العنوان الإسلام والكونجرس«5» _السطحية عند صانعي السياسة الأمريكي
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 918
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 30-مايو-1989
ركزنا في الحلقات الأربع الماضية على
الخطابين اللذين ألقيا أمام لجنة شؤون أوروبا والشرق الأوسط التابعة للكونجرس
الأمريكي أثناء مناقشته لما يسمونه بالأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي. كما
عرضنا تفصيلًا للتقرير الذي قدمه السفير «هيرمان اليتز» لهذه اللجنة. وستقف في هذه
الحلقة على مسألة الاتهام الذي وجهه «اليتز» لصانعي السياسة الأمريكية بالسطحية
واللامعلومات في شؤون الإسلام والأصولية الإسلامية .
والشخصيات الجديدة التي شاركت في
الحوار وسترد أسماؤها في هذه الحلقة هي: « توم لانتوس» عضو الكونجرس عن ولاية
كاليفورنيا « وهاري ريد» عن ولاية نيفادا «وبنيامين جيلمان» عن ولاية نيويورك.
أولًا: السطحية واللامعلومات عند صانعي
السياسة الأمريكية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي.
وجه السفير « أيلتز» اتهامه هذا لهؤلاء
المسؤولين الأمريكيين وقد أثار هذا الاتهام استياء رئيس اللجنة وبعضًا من أعضاء
الكونجرس, وأصر رئيس اللجنة « لي هاملتون» و«هاري ريد» عضو الكونجرس على التأكد من
أن السفير يعني هذا الاتهام وأنه موجه بصفة خاصة إلى «شولتز» وزير الخارجية وقتها
وإلى مستشار الأمن القومي.
وقد دار الحوار على النحو التالي: رئيس
اللجنة إنني نادرًا ما أتحير في سؤال الشهود لكن الموقف يختلف هذه المرة فأنا أمام
عدد من التقارير التحليلية الموضوعية والدقيقة من الناحية التاريخية لكنها تتناول
بعض القضايا المحيرة للعقل وتدعوني إلى الوقوف عندها. السؤال موجه إليك يا د/
اليتز في ص ۳۷ من تقريرك قلت ما نصه إن القضايا المتعلقة بالأصولية الإسلامية كانت
تعالج على مستوى سياسة يصيغها افراد سطحيون وعلى غير معلومات بهذه القضايا بصفة
خاصة». حسن.. طبقًا لما تقول فإن هؤلاء الأفراد الذين يعالجون هذه القضايا على
مستوى السياسة هم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي وأنه لمن سوء الفهم أن نجد
ضابطًا سابقا يعمل في الخارجية الأمريكية ويعلم تمامًا أن وزير الخارجية ومستشار
الأمن القومي إنما يعتمدان على عدد كبير من الفنيين والخبراء ثم يصفهما بالسطحية
واللامعلومات. على وجه التخصيص هل أنت تشير إلى «شولتز» بأنه سطحي وعلى غير
معلومات، أني أقول ذلك لأنه قد اقترح على هذه اللجنة أن تعالج هذه القضية بواسطة
«الوزير نفسه» أو ما كفرلين سواء بسواء.
د/ اليتز: سيدي... أنا لم أشر إلى وزير
الخارجية أو مستشار الأمن القومي بالذات. نوم لانتوس معذرة للمقاطعة... دعني أقرأ
لك مقولتك الخاصة أنك وضعت مقولة أمام لجنة استماع للكونجرس وأنت شخص ذكي جدًا
وعلى مستوى رفيع من العلم وذو خبرة عريضة ولهذا فإن عليك أن تجيب على هذا السؤال
الذي طرح عليك والذي جاء في مذكرتك.. وأني أكرر لك مقولتك أن القضايا المتعلقة
بالأصولية الإسلامية كانت تعالج على مستوى سياسة يصيغها أفراد سطحيون وعلى غير
معلومات بهذه القضايا بصفة خاصة
» .
د/ الينز: نعم توم لانتوس: إنني سعيد
جداً بهذه الاجابة... دعني أكن واضحًا في هذا الموضوع خاصة وأنا أتحدث من خلال سنوات خبرتي الخاصة وأعرف إلى أي مدى يمكن
أن تتوفر هذه المعلومات كثيرة أو قليلة.. حينما تصعد هذه المعلومات إلى المستويات
العليا لا بد وأن تكون مستوعية بدرجة
عالية.. وأني أعرف أيضًا من خلال خبراتي الخاصة التي تشملها قضايا الأصولية في كل
مكان إن الصعوبة تكمن في محاولة العثور على هؤلاء الأشخاص ذوي المستوى العالي جدًا
في هذه المسائل.. وهي صعوبة كنت أواجهها أنا وزملائي طيلة هذه السنوات... دعنا لا
نتحدث عن الماضي. إن الشعب الأمريكي مهتم بما حدث الآن على أرض بيروت.. وكما قرأت
في تقريرك، وجدت أنك بدلًا من أن تلوم خاطفي الطائرة الأمريكية، بدلًا من أن تلوم
هؤلاء السفاحين والمجرمين الذين قتلوا في بروتام شابًا أمريكيًا وألقوا بجثته
بعيدا أجدك تتحدث عن السطحيين وغير ذوي المعلومات على مستوى السياسة. هذه هي
القضية التي أريدك أن تتحدث عنها
.
د. الينز: سيدي . لقد كتبت مقولتي هذه
قبل حادث خطف الطائرة.
توم لانتوس: هذا شيء عسير الفهم. أنت
تشير إلى اختطاف الطائرة.
د. السيتز: نعم فعلت ذلك بالطبع. لكني
كنت مشغولًا بتنقيح هذا التقرير حتى الصباح.. وأنا مثلك تمامًا، لقد وجدت أنت في
أعمال الخاطفين أنها تستحق الشجب وأنا أيضا كذلك، وأود أن أضيف إلى ذلك يا سيدي
أنني كنت بنفسي ضحية واحدة من هذه الأفعال الإرهابية وأني المتعاطف بشدة مع هؤلاء
الذين يعيشون هذه المواقف... ماذا أقول يا سيدي حينما تأتي إلى قضية الإسلام،
ونترك موضوع الاختطاف جانبًا فإننا نجد أن الأصولية الإسلامية كانت تحيط بنا قبل
اختطاف الطائرة. وأنه لمن الصعب جدًا بل هو فوق العادة أن تجعل مسؤولين على أعلى
مستوى في الحكومة مهتمين بهذه المسألة. إنهم ليس لديهم الوقت الكافي لذلك، إن قضية
شمولية الدين بحيث يكون عاملًا مؤثرًا في السياسة لا تشغل حيزًا في تفكيرنا وما
كان ذلك يحدث أبدًا, هذا هو يا سيدي الموضوع الذي صنعت من خلاله مقولتي توم
لانتوس: دعني ألخص الموضوع د/ الينز من فضلك افعل ذلك.
توم لانتوس: من هؤلاء الأفراد السطحيون
ومن غير ذوي المعرفة على مستوى صوغ السياسة في الخمس عشرة سنة الماضية الذين كانوا
يعالجون هذه القضايا؟
د/ اليتز: من بين هؤلاء الذين عرفتهم
في هذه السنوات أتذكر الآن رئيس جمهورية أو وزير خارجية.
توم لانتوس: أو مستشار الأمن القومي.
د/ اليتز أو مستشار الأمن القومي.. أني
أتحدث عن أفراد عملت معهم عن قرب.. لم تكن لديهم أي معلومات عن الإسلام وماذا يعني.
توم لانتوس: تعني أنهم كانوا سطحيين
وعلى غير معلومات
!
د/ اليتز في الإسلام نعم, في الإسلام
نعم (ص 75-77)
ثانيًا: التصورات الأمريكية عن علاقة
الإسلام بالماركسية واعتقادهم بأن عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اشتراكيًا.
اشترك في الحوار في هذه النقطة إلى
جانب السفير «ايلين» والدكتور «اسبو سيتو» عضو الكونجرس عن ولاية نيفادا «هاري
ريد» ودار الحوار على النحو التالي:
هاري ريد: هناك سؤال يرتبط بمناقشاتنا
لقضايا الأصولية الإسلامية: هل الاصوليون منجذبون إلى الماركسية وبأي طريق؟
د/ الينز: في ضوء خبرتي يا مستر ريد
أقول أننا إذا استخدمنا مصطلح الماركسية في حدود الاشتراكية يكون الجواب بنعم..
هناك رغبة عند بعض الأصوليين في العودة إلى نموذج المجتمع الذي كان سائدًا في عهد
النبي «صلى الله عليه وسلم» والخلفاء الراشدين الأربعة الأول.
:دعنا نقول بمعنى آخر العودة إلى نموذج
القرن السابع والثامن.. وقد كان هذا المجتمع في الواقع اشتراكيا بطبيعته «؟»
فالثروة المتوافرة توزع على الناس والفقراء يحصلون على الثروة من الأغنياء. ويرى
العديد منهم في ضوء ذلك وليس كلهم إن هناك تطابقا بين الإسلام والاشتراكية. أما
فيما يتعلق بمسألة الإلحاد فهذا شيء مرفوض عندهم تماما وواضح.. أما الجانب
الاشتراكي من الماركسية فهو مقبول عند العديدمنهم يا سيدي.
هاري ريد: د/ اسبوسيتو: منذ عشر سنوات
كنا نسمع تعبيرًا يقول «اشتراكية إسلامية ذات وجه غربي» لكنهم الآن حساسون تمامًا
لمثل ذلك ولهذا فهم يستخدمون عبير «العدالة الاجتماعية الإسلامية » وهم يؤكدون أن
الله وضع قيودا في الإسلام على الثروة والاستهلاك. ولكني أود الإشارة إلى أنه إذا
نظر الواحد منا عبر امتداد العالم الإسلامي بصفة عامة فإننا نجد أن رد فعله تجاه
الماركسية وارتباطها بالسوفيات سلبي علىالمستوى الشعبي.
أما الحكومات الإسلامية فهي على درجة
عالية من الوعي بخطورة الاقتراب الشديد مع السوفيات وعلى الرغم من وجود مستشارين
سوفيات كما كان الحال في مصر وفي البلاد الإسلامية فهناك مسافة حقيقية بين
الإسلاميين والأيديولوجية الماركسية.
ثالثًا: إدراك الأمريكيين لاختلاف فهم
الإسلام في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان عن الفهم الأمريكي لها, واعترافهم بأن
وضع اليهود في ظل الدولة الإسلامية كان أفضل من وضعهم تحت الدولة المسيحية
واعتقادهم بعدم نضوج الدول الإسلامية في تحديد مسألة علاقة الدين بالدولة وبالعلم
وإرجاعهم ذلك الحداثة استقلال هذه الدول وافتقارها إلى النموذج والخبرة والصراع
والمعارك بين الدين والدولة والعلم. يكشف الحوار الآتي والحوار الذي سبقه أن
السطحية واللا معلومات عن الإسلام هذه التي اتهم بها السفير صانعي السياسة
الأمريكية أمر لا يقتصر عليهم فقط بل على جميع هؤلاء الذين يناقشون هذه القضية حتى
وإن بدا على حوارهم شيء من العقلانية، وقد يفهم من اتهام السفير للآخرين بالسطحية واللامعلومات
عن الإسلام أنه أقدر منهم في هذه المسائل وذلك بحكم خبرته التي يفتخر بها وبأنه
قضى في هذا العالم الإسلامي خمسًا وثلاثين سنة. ويمكن القول إن السفير يكون محقًا
إذا نفى عن نفسه تهمة السطحية في شؤون العالم الإسلامي وألصق هذه التهمة بالآخرين.
لكن هذه السطحية واللا معلومات تلازمه إذا ادعى أنه خبير بالإسلام, وتظهر هذه
السطحية بوضوح في قوله إن عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان عهدا اشتراكيا. فذلك
ينم على أنه لم يفهم هذا العهد في ضوء الإسلام وشريعته وأنها انحصر فهمه له في ضوء
المفاهيم العصرية السائدة فكان حتما أن يصل إلى هذه النتيجة طالما أن مثل هذا
الفهم يسيطر على تفكيره.
كما تكشف عبارات السفير عن موقف شخصي
سطحي تجاه الإسلام وخاصة في قوله كما سيأتي في الحوار أنه لا يأمن على دينه في ظل
دولة إسلامية أصولية حتى لو أعلنت المساواة بين الناس, وتبدو سطحية هذا الحكم هنا
في أن السفير قد استخرجه من أي مصدر غير الإسلام نفسه ذلك الذي لو رجع إليه العلم
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بأنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فلا
يفتن عنها, وأن اللمة تعنى العهد بمعنى أن تسير في معاملتهم حسب أحكام الإسلام وأن
لهم ما لنا من الإنصاف وعليهم ما علينا من الانتصاف وأن علينا أن نرفق بهم ونحميهم
وأموالهم وأعراضهم وأن تضمن لهم قوتهم ومساكنهم وكسوتهم.
وقد كان الدكتور «اسبوسيتو» أكثر
موضوعية وجرأة من السفير في الاعتراف بأن اليهود نالوا من المكانة في ظل الدولة
الإسلامية ما لم ينالوه في ظل الدولة التي تعتنق دين السفير ذاته. وقد اعترف
اليهود أنفسهم بأنهم كانوا ينعمون بهذا التسامح حتى عهد الدولة العثمانية بل إن
هذا التسامح هو الذي مكنهم من التآمر ضد العرب وضد دولة الخلافة، وكان الدكتور
اسبوسيتو جريئا وموضوعيًا أيضًا في اعترافه بأن مفهوم الدولة الإسلامية في التعامل
مع غير الإسلاميين كان في زمانها مفهومًا متقدمًا ومن ثم فإن الحكم عليه بمعايير
اليوم التي لا تجعل لحقيقة الدين وزنا هو الذي جعل السفير يقول مثلما قال. إلا أن
هذه الموضوعية والجرأة لا تنفي السطحية واللامعلومات من الدكتور «إسبوسيتو» وهي
أشد خطرًا من سطحية السفير لأنه بدأ بافتراض صحيح اعتمد فيه على مقدمات لا تنطبق
على القضية التي يعالجها فانتهى إلى نتائج سطحية تمامًا كشفت عن جهل عميق بهذا
الدين الذي أتى من أجله إلى لجنة الكونجرس ليدلي بشهادته عنه.
نبه الدكتورأسبوسيتو الحاضرين إلى أن الدولة
الإسلامية لا بد وأن تكون دولة أيديولوجية ومن ثم لا بد وأن تطرح مسائل حقوق
الأقليات وتوضع في الاعتبار وهل من حقهم الوصول إلى مناصب رئيس الدولة وقاضي
القضاة وقائد القوات المسلحة, وهذه التساؤلات في تصورنا خالية من المعنى ولا محل
لها طالما أنه حدد من الأصل أنها دولة أيديولوجية ذلك إذا سلمنا بصحة مفاهيمهم ولو
كانت لديه بعض من المعلومات عن الدين لعلم أن هناك نهيًا جازمًا يفيد التحريم بأن
يكون الكافر حاكمًا على المسلمين. أما في مسألة قاضي القضاة التي استشهد فيها
«اسبوسيتو» بأن رئيس القضاة في باكستان كان كاثوليكيًا رومانيًا فإننا نقول إنه لم
يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين قاضيًا للقضاة ولا الخلفاء الأربعة وكان
أول قاض وصف بهذا الوصف هو القاضي أبو يوسف الكندي المجتهد المشهور صاحب أبي حنيفة
وصلاحية تعيين رئيس الدولة لقاضي القضاة من المباحات إلا أنه يشترط فيه ما يشترط
في القاضي وما يشترط في الحاكم وهي شروط سنة يزيد عليها أن يكون من أهل الفقه أي
أنه يشترط في قاضي القضاة أن يكون رجلًا بالغًا حرًا مسلمًا عاقلًا عدلًا من أهل
الفقه. أما عن قيادة الجيش فإن الشرع يوجب أن يكون قائد الجيش الفعلي هو رئيس
الدولة أما غير القيادة من الأمور الفنية أو الإدارية فإن لرئيس الدولة أن يعين من
ينوب عنه ليقوم بها, وقد كان الرسول «صلى الله عليه وسلم» يتولى بنفسه قيادة الجيش
الفعلية وكان يتولى قيادة المعارك وكان يعين قادة على فرق الجيش التي تخرج للقتال
دون أن يكون هو معها وهي السرايا. أي أن رئيس الدولة «المسلم شرطًا» يعين قائد
الجيش وأمراء ألويته ويعقد لهم اللواء ويعين قادة الفرق كما كان يفعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وأضاف اسبوسيتو بأن الحديث عما يسميه
بالدولة الإسلامية الحديثة قد يطرح سؤالًا حول الحاجة لإعادة التفسير الديني
لتوسيع مفهوم الدولة الإسلامية الموجهة أيديولوجيا بخصوص توسيع حقوق وواجبات غير
المسلمين.. ولم يكن اسبوسيتو موفقًا في هذا الطرح والسبب في ذلك أنه فهم الدولة
الإسلامية في حدود فهمه للأيديولوجية التي يمكن تطبيقها وتوسيعها حتى تتفق
ومتطلبات العصر أما الدين فإن العصر هو الذي يجب أن يتكيف وفقًا لقواعده ولا يتكيف
هو لقواعد هذا العصر التي تعدل من حين لآخر.
أما قمة السطحية في فكر «اسبوسيتو» فهو
تصوره كما سيأتي في الحوار بعد بأن العالم الإسلامي عالم لم ينضج وأن ربط هذا
العالم للدين والدولة إنما كان لأنه لم يمر بعد بنفس الخطى التي سار عليها الغرب
من صراعات ومعارك المرت في النهاية عن الفصل بينهما .
و يعني مثل هذا التصور أن «اسبوسيتو»
ينظر إلى الإسلام بنفس نظرته إلى المسيحية ولهذا يتخيل أن العالم الإسلامي لا بد
وأن يمر بنفس مراحل الصراع التي مر بها الغرب بين الدين والدولة والعلم، ويتم هذا
التصور عن نقص في تفكير «اسبوسيتو» عن الإسلام، فالإسلام ليس كالمسيحية ينحصر في
العبادات أنه يعم ويشمل المعاملات والعقوبات وكل ما يدخل في اختصاص المحاكم
والوزارات ومجالس النواب والشيوخ فهو عبادة وشريعة تنفيذ ودفاع.
أن اسبوسيتو يعلم هذا لكنه يبدو لنا
أنه لا يعتبر ذلك أمرًا حقيقيًا في الإسلام بل يظنه أفکارًا تؤمن به الحركات
والتنظيمات الإسلامية لا غير. هذا بالنسبة للدولة أما بالنسبة للعلم فهو يفهم
العلاقة بين الدين والعلم في حدودها النصرانية التي يفترقان فيها، ولا يفهمها في
حدود العلاقة بينهما في الإسلام حيث يتساند فيها الدين والعلم ولا يتوقع مطلقا أن
تحدث ثورة من إحدهما على الآخر كما حدث في الغرب.
وهذا هو نص الحوار الذي دار حول هذه
القضية واشترك فيه مع رئيس الجلسة واليتز واسبوسيتو عضو الكونجرس عن ولاية نيويورك
«بنيامين جيلمان». رئيس الجلسة نحن نرحب تمامًا بضيوفنا المشتركين في النقاش وعلى
وجه الخصوص السفير اليتز الذي أتيحت لنا فرصة الالتقاء معه منذ عدة سنوات في ما
وراء البحار بالنسبة إلى مسألة التطابق بين الأصولية الإسلامية والديمقراطية
والمساواة بين الناس والأجناس هل تشعر أن هذه الأصولية تتطابق مع الديمقراطية ومع
فهمنا الحقوق الإنسان وخاصة مع غير المسلمين.
د/ الينز لا أنا لا أعتقد أنها تتطابق
مع فهمنا الحقوق الإنسان وللممارسات الديمقراطية والمساواة بين الناس والأجناس
وإنما هناك ادعاء دائم «؟» في الإسلام أن الناس يعيشون تحت ظله متساوون ولا تفرقة
بينهم على أساس الجنس. أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فلهم وضع الناس,
والمشكلة هنا كما أقف عليها من خبرتي أن ادعاء مساواة هذه الفئة من غير المسلمين
بالمسلمين أمر يخضع لتفسيرات القادة ورجال الدين في البلاد الإسلامية. المسيحيون
والمسلمون والمسيحيون واليهود وغيرهم... هذه الفئات قد تكون لها حقوقًا معينة
ولكنها منذ أن تقبل سيادة الدولة الإسلامية يتحول أفرادها إلى مواطنين من الدرجة
الثانية ويستثنون بذلك من واجبات معينة «كالخدمة في الجيش مثلًا» وبالرغم من ذلك
فهم مواطنون من الدرجة الثانية. أحيانًا يكون هناك تسامح معهم وأحيانًا لا يكون,
وبالنسبة لي أنا «فأني كمسيحي لا أئتمن على معتقدي كمسيحي في ظل أي حكومة أصولية
إسلامية مهما كان ادعاؤها بإعلان المساواة بين الناس».
جیلمان د/ اسبوسيتو أود أضافة شيء إلى
ما قيل بادئا بالقول بأن هناك تفسيرات مختلفة للديمقراطية كالقول بأن هناك حقوقا
داخل ديمقراطية ما. ولكن يجب أن نتذكر ونحن نتحدث عن الدولة الإسلامية بأننا نتحدث
عن دولة أيديولوجية وهذا من شأنه أن يطرح أسئلة تتعلق بحقوق الأفراد والأحزاب
السياسية في هذه الدولة ومن ثم نتساءل ما هي هذه الحدود في الأيديولوجية الإسلامية
لهذه الدولة ؟
إنني أتفق مع السفير ايلتز فيما يقال
اليوم عن الوضع القانوني التقليدي لغير المسلمين أنهم من منظورنا اليوم - مواطنون
من الدرجة الثانية, لكن أيام كانت هذه الدولة قائمة كانت هذه النظرة متقدمة على
وجه التأكيد. فالوضع القانوني لليهود - على سبيل المثال - كان أفضل تحت ظل الدولة
الإسلامية إذا ما قارناه بوضعهم تحت دولة مسيحية.
وإذا تحدثنا اليوم في قضية الدولة
الإسلامية الحديثة فإن السؤال هنا: هل هناك حاجة لإعادة تفسير ديني التوسيع مفهوم
الدولة الإسلامية الموجهة أيديولوجيا فيما يتعلق بوضع المواطنين غير المسلمين. إن
توسيع حقوق وواجبات غير المسلمين في دولة ذات أيديولوجية إسلامية يطرح أسئلة صعبة
من هؤلاء الذي سيشغلون الوظائف العليا في الدولة؟ هل يمكن أن يكون رئيس الدولة غير
مسلم وكذلك رئيس القضاة أو قائد الجيش؟
هناك استثناءات قد حدثت فرئيس المحكمة
العليا في پاکستان كان كاثوليكيًا رومانيًا في جمهورية إسلامية لكني أعتقد أن
المسلمين لم يكونوا راضين عن ذلك.
هناك مسألة هامة يجب أن نضعها في
الاعتبار حينما نتحدث عن العالم الإسلامي، إن الغرب على سبيل المثال قد مر بعدة
قرون حتى استطاع أن يضع تعريفًا لفكرة الدولة القومية الحديثة وما نجم عن ذلك من
أفكار تتعلق بالنظام السياسي والقانون المعاصر وتحديد علاقة الدولة بالدين والعلم.
وقد توصل الغرب إلى هذه الأفكار بعد معارك سياسية وفكرية وثورات وسفك دماء استمرت
عدة قرون.
وهذه الفرصة من الإصلاح وتحديد المصير
الفكري والسياسي لم تتح للمسلمين، لقد ظهرت البلاد الإسلامية بعد قرون من
الاستعمار الأوروبي ولا تعد سنوات استقلالها إلا بالعشرات.
وقد تحقق الاستقلال في مختلف البلدان
الإسلامية في ظل توجه علماني، ولهذا فإن المسلمين أو النشطين الإسلاميين على الأقل
هم الآن في مفترق الطرق, وحينما نعرف دولة ما بأنها موجهة إسلاميًا يحتاج الواحد
منا إلى أن يتصور نماذج معينة وخبرات ونمو هنا واختلاف هناك أنها تجربة لا بد أن
تأخذ طريقها عبر معارك وصراعات «ص ۸۱ - ۸۲».
تكشف فقرات هذا الحوار أن المتحاورين
متفقون على أن قيام الدولة الإسلامية أمر متوقع والإ لما ناقشوا ما ستؤول إليه
أوضاع الأقليات غير الإسلامية بها، ومن الواضح أنهم يناقشون هذه القضية في ضوء
مفهومهم عن الديمقراطية. وقد أشرنا سابقا أن السيادة - وإن كانت مصطلحًا غربيًا -
فإنها ليست في الإسلام للشعب وانما هي للمشرع فالدولة لا تسير بإرادة الفرد أو
الأمة وإنما تسير بأوامر الله ونواهيه ورئيس الدولة لا ينفذ أوامر الأمة إنما ينفذ
كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أي ينفذ الشرع وهي نقطة لم يدركها
المتحاورون - بعد في قضية الإسلام - الذين يصرون على النظر إلى هذا الدين في ضوء
مفاهيمهم الخاصة.
«يتبع»