العنوان لا إله إلا الله منهج حياة
الكاتب عبدالمجيد حامد
تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 983
نشر في الصفحة 38
الأحد 05-يناير-1992
1- هذا المخلوق المسمى بالإنسان هو
المقصود من هذا الوجود! به تعمر الأرض أو تخرب، ويصلح المجتمع أو يفسد! هذه قضية
دارت عليها أفكار الناس بين القبول والرد، فليست هي من قضايا البديهة التي لا
تحتاج إلى برهان، بل من قضايا الفكر التي تحتاج إلى الاستدلال.
بعض
المفكرين والقادة عكسوا هذه القضية فاعتبروا صلاح الحياة يبتدئ من الأشياء، ولم
يروا الوجود إلا «مادة» حتى «الفكر» المجرد جعلوه وليد المادة، وعكس
القضية آخرون فقالوا: الفكر المجرد هو أصل الوجود، فالمادة كانت أفكارًا
ومثلًا ثم تحققت في صورة مادة، وهؤلاء جعلوا موضوع العلم هو «المفاهيم» الذهنية المجردة وحدها، بينما أصحاب
الرأي الأول رأوا أن ليس شيء يصلح موضوعًا للعلم إلا المادة، إذ ليس في
الوجود إلا المادة.
وبالنظرة
الفاحصة نجد القولين مجرد آراء تفتقد الروابط التي تربط شتات الأجزاء، أجزاء
العالم، وتلك الروابط التي تحقق الثبات والتي بدونها لا يكون المدرك علمًا لفقد
الروابط التي تحقق الثبات الذي هو الصفة الرئيسية في العلم والتي تعلل للنظام
الكلي الجامع الرابط لشتات أجزاء العالم.
2- ومنهج الإسلام في التربية والإصلاح وفي
البحث العلمي أنه لا يدخل في الجدل الفلسفي النظري المجرد، بل يمزج حقائق
الفكر بحقائق الوجود، ويسلك بهما المسلك العملي الذي يثمر الثمرات العملية،
وعلى المفكر بعد ذلك إن أراد أن ينظر وأن يرجع بالثمرات العملية والنتائج
المحسوسة إلى المجردات العقلية والكليات النظرية.
3- وبهذا المنهج يتجه الإسلام اتجاهًا
قاصدًا إلى الوجود المحسوس ثم ينفذ منه إلى علته لا يقف عند ظواهر المادة ولا
عند كيفيات هذه الظواهر ولا عند قوانينها، إن الوقوف عند الظواهر والكيفيات
والقوانين يجيب عن السؤال: كيف؟ ولكنه لا يجيب عن السؤال: لم؟ والعلم الكامل هو ما
أبان علل الأشياء وضروراتها، فربط المعلومات المادية بعللها يصيرها علمًا كاملًا
وجديرًا بالبقاء ويجعل نتيجة البحث متفقة وإيجابية العقل.
4- عرفت الحضارة المعاصرة جواب كيف؟ فعالم
الكيمياء يشرح «كيف» تتفاعل المادة.. فإذا سألته لم يحدث
هذا التفاعل؟ وما الغرض منه؟ ومن أين للمادة هذا الاستعداد؟ لا تجد لهذه الأسئلة
الباحثة عن العلة جوابًا، وقل مثل ذلك في كل علم.
ونحن-
المسلمين- عندما نقلنا علوم الحضارة الحاضرة وقفنا من هذه الأسئلة عند موقفهم
تقليدًا ونسيانًا للمنهج الإسلامي فلم تثمر عندنا شجرة العلم، ولو أننا انطلقنا من
منهج الإسلام لأثمرت الشجرة وأينع جناها وأتممنا علوم الحضارة كما فعل أسلاف
لنا قبل.
5- لقد أخذ الإسلام بأيدينا وساعدنا على
النفاذ من المادة إلى علتها الأولى وسرها المكنون والعلة العامة لكل هذا الوجود
الذي من المحال أن يفهم إلا بها ألا وهي الله.
6- ومن فوائد الإسلام أنه لم يلزم الإنسان
بالإيمان الإلجائي ولا بالإيمان الإكراهي! لأن كليهما لا مجال للعقل ولا للعلم فيه..
الإيمان الإلجائي يكون عن طريق معجز محسوس خارج عن مجال العقل، فلم يكن دليل
الإسلام ناقة تخرج من صخر، ولا نارًا لا تحرق، ولا عصا تنقلب حية تسعى...
والإيمان الإكراهي يكون عن طريق القهر والجبر.. في نفي الإيمان الإلجائي يقول
القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت:51)، وفي نفي الإيمان الإكراهي
يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256(، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ
النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99).
7- ومسايرة للمنهج الإسلامي يأخذ الإسلام بمنهج
الافتراض في أكبر قضاياه وهي قضية وجود الله.. افترض أن ليس للوجود إله والحياة
مادة، افترض أن للكون إلهين، ثم انظر: هل تتفق النتائج وإيجابية العقل وواقع الحس؟
يقول القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا
يُوقِنُونَ﴾ (الطور:35-36).. استقراء تام ينحصر في ثلاثة فروض: أن
يكونوا خلقوا من غير خالق وهو فرض يبطله العقل فليس في العقل مفعول إلا له فاعل،
فما داموا قد خلقوا من غير خلق.. الفرض الثاني (هم الخالقون)،
وهو
فرض يبطله- مع العقل- الحس والمشاهدة، إذ لم نشاهد إنسانًا يخلق إنسانًا، ولا
ادعى ذلك أحد والقول بذلك: جمع بين النقيضين إذ يستلزم أن يكون المعدوم موجودًا
قبل أن وجد حتى يوجد ويخلق، فلم يبق إلا الفرض الثالث وهو وجود الخالق غير المخلوق المغاير
للكون والإنسان.
8- في عقيدة التوحيد قال: ﴿لَوْ كَانَ
فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء:22) ههنا لازم وملزوم:
اللازم الفساد، والملزوم وجود إلهين والقاعدة: أن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم،
والفساد ممتنع بشهادة الحس فامتنع ملزومه وهو: وجود إلهين بحكم العقل.
إلى
هذا الحد يحترم الإسلام عقل الإنسان وخبرة إحساسه ويتنزل بهذه القضية الكبرى إلى
منهج الافتراض وأنتم تعلمون أنه منهج مسلم في علوم الرياضيات والعلوم
التجريبية.
9- ينتهي الإسلام من هذا الافتراض العقلي
الاختياري إلى تقرير الحقيقة التي شهد بها العقل والحس وهي: أن للكون خالقًا
واحدًا ليس هو الكون ولا جزءا منه، وبذلك يتقرر وجود الله الخالق والكون المخلوق، وههنا
دقيقة يجب التنبه إليها، وهي أن العالم يعرف تعريفًا يؤكد هذه الحقيقة، ذلك أن
تعريف العالم أو العالمين هو: كل ما سوى الله! فقد احتاج (العالم) في تعريفه إلى نسبة التضاد
إلى الله.. ومعنى ذلك: دلالة الله على العالم وليس دلالة العالم على الله، لكن لا
تكون الدلالة على هذا الوجه إلا عند الفكر اليقظ في أعلى درجات اليقظة، وعلى ذلك
جاء جواب الرسل كلهم على إنكار المنكرين: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي
شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود:62) فكان جواب الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم:10) فنفوا الشك في وجود الله
وجعلوا وجوده بديهة لا تحتمل الشك ثم جعلوا فطر السموات والأرض صفة له والصفة
في تقرير العقل تابعة للموصوف، والموصوف في تصور العقل سابق على الصفة، لكن هذه
القضية البدهية حجبتها حجب من طبيعة الإنسان الأرضية فصارت لیست مجهولة للنفس
الإنسانية كل الجهل، فيكون البحث عنها مستحيلًا، ولا معلومة كل العلم
لجميع الناس فيكون البحث عنها عبثا وتحصيل حاصل.. إنما هي قضية فطرت النفس البشرية
عليها وعلمتها قبل أن تلبس البدن ثم حجبتها بعض الحجب من طبيعة المادة فجاء
الإسلام يرفع الحجب ويعيد النفس الإنسانية إلى فطرتها..
10-
ومن دون سائر أجزاء العالم يتجه التنزيل الإلهي إلى «الإنسان» بالتكليف، فيتقرر وجود
ثلاثة: (الله- العالم- الإنسان) فكيف كان تقرير الإسلام للعلاقة بين: الله
والعالم والإنسان؟ يوضح القرآن أن العلة هي العلة الأولى لكل شيء وأنها
سر بقاء كل شيء وأنها سبب نظامه ﴿اللَّهُ خَالِقُ
كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الزمر:62)، ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ (فاطر:41).
ثم
يوضح أن علاقة الإنسان بالكون هي علاقة (السيد) الذي سخر الله له هذا الكون،
وأن وظيفته فيه عبادة الله وخلافته في الأرض وعمارة الوجود بكل صالح.
11- باب الإيمان إذن وقيمة الإنسان وصلاح الوجود- باب ذلك في
الإيمان بهذه القضية اعتقادًا وعلمًا قضية لا إله إلا الله! لماذا؟
أ-
لأنها تجيب عن سر التماسك والتناسق العام في هذا الكون.
ب-
ولأن «لا إله إلا الله» وضعت العلاقة بين الله
والكون والإنسان في وضعها الصحيح الذي عرف لكل قدره، فالله وحده الخالق المعبود والإنسان
هو العابد والكون مسخر.
ج-
ولأن «لا إله إلا الله» المنطلق الصحيح والباعث
القوي لحركة الإنسان في حياته فمبدؤه من الله ووظيفته- عمره- خلافة الأرض بمنهج
الله، وإلى الله منتهاه فيكون (الله) مبدؤه ومعاده، وعلى
ذلك جاء وصف الله بأنه ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (الحديد:3)
وعليه جاء الخبر ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ (النجم:٤٢)
فكل شيء عليه ابتداء وكل شيء إليه مصيرا، وعليه كذلك جاء الأمر ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي
وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163) وتلك حقيقة
التوحيد.
