العنوان عمر بن الخطاب.. والقيم النقدية

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 68

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 47

السبت 12-مايو-2007

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يحب الشعر ويتمنى لو كان شاعرًا، ويقال إن «متمم بن نويرة»، أنشد عمر بعض شعره في رثاء أخيه مالك، فأعجب به، وقال «يا متمم، لو كنت أقول الشعر، لسرني أن أقول في أخي زيد ابن الخطاب (وكان قد استشهد في موقعة اليمامة) مثل ما قلت في أخيك. قال متمم يا أمير المؤمنين لو قتل أخي قتلة أخيك ما رثيته بشعر أبدا. فقال عمر: يا متمم ما عزاني أحد في أخي بأحسن مما عزيتني به».

ومن أقوال عمر رضي الله عنه المأثورة: «تعلموا العربية، فإنها تثبت القلوب، وتزيد في المروءة، وارووا الأشعار، فإنها تدل على الأخلاق، وخير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي صاحبه، يستميل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم».

وكان رضي الله عنه يتمتع بذائقة فنية عالية وبصيرة نقدية نافذة في تقييمه للشعر والشعراء، وتأتي أحكامه النقدية الصائبة بعد محاورات مع الآخرين لقد كانت أحكامه مؤسسة معللة، أي لها أسانيدها التي تؤيدها، فهو يحاور جماعة من بني غطفان، ويقدم بضعة نماذج متنوعة من شعر النابغة، تنتهي به إلى الحكم بأن النابغة هو «أشعر غطفان».

وكان يقول عن زهير بن أبي سلمى إنه «شاعر الشعراء»، وعلل هذا الحكم بأن «زهيرا كان لا يعاظل في الكلام، وكان لا يتبع حوشي الشعر، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه».

وهذه «المسوغات» تخلد شعر زهير فلا يفنى ككثير من شعر غيره نقل الأصمعي أن عمر رضي الله عنه قال لبعض ولد هرم بن سنان: «أنشدني بعض مدح زهير أياك»، فأنشده، فقال عمر: إن كان ليحسن لكم القول، قال: ونحن والله كنا نحسن له العطاء، قال عمر: «قد ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم».

ومعروف أن الحطيئة، كان شاعرًا هجاء، ويروى أنه جاور الزبرقان بن بدر، فلم يجد منه ما كان يتمناه من كرم وحسن جوار، فهجاه بقصيدة جاء فيها البيت التالي:

 دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي 

فثار الزبرقان، وانطلق يشكوه للخليفة، ويستعديه عليه، فقال عمر: ما أسمع هجاء، ولكنها معاتبة، فقال الزبرقان والله يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قط أشد على منه، سل حسان بن ثابت، فسأله عمر فأيد دعوى الزبرقان، فأمر عمر بحبس الحطيئة. 

وأمام هذا البيت نبدي الملاحظات الآتية:

  1.  في البيت هجاء من الزبرقان جاء بأسلوب ساخر، فقد جعل أقصى غايات الزبرقان في حياته أن يأكل ويشرب ويكتسي، فلا حاجة لمثله في تحصيل مكارم الأخلاق، كأصحاب الهمة، وسمو المقاصد من رجالات العرب وفي البيت «أمران» ونهي» غرضها البلاغي التهكم والسخرية.

  2.  ما كان هذا المفهوم يخفى على عمر رضي الله عنه، ولكنه لجأ إلى ما يسمى به تجاهل العارف حرصا على التقريب بين المسلمين، وتحقيق مشاعر الحب والمودة في نفوسهم.

  3. في الواقعة ما يرشدنا كذلك إلى أن نقصد أصحاب التخصص في تقييم المواقف، والحكم على الموضوعات والفصل في الخصومات، وخصوصا ما اتصل بالعلم والإبداع، ففي خصومة الزبرقان والحطيئة انتدب للفصل فيها حسان بن ثابت، وهو أشعر شعراء عصره. 

إنها وقائع ودروس، ما أشد حاجتنا إلى أن تأخذ أنفسنا، وأقلامنا بها، في زمن كثرت فيه فقاقيع النقد والمتشاعرون، وأدعياء الأدب وتصدر لنقد الشعر بالذات من لا يملكون آليات النقد الحصيف، وإن ملكوا آليات الهدم أو آليات المجاملة والنفاق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

562

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

464

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28