العنوان رسالة الحج.. والخروج من الواقع المؤلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 74
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 9
السبت 31-يناير-2004
في هذه الأيام المباركة يعيش المسلمون من كل أنحاء الدنيا أجواء فريضة الحج استجابة لأمر الله ودعوة أبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37)؛ تلك الفريضة التي ترقى بنا فوق المادة والشهوات، وتشيع فينا روح الجماعة, وتذكي فينا التعاون على البر والتقوى، والبعد عن الإثم والعدوان، كما أنها تأخذ بأيدينا للإقبال على الآخرة، وتجعلنا في حالة انصياع كامل لأوامر الله تعالى مع تدبر حكمتها ومقاصدها، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وتؤكد لدينا أهمية الإخلاص والتجرد, وتعودنا على الضراعة إلى الله في خشوع وخضوع، وتوجهنا إلى التضحية والفداء, والعمل الدؤوب في ثبات على الحق ورد الظلم, والعسف الذي تعيشه الشعوب هذه الأيام.
فما أحوجنا إلى التحلي بهذه القيم والمعاني، فهي الأساس الحقيقي للنهوض والتقدم والرقي. إن الأمة العربية والإسلامية تمر في هذه المرحلة بمنعطف خطير، إذ تواجه تحديات كبيرة تستهدف عقيدتها وهويتها وأخلاقها وأمنها وسلامتها, وخصوصيتها الثقافية وميراثها الحضاري.. ويسعى المشروع الغربي إلى الربط بين الإسلام من جانب, العنف والإرهاب من جانب آخر، وبالتالي يسوغ لنفسه المطالبة بإغلاق المدارس الدينية, وتغيير المناهج الإسلامية وإلغاء مفردات ونصوص ومعان يرى أنها لا تتفق مع مصالحه، وتغيير الخطاب الديني والثقافي حتى تتحول الشعوب العربية والإسلامية إلى مسخ شائه، لا تحدد لنفسها هدفًا ولا تعرف لها غاية.. كما يعمل المشروع الغربي على إشاعة ثقافة الاستسلام، والخلاعة والمجون, والترف والاستهلاك, والسطحية في التفكير, والاهتمام بسفاسف الأمور والغوغائية, وهو ما يجب أن نتنبه له, ونستعد لمواجهته بكل السبل والوسائل المشروعة المتاحة في مختلف المجالات والميادين, وأهم تلك الوسائل التي أقرها علماء الأمة ومفكروها والمخلصون من رجالها، والتي جاءت كذلك في رسالة المرشد العام للإخوان المسلمين السيد محمد مهدي عاكف:
أولًا تقوى الله تعالى في السر والعلن، والإقبال على الله تعالى بقلوب صادقة، ونفوس عامرة بالإيمان، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، وبخاصة قيام الليل. وبعد الثقة في الله، الثقة في قدرة الأمة – بعون الله تعالي - على تخطي الصعاب، ومواجهة التحديات، وبلوغ الغايات.. وعلينا أن نأخذ بأسباب النهضة التي تتمثل في قوة الإرادة, وعلو الهمة، ودقة التخطيط, وسلامة الوسائل، ووضوح الأهداف، ثم تفويض الأمر لله تعالى.
التخلق بأخلاق الإسلام من بذل وتضحية وفداء وإيثار وسماحة ولين.. وهجر المعاصي والذنوب والآثام, ما ظهر منها وما بطن.
العمل على إحياء ثقافة المقاومة في مواجهة الاستسلام، والجد في مواجهة الهزل, والادخار في مواجهة الاستهلاك، والأمل في مواجهة اليأس, والإقدام في مواجهة الإحجام، والإيجابية في مواجهة السلبية, والأخلاق في مواجهة التحلل, والحفاظ على الهوية في مواجهة الذوبان في ثقافة الغير.
الاجتهاد في تفعيل مؤسسات المجتمع الأهلي، من أجل خلق رأي عام قوي وضاغط يكون قادرًا على استرداد الحقوق في مواجهة الاستبداد من ناحية, وعلى مقاومة التحديات الكبرى محلية أو إقليمية أو عالمية من ناحية أخرى.
تمسك الأمة بحقوقها ضد الاستبداد والطغيان، وأن تعطى اهتمامًا خاصًا بملف الحريات العامة؛ لأنه لن يستطيع أي مجتمع أن ينطلق وهو مكبل بالأغلال. وعلى الحكومات والأنظمة العربية والإسلامية مسؤوليات ضخمة يجب أن تضطلع بها تجاه دينها وأوطانها وشعوبها، وعلى المخلصين أن يذكروهم بها دائماً، فالعمل على اتخاذ كافة الإجراءات للنهوض بالمجتمعات وحمايتها من المخططات الرهيبة التي تحاك ضدها، يجب أن يكون من صميم اهتماماتها وعلى قمة أولوياتها، خاصة أننا في عالم لا يعترف بغير القوة في كافة الميادين العسكرية والاقتصادية والتقنية والإعلامية وغيرها، كما أننا في عالم يسعى إلى تكوين كيانات كبيرة، لذا من الضروري أن يعمل الحكام على إزالة المعوقات التي تحول دون التكامل الإستراتيجي والاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية, بما يحقق التلاحم بين الشعوب والبدء بإجراء إصلاحات سياسية حقيقية تؤدي إلى مشاركة الشعوب في صنع حاضرها ومستقبلها وتقرير مصيرها.
إن لدى الأمة إمكانات هائلة تحتاج إلى من يستخدمها ويوجهها ويوظفها بما يعود عليها بالنفع, ويوم أن يشعر المواطن أن له قيمة في وطنه وأن حقه مصان, وكرامته محفوظة، فسوف تتفجر طاقات الإبداع لديه، ويشارك بإيجابية في صنع حياة كريمة ومستقبل أفضل.
إن المشروع الغربي لم يعد يخفي نواياه تجاه المنطقة كلها، فقد أقام القواعد العسكرية، ويسعى للسيطرة على أكبر مخزون للنفط العالمي، ليقوم بسلب خيرات الأمة وثرواتها.. وها هو ذا يهدد ويلوح بضرب أية دولة لا تذعن لمطالبه.
هذا المشروع يعد العدة لتفكيك المنطقة، وإعادة تشكيلها من جديد على نحو يحقق مصالحه وأهدافه، وكثير من الأنظمة العربية والإسلامية غير مدرك لما يحيق به، أو كان الأمر لا يعنيه، أو ينظر إليه وهو عاجز عن فعل شيء.
إن الأمل- بعد الله تعالى- في تضامن الشعوب والحكومات, وألا تأخذها في الله لومة لائم، وأن تثبت على الدين والعقيدة, وتنهض لمواجهة تلك المخططات, فهي إذا لم تنهض في الوقت المناسب، فسوف تقع الكارثة لا قدر الله.. فماذا هم فاعلون اليوم قبل الغد؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل