العنوان المجتمع التربوي (1161)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1995
مشاهدات 70
نشر في العدد 1161
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 08-أغسطس-1995
وقفة تربوية
الحوافز الإيمانية (1)
سألني أحد الإخوة الفضلاء بعد إلقائي لدرس عن همم التابعين في العبادة قائلًا: «إن هؤلاء الأفذاذ من جيل التابعين لم يبرزوا هذا البروز، ولم يتميزوا هذا التميز في عبادتهم إلا بسبب الأجواء التي عاشوا فيها، والبيئة التي تربوا فيها، فساعدتهم على هذا التمييز والبروز، بينما لو فعل أحدنا فعلهم هذه الأيام لما استطاع، وذلك لعدم وجود تلك البيئة المعينة، وحتى لو استطاع لاتهم بالنقيصة» ثم طلب مني التعليق على هذا الأمر.
قلت: إن ما ذكرت من الأجواء المساعدة أمر صحيح لاشك فيه، وإن معظم البارزين في المجالات المختلفة خاصة في الغرب إنما برزوا بسبب الأجواء المتوفرة هناك والحوافز التي ساعدت في بروزهم في جميع المجالات، وعدم بروزنا نحن في بلاد المسلمين ليس لأننا أقل منهم ذكاء، ولا أقل عقلًا، ولكن بسبب عيشنا بأجواء قاتلة للإبداع، وكاتمة لأى بروز، ولهذا السبب عندما يذهب بعض المسلمين إلى تلك الديار يبرز لوجود الأجواء المساعدة، وكذلك الحال بالنسبة للبروز في العبادات والعلم الشرعي الذي ذكرناه في قصص التابعين، فأجواءهم التي عاشوا فيها تعتبر حوافز مساعدة، وهذا لا يعني أننا في هذا العصر قد عدمنا هذه الحوافز، ومن هذه الحوافز أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- أخبر عن زماننا بأن عمل العامل فينا كخمسين من أعمال الصحابة -رضي الله عنهم- حافز عظيم من المفترض هذا أن يرفع بنا للبروز، وحافز آخر أننا أمام تركة علمية من كتب العلم ميسرة ومطبوعة ومتوفرة، وتباع بأرخص الأثمان، بينما كانوا يجدون مشقة بالحصول عليها .
أبو بلال
التكافل في الإسلام
بقلم: محمد أبو سيدو
الفرد في المجتمع الإسلامي لبنة من لبناته، ومنه يتشكل المجتمع، وصلاح الفرد صلاح للمجتمع، فمن مصلحة المجتمع أن يكون أفراده أقوياء أصحاء متعلمين متعاونين إلى آخر ما هناك من صفات الصلاح التي يجب أن يتحلى بها الفرد لينعكس بتصرفاته وأعماله الصالحة على المجتمع.
فمصلحة المجتمع تتعلق وتبني على مصلحة الفرد وإعداده إعدادًا صالحًا يعود بذلك على المجتمع، وكذلك العكس، فإن ضعف الفرد يؤثر على المجتمع، ومن مصلحة المجتمع العناية والرعاية لأفراده وعدم التهاون في إصلاح أمورهم، لأن في إصلاحها إصلاح لأمور المجتمع.
ومن أبرز العوامل التي توفر الاستقرار في المجتمع أن يسود العدل بين الأفراد وطغيان مصلحة الفرد على غيره هو طغيان على المجتمع وسكوت المجتمع على طغيان الأفراد وهو بداية المرض الذي يتسرب إلى جسم الأمة فيؤدي بحياتها، لأنها تهاونت في دفع الخطر عن نفسها فاستشرى المرض في أعضائها وعجزت عن مداواته.
والتوازن بين مصلحة الأفراد هو توازن للمجتمع، وطغيان الفرد على غيره، وطغيان المجتمع على الفرد هو إخلال بالتوازن، وتعطيل للقيم الإسلامية التي أمر الإسلام برعايتها.
وقد شدد الإسلام على مسئولية الفرد كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
حتى إن السلبيات الذين يظن بعض الأفراد أنها ليست من مسئوليته حددها الحديث القدسي بقول الله الخالد: «وعزتي وجلالي لانتقمن من الظالم ولو بعد حين، ولا نتقمن ممن رأى مظلومًا وهو قادر على نصرته ولم ينصره».
ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفرد والمجتمع ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).
فإن انعدم وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد تودع من الأمة.
إن هذا القول التعميمي من الله سبحانه وتعالى بوصف هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس مرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ( آل عمران: 110).
وكان المسلمون يأتمرون بالمعروف فيأمرون، وينتهون عن المنكر وينهون ولا يقرون منكرًا بين ظهرانيهم، حتى إن بعضهم كان إذا بايع رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بايعه على النصح لكل مسلم.
هذه الصفات الإيمانية كانت غالبة على الجيل المثالي الذي هو سلف هذه الأمة وقدوتها وسجلها لهم رب العزة في كثير من آيات كتابه العزيز ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).
ومن أبرز صفات المجتمع الإسلامي أنهم رحماء بينهم ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ﴾ ( الحشر: 9)، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ( الإنسان: 8)، ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، ﴿ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ( الشورى: 37)، وهم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).
ما أجدرنا في هذه الأيام أن نتخلق بهذه الصفات وتكون في سلوكنا امتدادًا لهم.
ومن أبرز عوامل التكافل توزيع الثروة وعدم حصرها في أيد قليلة، فالزكاة فرضت لتغطية كثير من الحاجات التي ينشأ عن دفعها إيجاد التوازن بين الطبقات الاجتماعية.
ويصور لنا الرسول -صلي الله عليه وسلم- صورة بقوله: «والله لا يؤمن يرددها ثلاث مرات فيقول الصحابة: خسر وخاب من يا رسول الله، قال: من بات شبعان وجاره جائع»، وعندما سئل أصحاب النار يوم القيامة عن سبب عذابهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: 42-43-44).
وهكذا فالإسلام دعوة سامية للقضاء على الفوارق الاجتماعية فقد حث القرآن على الإنفاق في سبيل الله وعلى مصالح الطبقة المحتاجة ورغب القرآن في الإنفاق ووعدد المتقين بحسن المثوبة والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
والناس مكلفون بالإنفاق مما رزقهم الله من الأموال التي جعلهم خلفاء في التصرف فيها، فالمال ليس مالهم في الحقيقة وما هم إلا بمنزلة الوكلاء.
﴿ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7).
ويرسم القرآن الكريم صورة حية للذين بخلوا بمال الله في الدنيا فيقول جلت عظمته:
﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ( المنافقون: 10).
وليس المال قاصرًا على إيجاد التوازن والتكافل في المجتمع الإسلامي فالرسول ﷺ «يقول تبسمك في وجه أخيك صدقة والكلمة الطيبة صدقة».
آلام وآمال
الالتزام بالمنهج «لا إله إلا الله»
بقلم: جاسم المهلهل الياسين
إن قضية الالتزام بالمنهج «لا إله إلا الله» ليست مجرد أراء أو أفكار تطرح في لقاء عابر أو من خلال مذياع، أو تلفاز، أو صحيفة، أو ندوة، أو محاضرة تأخذ بألباب السامعين والمشاهدين وتشد إليها أنظارهم.
إنها إيمان وثبات ومن ثم تطبيق عملي صادق سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الحكومة بحيث تتضافر الجهود مجتمعة للسير على المنهج «لا إله إلا الله» والتزام الإسلام عقيدة ومنهج حياة، وطرح كل ما يتعارض مع أوامر الله وأوامر رسوله، سواء في التربية والتعليم، أو الثقافة، والإعلام، أو الاقتصاد والتجارة، أو الصناعة والدفاع والنواحي العسكرية والأمنية وما أشبه ذلك.
ولا شك أن المنحرفين عن منهج الله قد سلكوا منهج أعداء الله من يهود ونصاري وشيوعيين، فهم يسيرون على وفق ما يمليه عليهم أولئك الأعداء، ويخططونه لهم على شكل دراسات واستشارات وأراء ونظريات تتعارض تمامًا مع المنهج الإلهي المستقيم.
أهمية هيمنة الإسلام على شئون الحياة
ولن تستقيم حال الأمة الإسلامية ما لم تلتزم التزامًا صادقًا بمنهج الله، فتبني حياتها من جميع جوانبها على مقتضى أوامر الله وأوامر رسوله والصبر على ذلك، فلا يستخفها المضللون الذين يرون في تطبيق الإسلام تأخرًا ورجعية وتخلفًا عن ركب الحضارة المادية المنهارة، إن علينا أن ننظر إلى واقع حياتنا اليوم هل نحن نستقي من مورد الإسلام في سلوكنا وعاداتنا وعبادتنا ومعاملاتنا، أم أننا نتمسك بخيوط باهتة ونحسب أننا بلغنا درجة من التقى والصلاح والورع؟
ينبغي أن يكون للإسلام الهيمنة على مجريات حياتنا مهما رأينا في ذلك مخالفة لأهوائنا ورغباتنا ومطامعنا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65) «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جنت به» قال النووي حديث صحيح.
وما كان الإسلام ولن يكون ظلًا باهتًا لا يجد مكانه في مجال الواقع والتطبيق العملي، والذين يظنونه أو يريدونه مغفلون أو مخادعون ومن يخدع الله يخدعه.
إذا كنا ندعى الإسلام حقًا فيجب أن نعتز به كل الاعتزاز، ولا نرضى به بديلًا من فكر دخيل أو قانون بشري ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 1)
والإسلام بحمد الله دين سماوي شامل نظم شئون الفرد والمجتمع والأمة، وأقام كيان دولة إسلامية مترامية الأطراف ترفرف على أرجائها راية التوحيد، تتخذ من القرآن الكريم نظامًا لحياتها ومنهجًا لعملها.
إن المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى الإسلام، وإن المسلمين بالتالي مطالبون بأن يكونوا مثالًا حيًا، وعنوانًا صادقًا للإسلام، حتى إذا ما دعوا إلى الإسلام غيرهم وجد ذلك الغير فيهم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة، وكانوا سببًا مباشرًا في اعتناقهم الإسلام.
وإن علينا كمسلمين سواء كنا حكامًا أو محكومين أن نظهر لغير المسلمين مدى التزامنا وتطبيقنا للإسلام لا أن نسير في فلكهم وتنبع سنتهم، يجب أن نقف من أوامر الله وأوامر رسوله موقف المطيع المستجيب فإنه لا معنى للطاعة إذا كنا نرتكب المنهيات ونفعل المحظورات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: 20)
خطر شيوع المحظورات
ومن المؤسف أن كثيرًا من المحظورات في الإسلام ترتكب وكأنها شيء عادي، ومن أمثلة ذلك التبرج والاختلاط والسفور واللهو المحرم والتعامل بالربا والغش في المعاملات وغير ذلك مما شاع في مجتمعاتنا الإسلامية وأفقدها الإحساس والغيرة والشعور بالخطر.
يجب أن يكون دور الإسلام في الحياة دورًا فعالًا ومؤثرًا لا أن يكون مجرد تعاليم لا يبدو أثرها في السلوك الفردي والجماعي والقيادي كما هو الحال في عالمنا الإسلامي.
إن القادة والمفكرين والدعاة إلى الله مسئولون مسئولية جسيمة، فالقادة يجب أن يكونوا صالحين في أنفسهم، مصلحين لغيرهم بما أتاهم الله من سلطان وقوة «لتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا» رواه أبو داود والترمذي.
وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وعلى الدعاة والمفكرين أن يستغلوا ما أتاهم الله من علم وحكمة، لهداية البشرية وبيان الحق لها حتى تستقيم عليه.
وإن ما تعانيه أمم كثيرة في أرجاء الأرض من آلام وماسي ومتاعب اجتماعية واقتصادية إنما مرده البعد عن منهج الله سواء في الاعتقاد أو السلوك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
ومتى ما صححت الأمة سلوكها واستقامت على منهج الله أفاض الله عليها من بركاته وأبدلها بالرعب والخوف أمنًا واستقرارًا، وبالفقر غنى ورغدًا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف: 96).
إن الالتزام بالمنهج «لا إله إلا الله» مسئولية مشتركة بين الحكومات والأفراد ولا عذر لأحد في التنصل منها، وسيقف الجميع بين يدي حكم عدل يجازي كلًا بما عمل إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (النساء: 9).
وفقنا الله جميعًا حكامًا ومحكومين إلى الأخذ بمنهج الله والتحاكم إليه والبعد عن كل ما يخالفه من قول أو فعل إنه ولي ذلك والقادر عليه .
نفحات ربانية
الرجال بطولات وأفعال لا صور وأشكال
بقلم: جعفر يوسف الحداد
لما جاء المسلمون لفتح مصر توغلوا فيها حتى وقفوا أمام حصن نابليون رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون وأرسل المقوقس يقول: «أبعثوا إلينا رسلًا منكم نعاملهم فبعث إليه عمرو ابن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وكان عبادة شديد السواد ضخمًا طويلًا، وأمره أن يكلم القوم، فلما دخلوا على المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت فهابه المقوقس لسواده وقال لهم: «نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني» فقال رجال الوفد: «إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه» (۱).
وعن زر بن حبيش عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يجتني سواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه (۲) فضحك القوم منه فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- «مم تضحكون؟» قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه»، فقال: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (3).
إن مفهوم التفاضل بين الرجال هو من المفاهيم العظيمة التي استوعبها جيل الصحابة وأتباعهم من القرون الخيرة ونجحوا في تكييف العادات الاجتماعية وتهذيبها لتوافق الأصول الإيمانية فكان ميزان الأفضلية لديهم مستمد من الكتاب والسنة ولا عبرة بعد ذلك بالموازين البشرية التي تحكمها المادة، لقد فقهوا ذلك الميزان العظيم في تمايز وتفاضل الرجال، فكانت القلوب المليئة بالإيمان، والنفوس القوية الشجاعة والبذل والعطاء، والتضحية، والجهاد، هي المعايير التي يرتكزون عليها في تزكية الرجال، وكانت البطولات التي تفرزها المحن وتنجبها الأحداث الجسام هي التي تكشف المعادن، وتظهر الرجولة الحقة، فلا قيمة للأشكال والمظاهر والصور والأموال والمناصب والعائلة والشرف، كل ذلك يذهب أدراج الرياح أمام ثبات الرجال وقوة الإيمان التي تغمر القلوب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ ( النجم: 32) (5).
فتقوى الله والإيمان القوي هما الميزان الذى يقاس به الرجال لا الأجسام ولا المظاهر البراقة.
عطاء بن رباح سيد الفقهاء
كان عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي يأمر المنادي أن ينادي في موسم الحج ألا يفتي الناس إلا عطاء ابن رباح إمام أهل مكة، وعالمها وفقيهها، وكان عطاء بن رياح حبشيًا، وكان عبدًا أسودًا لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاة (٧,٦) وقد تخرج على يديه الألوف من البيض، وهو عندهم محل الإكبار والحب والتقدير، فلا عبرة للسواد ولا للأصل والنسب، ولكن هو العلم الذي شرف به هذا العالم الكبير ووافق ذلك بيئته، تعرف حق العلماء والمصلحين، وتعرف جيدًا أن الرجال بطولات وأفعال لا صور وأشكال، فكان عطاء بن رباح سيد الفقهاء في عصره
الاغترار بالمظاهر الدنيوية
إن كثيرًا من المظاهر الدنيوية الزائفة أخذت تخدع عقلاء البشر وتجعل من الأسافل قادة أفذاذ، وتترك الأمناء الأتقياء أولى الفضائل على هامش الحياة، وما ذاك إلا من جهل الميزان في تقديم الأمين وتأخير المريب، وذلك في غمرة الماديات والمظاهر الدنيوية الزائلة، وتلك هي أحد علامات الساعة، فعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- فيما رواه عن النبي -صلي الله عليه وسلم- له في قبض الأمانة، «حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» (8).
وجاء في الحديث أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: «في الثلاثة الذين تكلموا في المهد» «وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال: «اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع» (9).
وهكذا هو حال كثير من البشر يلهثون وراء المظاهر وكلما توغلت الدنيا في النفوس، واستشرت المادة في أوساط المجتمعات، كلما زاد الخلل في ميزان تفاضل الرجال، غير أن أهل الإيمان الصادق يدركون حقيقة الرجال،ويجيدون التمييز بين الغث والسمين والحق والباطل، لأن المعايير الربانية ثابتة لا تستبدل ولا تتغير، أما موازين العباد فهي عرضة للتغيير والتبديل.
فقه اختيار الرجال
«يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان جالسًا إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءه ذهبًا أنفقه في سبيل الله، ثم قال عمر: تمنوا فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجلًا مثل أبي عبيدة ابن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله»، وهكذا فقه الأولون فقه اختيار الرجال وفق ميزان التفاضل الحقيقي، وهكذا يجب أن يكون الاتباع يزنون الرجال بإيمانهم وبطولاتهم ولا يعيرون المقاييس الأخرى أدنى اهتمام، وبذلك يبارك الله في الجهود ويكتب للدعوة التوفيق والسداد.
الهوامش
١ - كتاب قادة فتح الشام - محمود شيت خطاب ص ٢٥٧.
۲ - تصرفه وتميله.
3- حديث صحيح رواه أحمد.
4-رواه مسلم.
5 - النجم : ٣٢.
٦ - واحدة الباقلاء والباقلي وهو الغول.
7-صفة الصفوة جـ ۲، ص۱۱.
8- رواه البخاري.
9-متفق عليه.
قلب المؤمن أمام أمواج الفتن
تلازم لابد منه ثم يحدث الفراق وذلك بعد انتصار الأول على الثاني أو العكس، وذلك لأنها سنة جارية وأصل ثابت.
يقول سبحانه وتعالى ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2-3) ويأتي القرآن الكريم في عرضه للآية الكريمة ليضرب الحس في أعماق المؤمن ليخبره عن سنة جارية في ماض الجدود ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وتأتي سلسلة الابتلاء والفتن متدرجة من آدم إلى كل إيمان استقر في قلب إنسان وذلك ليمحص، وتتم الاختبارات على ذلك الإيمان لكي تتضح ملامح الصدق ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ويتم بذلك العلو فوق علو الأمواج.
عن حذيفة -رضي الله عنه-، قال كنا عند عمر -رضي الله عنه-، فقال: أيكم سمع رسول الله يذكر الفتنة؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأى قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين»
وبذلك يا أخي يكون اختراق أمواج الفتن مستمر في الحياة ما دام الإيمان في القلب صادقًا وخالصًا لله -عز وجل- فكل نوع من أنواع الفتن يعرض على القلب المؤمن ليتم بعد ذلك القبول أو الرفض وبالأخير تتم النجاة والفتن متشعبة في الحياة كالأمواج العالية في البحار، وكل أنواعها تحول من حال القلب الحسن إلى حالة سيئة، وذلك العرض بدقة وتفنن من قبل الشيطان.
هلاك ثعلبة
وتنوع الفتن عجيب في الدنيا، والدنيا وحدها فتنة للمؤمن بما فيها من زينة وخضرة وجمال ومال، وفي عهد النبوة وجد ثعلبه الذي غرته فتنة المال التي هي إحدى الفتن الموجودة في الحياة، وذلك بغروره بماله، وعدم أدائه للزكاة فكان هلاك ثعلبه وهلاك أتباع ثعلبه من القرون التالية.
معادلة بين الأمواج
يقول الإمام علي -رضي الله عنه- «کدر الجماعة خير من صفو الفرد» وبين أمواج الفتن في الحياة تحتاج يا أخي إلى سفينة تركب معها لتواصل مسيرك إلى بر الأمان، ومن اللا معقول أن تقود السفينة بمفردك بين أمواج عالية الارتفاع فالعيش الجماعي مع صحبة صالحة تهدى إلى طريق الحق وتنتهج سنة المصطفي -صلي الله عليه وسلم- في تربيتها خير معين على مقاومة الفتن المتنوعة، إذ بذلك تعيش داخل جو إيماني مع أهل الإيمان ومهما كان كدر في داخل الحركة الإسلامية فهو خير من العيش في أحضان الدنيا الفانية وليكن شعارك دائمًا في العيش الجماعي «لأن أكون ذيلًا في الحق خير لي من أن أكون رأسًا في الباطل» إذ بحالتك الأولى أقرب إلى جنان الخلود والبعد عن أمواج الفتن.
دعاء مأثور
اعتاد النبي -صلي الله عليه وسلم- أن يردد دائمًا «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فليكن لنا في الرسول الأسوة والقدوة، ولا نغفل هذا الدعاء، ليكون لنا زادًا على هذا الطريق، وحماية لنا من الفتن إذ كل الفتن تهون إلا فتنة الدين لا تهون فتكون القاصمة فلا تنس أن تردد دائمًا «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
خالد عبد الله المسعد
النافذة التربوية
«إني أحبك في الله»
كثيرًا ما يتردد على ألسنة البعض «إني أحبك في الله، ولكن هل هناك جدية لتحمل تبعات هذه العبارة؟ سؤال يحتاج إلى الإجابة بنعم، وإلا كنا كاذبين مع أنفسنا وغيرنا .
أيها الأحباب إن للحب في الله فضائل كثيرة بينها النبي -صلي الله عليه وسلم- فيه يجد الإنسان حلاوة لإيمانه وطعمًا لإسلامه، يقول -صلي الله عليه وسلم- «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان «...» وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» وبه كذلك يحوز المرء على كرم الله، وهو ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «ما أحب عبد عبدًا لله إلا أكرمه الله -عز وجل-» (أخرجه أحمد وحسنه الألباني)، ولا ننسى أيضًا أن المتحابين في الله سيكونون من السبعة المستظلين تحت ظل الرحمن في عرصات يوم القيامة «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» (رواه البخاري) وغيرها الكثير مما لا يتسع المجال في هذه المقالة.
أحبتي الكرام لقد انتبه معلم الجيل لأهمية الحب بين أفراد المجتمع المسلم، وما له من أثر إيجابي تزداد معه قوة الصف المسلم فقال في رسالة التعاليم: «وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار» «رسائل الإمام حسن البنا ص ٣٦٤».
نعم إن عبارة «إني أحبك في الله» يجب أن يكون لها واقعًا عمليًا يترجم المشاعر الصادقة الرقيقة، فهل نحن مستعدون لذلك؟ هل نحن مستعدون لتنقية قلوبنا من الحقد والحسد والضغينة على إخواننا؟ هل نحن على استعداد لأن نتصدق بأعراضنا عليهم؟ هل نحن مستعدون لأن نحسن الظن بهم؟ هل نحن؟ هل نحن؟
فإذا أجبت بنعم فلابد أن يكون هذا الحب صادقًا لا تكلف فيه ولا تصنع، يقول الشاعر:
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خير ير في ود يجيء تكلفًا
وإذا كان حبك لله صادقًا فأبشر يا أخي الحبيب بمنابر من نور أعدت خصيصًا للمتحابين في الله يقول الحبيب المصطفي -صلي الله عليه وسلم- «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
أخي في الله نريد منك إخاء حقيقيًا، وحبًا صادقًا من القلب تتحقق فيه شروط الأخوة وقبل أن تذهب وتخبر أخاك بحبك له، تأكد من هذا الشعور، هل هو لله أم لشيء غيره؟ ولتعلم أن علاقة بنيت على باطل فمصيرها إلى زوال، وعند الشدائد تتبين صدق الدعاوى.
دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة
بل في الشدائد تعرف الإخوان.
عبد اللطيف محمد الصريخ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل