العنوان سياسة الاحتواء في الخليج.. احتوت مَنْ؟
الكاتب محمد عليمات
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 101
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
في عددها الأخير خصصت مجلة الشؤون الخارجية حيزًا كبيرًا لمناقشة السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، وبالأخص ما يعرف بسياسة الاحتواء المزدوج، تلك السياسة الرامية لعزل وتهميش دور كل من إيران والعراق إقليميًا ودوليًا، وفي هذه السطور نعرض لأهم أراء أربعة من بين ستة أشخاص كتبوا في الموضوع، الأول مسؤول أمريكي سابق، والثاني مسؤول إيراني سابق، والثالث والرابع من الباحثين المعروفين بمحاولة تحري الموضوعية.
في مستهل مقالته ركز مستشار الأمن القومي الأسبق زبجنيو بريجنسكي على الأهمية القصوى لمنطقة الخليج في السياسة الأمريكية وحيوية المنطقة التي لا تضاهيها منطقة أخرى لاحتوائها على النفط الذي يشكل عصب الحياة والضامن الأساسي لديمومة حركة عجلة الصناعة الغربية، من ناحية أخرى فمنطقة الخليج جزء من منطقة الشرق الأوسط التي تتضمن الالتزام الأمريكي بوجود وتفوق إسرائيل الاقتصادي والعسكري في المنطقة، لذلك فإن أي تطورات في منطقة الخليج سيكون لها آثار مباشرة على طيف من المصالح والقضايا التي تهم المصلحة القومية الأمريكية- حسب رأي الكاتب– إلى جانب ما يسميه بريجنسكي بالإرهاب والتطرف الديني، وسعي الإدارة الأمريكية دون تملك دول المنطقة لأسلحة الدمار الشامل.
ولضمان المصالح الأمريكية يعرض بريجنسكي لسياسة الرئيس الأمريكي كلينتون في ولايته الأولى والقائمة على مبدأ الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق، والتي يرى بريجنسكي أنها سياسة غير قابلة للديمومة، وتتطلب تسخير مقدرات مالية ودبلوماسية ضخمة لكفالة تأمين تأييد دولي لها، فصدام حسين ما يزال في السلطة بالرغم من هزيمته منذ ست سنوات، كما أن التحالف الدولي ضد العراق أخذ في التلاشي، بالمقابل فإن سياسة الاحتواء المزدوج المطبقة ضد إيران أدت إلى تقارب وثيق بينها وكل من روسيا والصين، إلى جانب توثيق صلات إيران بالدول الآسيوية والإفريقية، وبعض الدول العربية. من ناحية أخرى فإن الوجود العسكري الإيراني في منطقة الخليج ترتب عليه تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية.
ویرى بريجنسكي أن الفترة الرئاسية الثانية لكلينتون، والانتخابات الإيرانية في الشهر الماضي لا بد أن تعطي الرئيس الأمريكي فرصة لمراجعة سیاسته تجاه إيران، إن أول خطوة في سبيل تلك المراجعة تأتي من خلال النظر بكل موضوعية ووضوح للمشكلات الحقيقية في الخليج، فأمريكا كما يرى بريجنسكي ترى نفسها في مواجهة مع نظام بوليسي في العراق، يقوده ديكتاتور، إلا أنه مقيد حاليًا، بالمقابل فإن أمريكا تجد نفسها في مواجهة دولة أخرى «إيران» بمعدلات اقتصادية وعسكرية وتاريخ توسعي عريق، إلى جانب احتلالها موقعًا استراتيجيًّا في الخليج ذا علاقة جيواستراتيجية بأوروبا وآسيا الوسطى، من هنا فإن بريجنسكي يرى أنه إذا كان العراق يشكل خطرًا آنيًا وبسيطًا على المصالح الأمريكية؛ فإن إيران تشكل خطرًا حقيقيًّا وتحديًّا جيواستراتيجيًّا عظيمًا.