12-
ولا تتم هذه الحقيقة إلا بثلاث: (نفي وإثبات) و(فناء وبقاء) و(براء وولاء)، نفي
للإلهية عن كل شيء وإثباتها لله وحده، فليس يكفي لتحقيق التوحيد أن يقال: الله
معبود إذن لابد من النفي والإثبات، ولذلك لما قال ﴿إِلَٰهُكُمْ
إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (البقرة:163) اتبعه بقوله: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ
الْحَيُّ﴾ (البقرة: 255)، أما الفناء والبقاء فهو أن تفنى عن مرادك وعن هواك
ليكون مرادك هو ما يريده الله.
أما
البراء والولاء فهو أن تتبرأ من تقديس الأشياء إلى تقديس الله وحده قال الله عن
إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (الزخرف:26-27)،
وقال عن محمد عليه السلام ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).
13- إذا حقق الإنسان حقيقة التوحيد على هذا
الوجه تحقق له مجموع المقومات:
أ-
التوازن النفسي الذي يحقق له السعادة والسكينة والصحة النفسية: إن جل الأزمات
وأمراض النفس ترجع إلى بعد الإنسان عن الحقيقة الإيمانية المتمثلة في الإيمان
بالله الذي بيده مفاتح الغيب والذي قدر كل شيء وقضاه والذي بيده الخير كله، والذي
يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. إن حصر الإنسان نفسه في عنصره المادي وحصر
طلباته في المادة والشهوة ومحاولة إشباعها دون سر الروح وأشواق القلب هو المسؤول
الأول عن أزمات النفس البشرية وهو دافعها الأكبر إلى الضيق والانتحار.
ب-
اليقين بأنه «لا إله إلا الله» يحقق للإنسان كماله الإنساني لأنه بها
يخلع عن نفسه معرة التذلل لغير الله ويخلع عن غيره صفة التقديس التي تفرض ذاك
التذلل، وهذه الفائدة تحقق للمجتمع مبدأ المساواة التي تجعل البشر سواسية كأسنان
المشط فلا يعلو أحد بطغيان سلطان ولا يرفعه أحد بسبب زلفى ولا يخلع عليه تسعة
وتسعين اسمًا كأسماء الله كما فعل ذلك لبعض الطغاة!
ج-
وبالإيمان بأنه «لا إله إلا الله» يحصل للبشرية التكامل الإنساني- التكامل
الإنساني في معنويات الحياة ومادياتها، فيصبح التعاون على البر والتقوى ورعاية
المصالح والتكافل وإشاعة الخير والتواصي بالحق والصبر.. فريضة يفرضها الإخاء
الإنساني، والإخاء الإنساني العام أحد فرائض الإيمان في دين الإسلام بما قرر من
وحدة بني الإنسان وكان إطعام الطعام وقراءة السلام على من عرفت ومن لم تعرف خير
أعمال الإسلام في بيان رسول الإسلام وكان نشر العلم على العالم فريضة محكمة، وكانت
الشركة في الطعام، كذلك بيانها في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو
يعلم».. وهو الذي يفسر لنا تطبيق
السلف عندما أهدي إلى أحدهم رأس شاة مشوية، فبعث بها إلى أخ له يعلم حاجته، فما
كان من الثاني إلا أن بعث بها إلى ثالث، ومازال من ترسل إليه يبعث بها إلى آخر حتى
طيف بها على تسعة بيوت ثم عادت إلى الأول!
د-
وبهذه الفائدة (الكمال الإنساني) وبفائدة التكامل الإنساني يحصل الإنسان: الرقي
السياسي، والرقي الاقتصادي، بعد تحقيق كماله الديني.
إن
استبداد المستبد إنما ينبت ثم ينمو لأنه لا يجد من يقول له: لا.
لقد
وضع الإسلام قاعدتين ذهبيتين هما سر سلامة المجتمع وبراحه من الطغيان والاستبداد: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، «إنما الطاعة في المعروف».
ولو
اتبع المسلمون هاتين القاعدتين لما نبغ فيهم مستبد، ولما طغى شعب على شعب، ولما
خضعت شعوب لمستعمر ولا لغاصب ولا لغاشم ظلوم.
أما
قضية الإصلاح في الأرض فهي أيضًا من قضايا الربوبية، لأن الله أنشأ الإنسان من
الأرض واستعمره فيها، فإذا طغى الفساد كان مصادرة لمشيئة الله، وإذا صادم هذه
المشيئة واحد ورضي عن فعله المجتمع عمهم الله بعذابه.. إن الذي قتل ناقة صالح فرد
واحد، فلما سكت مجتمعه استأصلهم الله (وثمود فما أبقى( (النجم51)، ﴿فَدَمْدَمَ
عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا. وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (الشمس:14-15)
فلتستقم عقيدتنا على «لا إله إلا الله» لتستقيم لنا الحياة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل