; بين العمل الجماعي والدور الفردي «2 من 2».. وجوب الدعوة فردًيا | مجلة المجتمع

العنوان بين العمل الجماعي والدور الفردي «2 من 2».. وجوب الدعوة فردًيا

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003

مشاهدات 105

نشر في العدد 1582

نشر في الصفحة 66

السبت 27-ديسمبر-2003

التكاليف الشرعية تطال كل فرد بدليل قوله تعالى ﴿وَإِن كُلٌّ مِّن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا 94 وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا 95﴾ (مريم: 95:93). وقوله ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

(المدثر: 38) وقوله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ( الأنعام: 164).

وبدليل قوله: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئاً».

وجوب العمل والدعوة جماعياً:

حجية عمل الرسول والأنبياء في جماعية العمل: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» (الأحزاب: 21) حجية عمل الأنبياء في جماعية العمل، وقول موسى لربه: «وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي» «طه: 29».

الخطاب القرآني: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[ سورة الأنفال: 45]، و «وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (آل عمران: 104) و «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [ المائدة: 2].

صعوبة البناء ومشاق عملية التغيير تفرض الجماعية مصداقاً لقوله تعالى: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ» «القصص: 35».

صعوبة التحدي وجماعيته تفرض الجماعية: «انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «التوبة: 41».

الجماعية ضمان للاستمرار: "أبرك الأعمال أدومها".

الجماعية ضمان للجودة: "لن تجتمع أمتي على ضلالة".

الجماعية تضمن الاستقامة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ «الكهف: 28».

الدور الفردي في العمل الجماعي من شروط العمل الجماعي:

كتبت وكتب الكثيرون عن العمل الإسلامي الجماعي، عن وجوبه وضرورته، وأنه السبيل الوحيد لاستنهاض الأمة وعودتها إلى ممارسة دورها الرسالي في هداية البشرية وقيادتها إلى الطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور. وكان يُشار دائماً ويؤكد على أن القاعدين عن العمل الجماعي متخلفون عن الركب، راضون بالحياة الدنيا من الآخرة، فارون من الزحف، معطلون لفريضة الجهاد، وأنهم بذلك آثمون يتحملون وزر قعودهم وتخليهم.

أذكر يومها، وكان ذلك في الخمسينيات والستينيات، أن الوافدين إلى ساحة العمل كانوا يعملون، وكان لكل منهم دور بحسب طاقاته وإمكاناته. وكنا ندرك آنذاك أن العمل الجماعي هو مجموع الأدوار والمهمات الفردية لأعضاء التنظيم. كان التركيز يومها على أن العمل للإسلام تكليف رباني، يطال الأفراد فرداً فرداً، وأن التنظيم إنما هو مفعل لهذه الأدوار الفردية، مصنف ومخطط لها وموجه إياها في جوانب العمل المختلفة.

كان الجميع يعمل، وكان كل فرد على ثغرة من ثغرات العمل، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

مناهج التربية عبر المحاضن الدعوية الحركية كانت تركز على ذلك، على دور الفرد في تربية نفسه وأهل بيته، وعلى مسؤوليته في نشر دعوته في محيطه ومجتمعه، وعلى قيامه بالواجبات المناطة به بحسب الخطط الموضوعة والسياسات المرسومة.

كان هذا قائماً يوم لم يكن هنالك ما يسمى صحوة إسلامية، يوم كان الإسلام في قفص الاتهام، وكان الإسلاميون قلة، والدعاة نذراً يسيراً. لو عدهم العاد يومذاك - على امتداد العالم الإسلامي - لأحصاهم.

هكذا انطلقت ورشة العمل الجماعي من خلال مشاركات الجميع، وبجهود الكل على تواضعها، ولكنها صادقة مع الله، مخلصة لله، مضحية بكل شيء، مستعذبة الموت في سبيله، معتلية أعواد المشانق، فرحة بلقاء الله، شعارها الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وشعارها:

إن حيينا فعلى مجد أصيل

أو فنينا فإلى ظل ظليل

حسبنا أنا سنمضي شهداء

ولما تغير الحال، وانجلت المحنة، وسقطت رايات الجاهلية، واختفت معظم الحركات الظلامية عن ميادين العمل، لم يثبت في الميدان إلا «حركة الإخوان» كما جاء في كتاب «يا ولدي هذا عمك جمال» لأنور السادات. كان ذلك إيذاناً ببداية صحوة إسلامية عمت أرجاء العالم، في أعقاب انهيار الفكر القومي، والاشتراكي، والشيوعي وغيره.

لم يأتِ هذا من فراغ وبدون دفع ثمن، فلقد بذل رجال الحركة الإسلامية دماءهم رخيصة في سبيل الله، وهم واثقون بأن إخوانهم من بعدهم ماضون ومنصورون، وأنهم هم الغالبون بإذن الله. أولم ينظم أحدهم هذه الأبيات وهو في طريقه إلى المشنقة:

أخي ستبيد جيوش الظلام

ويشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك أشواقها

ترى الفجر يرمقنا من بعيد

فهل كنا على مستوى هذه النعمة وهذا العطاء؟ الكلام يطول إنما أريد أن أبقى ضمن دائرة العنوان المحدد «الدور الفردي في العمل الجماعي»:

- ماذا أصاب هذا الدور؟

- لماذا تراجع وانحسر وتعطل الدور الفردي في نطاق العمل الجماعي؟

- لماذا قلة من الأفراد مستهلكة وكثرة منهم متفرجة، إن لم تكن معرقلة ومثبطة؟

هل يعود السبب إلى أن الفئة الممسكة بمقاليد الأمور لا تتابع الأفراد ولا تشجع المبادرات الفردية؟ أم يعود إلى أن الكثرة مات لديها الحس بالمسؤولية لانشغالها بالدنيا وعرضها الزائل؟

أسئلة كثيرة مطروحة في وجوهنا جميعاً، قيادات وأفراداً، تنتظر إجابات محددة وواضحة وحلولاً ناجعة.

من الملامح والآثار المرضية لهذه الظاهرة تكدس الأعمال والأعباء فوق كاهل عدد من الأشخاص، واستحالة قيامهم بها على الوجه الصحيح. تكاثر الأخطاء في مسيرة العمل واهتزاز الثقة بالتنظيم. نشوء حالة من اللامبالاة في صفوف القاعدة، يخشى أن تتحول تدريجياً إلى عصيان وتمرد، انكفاء وهروب، ويمكن أن تنتهي بترك العمل نهائياً، إن لم يكن بتحريك الفتن وشق الصفوف.

من العوامل التي تساعد على الخروج من هذا الحال:

- مواكبة سنة التطور التي تفرض إعادة النظر في المناهج والسياسات والوسائل والآليات تبعاً لتغير الظروف على قاعدة أن لكل مرحلة مقتضياتها وفقهها، وهي ليست سواء.

- صياغة المناهج التربوية بما يجعلها ملامسة لجوهر التربية وأهدافها الدعوية والحركية والسياسية، وملاحظة أثرها في واقع حياة الأفراد وليس فقط في واقع حياة الحركة.

- وضع مناهج وآليات لتطوير الخطاب الإسلامي، وتنظيم دورات ميدانية لتحقيق ذلك.

- ملاحظة دور الأفراد الإنتاجي في العمل الجماعي، مما يؤدي إلى استيعابهم وإشراكهم في عملية الإنتاج.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2060

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