ويستعرض بريجنسكي في مقالته تاريخ العلاقات الأمريكية الخليجية موضحًا أن أمريكا قد ورثت النفوذ الإنجليزي في المنطقة متعهدة بضمان أمن المنطقة، معتمدة على حليفتها إيران، على أن ذلك التحالف قد انهار بحلول الثورة الإيرانية والعداء المتبادل والواضح بين البلدين، بالمقابل فإن العراق حظي بكل الدعم لضمان صموده أمام المد الثوري الإيراني، على أن ذلك الدعم قد توقف بتوقف الحرب، ودخول العراق الكويت صيف ۱۹۹۰م، وبمجيء كلينتون عام ۱۹۹۳ ووجه بتحدي ضمان أمن الخليج ضمن متغيرات متعددة منها تمزق الاتحاد السوفييتي، والهيمنة الأمريكية، وسعي أمريكا لعزل دول الرفض، ومؤتمر مدريد، وعملية التسوية إلى جانب متغيرات أخرى. من هنا فإن سياسة كلينتون في المنطقة ارتكزت على مبدأين:
الأول: دعم عملية «السلام».
الثاني: سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق.
هذان المبدأن رأت أمريكا أنهما مكملان لبعضهما البعض، أما فيما يتعلق بطبيعة سياسة الاحتواء المزدوج، فإن بريجنسكي يرى أنها لا تشكل حلاً بعيد المدى لمشكلات استقرار الخليج، وإنما سياسة ذات صبغة مؤقتة رامية لعزل قوتين إقليميتين بكل ما يتطلب ذلك من ديمومة العقوبات الاقتصادية، وفرض الحظر الجوي، من هنا فإن الصعوبات المصاحبة لتطبيق تلك السياسة تجعل منها سياسة غير موفقة، ويبدو واضحًا أن السياسة الأمريكية في الخليج تعاني من فوضى واضحة، وعدم التمكن من بناء سياسة واضحة المعالم تجاه دول المنطقة.
من هنا يرى بريجنسكي أنه لابد من مراجعة تلك السياسة، فعلى الصعيد العراقي يرى بريجنسكي أن معظم القرارات الدولية ضد العراق لا يمكن لأمريكا تطبيقها ثنائيًّا، إلى جانب آثارها السلبية على الشعب العراقي، على أن بريجنسكي لا يطالب برفع العقوبات، وإنما التخفيف منها، إلى جانب مطالبته بالتزام أمريكا بوحدة أراضي العراق، وضرورة استشارة أمريكا لحلفائها في المنطقة، وإعلان استعدادها للتعامل مع أي نظام بعد صدام حسين، حتى ولو ظهر من الجيش، أو من حزب البعث، كما أنه يرى أن أمريكا يجب أن تلجأ إلى معاقبة النظام العراقي إذا سعى لامتلاك اسلحة الدمار الشامل.
وفيما يتعلق بإيران، يرى بريجنسكي أنه تم رصد مواطن القلق التي تبديها أمريكا حيال مواقف إيران من الإرهاب الدولي، وامتلاك الأسلحة النووية، ومعارضتها لمشاريع التسوية على أن محاولة إيران امتلاك الخيار النووي هو العامل الرئيسي الذي توجب معارضته والتصدي له. من ناحية أخرى يرى بريجنسكي أن أمريكا لا بد لها من إبداء شيء من المرونة وإعطاء حوافز تشجيعية تسمح لإيران بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مقابل تشديد الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية، كما هو الحال بالنسبة للتعامل مع كوريا الشمالية، من هنا يرى بريجنسكي أن سياسة الاحتواء ضد إيران- كانت ولاتزال- سياسة فاشلة، لا تحظى بدعم أوروبي ولا أسيوي، وإنما تستجيب فقط لرغبات الكونجرس الأمريكي الجمهوري، والهادف فقط لحماية مصالح إسرائيل في المنطقة، نظرًا لخضوعه لضغط جماعات الضغط اليهودية، فسياسة الاحتواء أدت إلى عزل الولايات المتحدة نفسها، وحرمانها من الاستفادة من الثروة البترولية لا سيما في آسيا الوسطى، إلى جانب إيران، من هنا يخلص بريجنسكي إلى القول بفشل سياسة الاحتواء، ويطالب بضرورة إجراء تعديلات جوهرية تستهدف من ناحية الإطاحة بالنظام العراقي أو تغييره، تمهيدًا لإعادة العراق لدوره في النظام الإقليمي، أو من ناحية أخرى اتباع ما يسميه بسياسة التبادل الخلق Creative Tradeofes مع إيران تمهيدًا أيضًا لإعطاء إيران دورها الحقيقي في النظام الإقليمي، نظرًا للفشل الذريع الذي تعاني منه السياسة الأمريكية في الخليج.
المقالة الثانية كتبها جابنقير اموزیقار Jabangir Amuzegar وزير المالية في عهد الشاه، وهو يشاطر بريجنسكي رأيه في أن سياسة الاحتواء ضد إيران لم تؤد- كما كان مرجوًّا منها- إلى شل النظام الإيراني تمهيدًا للإطاحة به، فالأداء العسكري والاقتصادي الإيراني في عام ١٩٩٧ يبدو أفضل بكثير مما كان عليه عام ١٩٨٩م. فسياسة الاحتواء كانت سياسة أمريكية من جانب واحد، ولم تحظ بدعم حلفاء أمريكا الأوروبيين، مما أدى إلى فشلها، فقد عارضت الدول الأوروبية معارضة فعالة للقوانين الأمريكية ضد إيران وليبيا وغيرهما، وهددت باستخدام عقوبات مماثلة ضد المنتجات الأمريكية ومصالح أمريكا الاقتصادية إذا أصرت الولايات المتحدة على مواقفها الرامية إلى تطبيق قوانينها المحلية على الصعيد الدولي. من ناحية أخرى فإن معظم دول العالم ترى أن سياسة الاحتواء الأمريكية ضد إيران سياسة متحيزة، تخلو من أي مصداقية أو موضوعية، وعليه فإن سياسة الاحتواء محكومة بالفشل، وعليه أيضًا فإن أموزيقار يقترح أربعة خيارات للتعامل مع إيران:
الأول: إنهاء العقوبات الاقتصادية، وغض الطرف عن التصرفات الإيرانية، إلا أنه يرى أن هذا الخيار لا يبدو أنه حصيفًا ولا عمليًا.
ثانيًا: على الجانب الآخر ربما تسعى أمريكا للخيار العسكري للإطاحة بالنظام الإيراني، وهذا الخيار أيضًا لا يبدو أنه يحظى بدعم عالمي.
ثالثًا: تشديد شامل للعقوبات الاقتصادية على مستوى ثنائي، على أن هذه السياسة قد تؤتي ثمارًا على المدى البعيد، إلا أنها تتضمن إحياء العداء القومي الإيراني للولايات المتحدة، والذي ستوظفه القيادة الإيرانية لغايات دعم النظام محليًّا.
الخيار الأخير: هو سعي أمريكا «لترتيبات عملية» مع دولة غير مخلصة كإيران، فالقيادة الحاكمة في إيران– كما يرى أموزيقار– تنتمي إلى أقلية البازار التجارية، والتي بطبعها تهتم بالثروة والقوة، وليست الأيديولوجية، فقد قبل الإمام الخميني عام ١٩٨٨م وقف الحرب مع العراق لغايات الاحتفاظ بالقوة، مما يدلل على الطبيعة العملية للنظام الإيراني، من هنا يمكن لكلا الدولتين أن تلتقيا حول مصالحهما، والتي بالضرورة تتضمن استقرار أمن الخليج، فليس من مصلحة إيران أيضًا عدم استقرار المنطقة وجرها إلى حروب لا تخدم مصالحها ومصالح دول المنطقة.
من هنا يقترح أموزيقار:
أولًا: مواصلة الحوار السري الأمريكي الإيراني.
ثانيًا: امتناع الأطراف لا سيما الولايات المتحدة عن التقدم بلائحة تعجيزية لتغيير السلوك الإيراني.
ثالثًا: إعطاء إيران حوافز تشجيعية للتعاون بما في ذلك تسهيل حصول إيران على قروض مالية من المؤسسات الدولية المالية، إلى جانب حوافز أخرى.
ويستخلص أموزيقار أن الولايات المتحدة يجب أن تقتنع تمامًا بفشل سياسة الاحتواء، والتي إذا ما أصرت أمريكا على اتباعها لن تجني الثمار المطلوبة، حتى ولو انتظرت إلى عام ۲۰۲۰م وما بعده، وتجارب أمريكا مع الصين وكوبا وكوريا الشمالية وغيرها خير دليل، من هنا لابد لها من تعديل سیاستها تجاه إيران لاتباع سياسة عملية إيجابية، قائمة على احترام المصالح المختلفة لكلا البلدين.
المقالة الأخيرة لكل من فوللر Fuller ولسر Lesser المؤلفين، يؤيدان اموزیقار وبرجنسكي فيما يتعلق بفشل سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق، فبنظرهما أنها سياسة فاشلة، لم تؤد الأغراض المرجوة منها، وتتضمن أطروحات نابعة من الحرب الباردة، ثبت فشلها في العقود القليلة الماضية. من ناحية أخرى يرى فوللر ولسر أن أهم نقاط ضعف سياسة الاحتواء هو مساواتها وموازاتها لنظامين مختلفين «إيران والعراق» يتطلبان رؤى وسياسات مختلفة، فإيران دولة تنطلق في تعاملها من مصالحها القومية، وتسعى للمحافظة على الوضع الراهن إقليميًّا، إلى جانب محافظتها على أمن واستقرار وازدهار المنطقة، في الوقت الذي فقدت فيه أمريكا توازنها واعتدالها في التعامل مع إيران، مما أفقد السياسة الأمريكية لمصداقيتها ولأي دعم مرتجى من حلفائها، فسياسة الاحتواء سياسة غير موفقة لاستبعاد أمريكا نفسها لمبدأ الحوار والتنازلات والسياسة العملية وخضوعها لضغوط داخلية غير ملمة بطبيعة المصلحة القومية الأمريكية، من هنا يدعو الكاتبان إلى مجموعة من الطروحات أهمها:
أولًا: إعادة نظر شاملة لسياسة أمريكا في الخليج، بما في ذلك البعد عن المعتقدات والصور غير الواقعية لكل من إيران والعراق.
ثانيًا: التشاور بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين واليابان فيما يتعلق بسياستهما في المنطقة حول ما يسميه الكاتبان بمبدأ المشاركة الاستراتيجية والهادف لرسم سياسة بعيدة المدى لمصالح الأطراف المختلفة في المنطقة.
ثالثًا: الدعوة لعودة كل من إيران والعراق لأخذ دورهما الطبيعي في النظام الإقليمي، بهدف ضمان أمن واستقرار وازدهار المنطقة.
رابعًا: لا بد للسياسة الأمريكية من تقبل مبدأ التغيير في الخليج بما في ذلك احتمال تغيير نظم الحكم.
يتضح من هذا العرض الموجز إجماع المشاركين على مبدأ فشل سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكي تجاه كل من العراق وإيران، ومطالبتهم جميعًا بضرورة قيام الرئيس كلينتون ببناء سياسة خليجية واضحة المعالم، تقوم على مبدأ التعاون والتفاهم بين أمريكا من جهة ودول المنطقة بما فيها إيران والعراق.
كما أن السياسة الأمريكية الخليجية محكومة بتغيرات ذات صلة وثيقة بتشريعات صادرة عن الكونجرس الأمريكي الجمهوري الواقع تحت ضغط جماعات معادية لإيران والعراق، ولا تنظر لسياسة أمريكا من منظور المصلحة القومية والاهتمامات المشتركة لدول المنطقة.
إن نجاح الدبلوماسية الإيرانية في بناء جسور من الصداقة القائمة على مبدأ المصالح المشتركة مع الدول الآسيوية والإسلامية والأوروبية وبعض الدول العربية، واستضافة إيران لمؤتمر القمة الإسلامية في نهاية هذا العام يشير إلى عدم تأييد دول العالم للسياسة الأمريكية تجاه إيران.
أما فيما يتعلق بالعراق، فإن تلك السياسة أيضًا لن تدوم إلى الأبد، ومبدأ التغيير مبدأ أساسي في حياة الأمم والشعوب، ومن هنا لا بد للإدارة الأمريكية من إعادة النظر في سياستها تجاه الخليج، ولا بد لدول الخليج نفسها من التأقلم مع هذا التغيير، والتعامل معه من مبدأ المصالح القومية والمشتركة لجميع الأطراف.
([*]) باحث في المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث- واشنطن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل