العنوان قمة فرنكوفونية ضعيفة.. فرنسا وكندا تتنافسان لاستقطاب الأعضاء
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 81
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
- مبادرة كندية للبحث عن إمكانيات تعزيز حضور المنظمة السياسي على مستوى العالم.
- دعوة الرئيس الفرنسي بمقاومة التماثل اللغوي والثقافي في العالم خوفًا من هيمنة «الإنجليزية» تلقى ترحيب الأعضاء.
انعقدت في العاصمة كوتونو «دولة البينين» الدورة السادسة لقمة الفرنكوفونية في العالم ما بين ٢ و ٤ ديسمبر 1995م الجاري، وذلك بحضور كل أعضائها السبعة والأربعين من الدول والحكومات الناطقة كليًا أو جزئيًا بالفرنسية، ورغم ما أبدته الدولتان القويتان في المنظمة «فرنسا وكندا» من رغبة مشتركة في الإقلاع بالمنظمة من خلال تطوير هياكلها وتعزيز حضورها السياسي والديبلوماسي في الساحة الإقليمية والدولية، فقد ظهر أن تواضع أداء المنظمة خلال التسع سنوات الماضية وثقل ملفات النزاع والمشاكل الحدودية المستعصية بين الدول الأعضاء وخاصة الإفريقية منها، لم تسمح لهذه الدورة بغير الإعلان عن نية الدول والحكومات الأعضاء في بحث إمكانيات تطوير المنظمة وإعطائها دورًا سياسيًا وديبلوماسيًا وحضورًا دوليًا خلال القمة القادمة المزمع عقدها في هانوي بفيتنام، خلال سنة ١٩٩٧م.
لقد زادت هذه القمة فأكدت الظروف الصعبة التي تمر بها المنظمة منذ إنشائها سواء الداخلية منها أو الخارجية، فمن وجهة أولى لا تزال دورات هذه القمة وهياكلها الدائمة وخطابها بشكل عام منفعلًا بحالة الاستقطاب الحادة في بعض الأحيان التي تحكم العلاقة بين عضويها الرئيسيين، وهما فرنسا من جهة وكندا من جهة أخرى، حيث تسعى الثانية لتعزيز حضورها ودورها، ومن ثم استفادتها من هذا التكتل في حين تسعى الأولى للمحافظة على موقعها وعلى امتيازاتها التي تتمتع بها لدى حكومات ودول المنظمة وخاصة الإفريقية منها، ويبدو هذا الاستقطاب والتنافس جليا من خلال تقاسم البلدين الإدارة العامة المطلقة للمؤسستين الوحيدتين للمنظمة اللتين أصبحتا أدوات حرب وصراع بين البلدين.
وتعود جذور تكريس هذا الاستقطاب إلى قمة سنة ١٩٨٧م التي عقدت في كيباك بكندا عندما فاجأ رئيس وزراء كندا السابق «براين مولروني» الجميع بإعلانه قرار حكومته إلغاء كل ديونها المستحقة لدى كل الدول الإفريقية الأعضاء في المنظمة الشيء الذي أحرج فرنسا كثيرًا واضطرها هي الأخرى إلى اتخاذ نفس الإجراء مع الفارق الكبير والكبير جدًا في حجم المستحقات بين فرنسا وكندا.
ومما زاد في هامشية المنظمة ضعف حضورها الإيجابي لحل المشاكل الداخلية العميقة في العديد من الدول الأعضاء خاصة رواندا وبورندي وتوجو، وذلك استنادًا إلى قاعدة متفق عليها منذ البداية بين الأعضاء، وإن كانت غير منصوص عليها في لوائح المنظمة تقضي بعدم التدخل في الشئون الداخلية لأية دولة من الدول الأعضاء، وهي نفسها القاعدة التي جعلت المنظمة تبدو غائبة عن كل ملفات الصراع التي مست بعض أعضائها خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة بدءًا من لبنان وانتهاء إلى رواندا ومرورًا بالتشاد، وهايتي، وبورندي، وتوجو.
ومن جهة أخرى فقد عقدت هذه الدورة متزامنة مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها نيجيريا أكثر بلدان إفريقيا من حيث عدد السكان والبلد المجاور للعديد من البلدان الأعضاء في المنظمة، حيث أقدمت الحكومة العسكرية على إعدام تسعة من المعارضين المهتمين بحقوق الإنسان، ورغم جهود رئيس وزراء كندا في إقناع الدورة بضرورة أخذ موقف واضح من تردي حقوق الإنسان في نيجيريا، فقد تجنب البيان الختامي للدورة التعرض مباشرة لهذا الأمر، وذلك تحسبًا من هجرة العديد من الآلاف من النيجيريين إلى بعض البلدان المجاورة التي لا يمكنها تحمل الأعباء المالية لهذه الوضعية، وأكثر من ذلك، فقد تجنب البيان الختامي الحديث عن ما يجري في توجو وهو بلد عضو في المنظمة من انتهاك واضح الحقوق الإنسان كان من نتائجه المباشرة وجود ما لا يقل من 60000 لاجئ توجولي بالبينين وعلى مقربة من قصر المؤتمرات حيث كانت تجري أشغال القمة الأخيرة، وإذا ما أضيف إلى كل ذلك الصمت غير المبرر للقمة عما جرى ويجري في رواندا، وهو بلد عضو أيضًا، ندرك جليًا محدودية السقف السياسي الذي حصرت فيه المنظمة نفسها منذ البداية، والذي كان ولا يزال سببًا رئيسًا في هامشيتها وعدم حضورها الدولي وحتى الإقليمي.
العامل الآخر البارز الذي خف بانعقاد هذه الدورة هو تواصل الهيمنة الأمريكية لغة وثقافة ومصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية على العالم، بما في ذلك أوروبا ومن ضمنها فرنسا التي تحاول أن تتزعم خلال السنوات الأخيرة حملة مقاومة جنوبية واسعة ضد الهيمنة الأمريكية المتعددة الأبعاد وخاصة منها بعدها اللغوي والثقافي، كما جاء في كلمة الرئيس الفرنسي عند افتتاح القمة.
«شيراك» «ونداء كوتونو»
أطلق الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» عند افتتاح أعمال القمة نداء كوتونو، أكد فيه على ضرورة مقاومة التماثل اللغوي ومن ثم الثقافي في العالم، مشيرًا إلى أن دعوته هذه لا تعني التقليل من قيمة اللغة الإنجليزية، ومحذرًا في نفس الوقت من خطر القضاء التام على اللغات الأصلية، وقال «شيراك» إن الدفاع عن إشعاع الفرنكوفونية في العالم هو دفاع عن حق التفكير الملايين الناس الذين يتكلمون الفرنسية ويفكرون بها.. كما أنه دفاع عن الانفتاح والتسامح في العالم.. ودعا الرئيس الفرنسي دول الجنوب من الناطقين بالإسبانية والعربية وكذلك الذين يتكلمون اليابانية والهندية للانخراط في هذه المقاومة لأنهم مهددون هم أيضًا بنفس الخطر، وأضاف أن الفرنكوفونية يجب أن تأخذ صدارة حملة واسعة من أجل التعددية مستشهدًا بأن ٩٠٪ من شبكة إنترنت العالمية بالإنجليزية، وفي تعريفه للفرنكوفونية، قال «شيراك» إنها: «هوية تتجاوز الحدود كما أن اللغة الفرنسية لا تهدد ولا يجب أن تهدد حيوية اللغات القومية والمحلية»، وختم نداءه الذي لقي استحسان الحاضرين أن الفرنكوفونية في المستقبل «يجب أن تكون مشروعًا سياسيًا يؤكد هوية سياسية للدول الأعضاء يستند إلى رؤية واضحة للعلاقات بين الإنسان والإنسان ضمن حدود وفضاءات عالمية».
إلى جانب هذا النداء الفرنسي، الذي أخذ نصيبًا مهمًا من المداولات، فقد تمحورت فعاليات هذه القمة حول نقطة أساسية، هي إمكانية وتحسين أدائها وتعزيز حضورها السياسي الإقليمي والدولي التي حرصت كندا، كشريك في تحديد فعاليات القمة على إدراجها كنقطة أساسية في جدول الأعمال، ويبدو من خلال توزيع محاور جدول أعمال هذه القمة اختلاف الأولويات بين كل من فرنسا وكندا، ففي الوقت الذي تحرص فيه فرنسا على إقناع أعضاء المنظمة وغيرهم من دول الجنوب بضرورة الانخراط في مقاومة مشتركة ضد التماثل اللغوي والثقافي الناتج عن الهيمنة الأمريكية الثقافية واللغوية، ومن ثم حماية الفرنكوفونية التي أصبحت مهددة حتى في عقر دارها وفي حصونها التقليدية في نفس الوقت تبدو كندا مهتمة أكثر بتطوير المنظمة من خلال إعادة هيكلتها وصياغتها وتحويلها إلى منظمة شبيهة بالكومنولث يمكن أن يكون لها فيها نفوذًا مهمًا يؤهلها للتموقع أحسن من خلالها في الخريطة الدولية، إن تميز كندا عن فرنسا من جهة تعدد اللسان حيث إنها تعتمد لغتين رسميتين هما الفرنسية والإنجليزية، كما أن المشكلة الدستورية التي تعيشها كندا منذ عقود عديدة نتيجة مطالبة بعض الأحزاب السياسية والمثقفين والنخب بكيباك المقاطعة الفرنسية الرئيسية في كندا بالانفصال عن الفيدرالية الكندية ذات الأغلبية الإنجليزية وتأسيس هذا المطلب على الاعتبار اللغوي والثقافي «فرنسية مقابل إنجليزية» أمران لا يجعلان كندا تنظر إلى توسيع اللغة والثقافة الإنجليزيتين على أنه تهديد للفرنسية والفرنكوفونية مثلما هو الأمر من وجهة نظر فرنسا، ويبدو من خلال الواقع العيني لأغلب دول المنظمة التي تعاني التخلف الاقتصادي والهشاشة الثقافية واللغوية بعد أن فرضت عليها فرنسا اللغة الفرنسية أن خوفها من توسع هيمنة الإنجليزية لغة وثقافة هو أقل بكثير من الخوف الموجود لدى فرنسا وأوروبا عامة.
نتائج القمة
تعكس نتائج القمة وما جاء في بيانها الختامي تمحور أغلب فعاليات القمة حول المبادرة الكندية بالبحث مستقبلًا عن إمكانية تعزيز دور وحضور المنظمة السياسي الشيء الذي سر كثيرًا الوفد الكندي.
وتشير أوساط أخرى تابعت هذه الدورة إلى أن من أهم عوامل إقرار المبادرة الكندية هو الاتفاق الكندي- الفرنسي على إنهاء الخلاف والاستقطاب ومحاولة بلورة مساحة مشتركة تخدم مصالح البلدين على المدى البعيد، وتدلل هذه الأوساط على قولها بما ذكره «أندريه ويلات» -وزير خارجية كندا- للصحافة على هامش فعاليات القمة، من استعداد بلاده لفتح ملف وكالة التعاون الثقافي والتقني للبلدان الفرنكوفونية التي تسيطر عليها كندا، والتي تعتبرها فرنسا بوقًا للدعاية الكندية، هذا الملف الذي طالما اعتُبِر حساسًا وغير قابل للنظر.
وقد ذكر الرئيس البينيني «نيسجور سوجلو» في مؤتمر صحفي ختامي أن قمة كوتونو تعتبر تحولًا مهمًا ومحددًا في مسيرة الفرنكوفونية مؤكدًا رغبة بلاده في أن تصبح الفرنكوفونية قوة سياسية تعكس التفاهم بين كتلة مهمة من شعوب العالم تستند إلى مؤسسات دائمة وتعبر عن موقف موحد من القضايا المهمة في المحافل الدولية والإقليمية، من خلال ديبلوماسية وقائية تعمل من أجل تجنب النزاعات الخارجية بين الدول الأعضاء فيما بينها وتجنب الأزمات داخل البلد الواحد، وفي هذا الإطار أعلن عن اتفاق الدول والحكومات الأعضاء انتخاب أول أمين عام للمنظمة خلال الدورة القادمة تخول إليه كل الصلاحيات اللازمة التي تؤهله للتحرك ديبلوماسيًا «دون التحرك العسكري» باسم العالم الفرنكفوني في الصراعات والأزمات التي تؤثر على دولة أو أكثر من الدول الأعضاء في القمة.
رغم أهمية هذا التوجه الجديد للمنظمة في عيون أعضائها، فإن معطيات الوضع الذاتي للمنظمة والظروف المحيطة بها تؤكد هشاشة مثل هذا الخيار وصعوبة تحققه فضلًا على نجاحه واستمراره في المستقبل.