العنوان إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك.. رسائل وتداعيات
الكاتب أحمد الشلقامي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-2015
مشاهدات 67
نشر في العدد 2090
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 01-ديسمبر-2015
- "بوتين" متأثراً: إسقاط الطائرة طعنة في الظهر.. و "أوغلو" يرد: لن نسمح بانتهاك أجوائنا
- رسالة تركيا لروسيا: لسنا راضين عن تدخلكم لكننا لم نكن في وضع يسمح بقول ذلك والآن اختلف الوضع
- روسيا استهدفت لفترة طويلة جبل التركمان الذي يمثل حاضنة التركمان المقاومين لنظام "بشار الأسد" وذلك برغم ما تعلمه روسيا عن التحالف بين تركيا والتركمان
لم يكن حادث إسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو التركي مجرد موقف دولي، ضمن سياق الحالة التي تشهدها المنطقة من القتال والعنف والصراعات الدائرة، إنما عنوان لرسائل كثيرة أراد على ما يبدو الجانب التركي أن يوصلها.
قبل أيام من نهاية نوفمبر الماضي، أعلنت وسائل الإعلام إسقاط طائرة روسية على الحدود التركية، وهو ما تبعها إعلان لبيانات وتصاريح من الجانبين، كان أهمها قول "بوتين" في حضور العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني: "إن هذه الحادثة تمثل طعنة في الظهر"، فيما أعلن الجانب التركي على لسان رئيس الوزراء "داود أوغلو" أن أي انتهاك لأمن وحدود تركيا سيواجه بالتصدي والحزم، ليخرج رأس الدولة "رجب أردوغان" في لقاء متلفز ليقول: روسيا تتحمل المسؤولية تجاه انتهاكها الأجواء التركية، وإن تركيا لن تعتذر وترفض اتهامات الروس.
ما بعد الانتخابات
"لسنا راضين عن تدخلكم، لكننا لم نكن في وضع يسمح بقول ذلك، والآن اختلف الوضع".. ربما هذه هي الرسالة الأولى التي أراد الأتراك أن يقولوها؛ وهي أن الانتخابات التركية شرعية جديدة وقوة دفع للعدالة والتنمية أن يستمر في نهجه بعد أن خفت قليلاً صوته على وقع الانتخابات البرلمانية في مرحلتها الأولى التي لم يحسمها العدالة والتنمية، وكانت تركيا على شفا اضطراب قوي، ربما دفعها للتأجيل والتروي في رفض بعض التدخلات القائمة مثل التدخل الروسي في سورية، والذي مثَّل انتهاكاً صريحاً لأمن تركيا القومي، خاصة مع توسع عمليات الروس ضد بعض الجبهات والمدنيين وعلى حدود تركيا.
الرسالة الثانية كانت موجهة بالأساس للتنظيمات التي تدور في فلك تركيا، وعلى رأسها التركمان الذين يمثلون عمق تركيا في داخل سورية، حيث الامتداد العقائدي والتاريخي، بجانب التجانس السياسي، فروسيا استهدفت لفترة طويلة جبل التركمان الذي يمثل حاضنة التركمان المقاومين لنظام "بشار الأسد"، وذلك برغم ما تعلمه روسيا عن التحالف والتعاون والوثيق بين تركيا والتركمان، واعتبرت تركيا على ما يبدو ما تقوم به روسيا من انتهاكات بحق التركمان استفزازاً مباشراً لها انتظر الفرصة ليكون ردها مباشراً وصريحاً.
وكانت تركيا في نوفمبر الماضي دعت إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن لمناقشة الهجمات على التركمان في سورية، بعد أيام من استدعاء أنقرة للسفير الروسي للاحتجاج على القصف "المكثّف" لقراهم.
وقال مسؤول تركي: إن نحو 1700 شخص هربوا من المناطق الجبلية في سورية في منطقة بايربوجاق أو جبل التركمان في ريف اللاذقية بشكل خاص إلى الحدود التركية، بسبب المعارك، وذكرت المصادر أن رئيس الوزراء "أحمد داود أوغلو" أجرى مشاورات بشأن البعد المخابراتي للمسألة مع قائد القوات المسلحة، ومدير وكالة المخابرات الوطنية.
إعادة التوازن
على ما يبدو، فإن تركيا أرادت أن توصل رسالة أيضاً للمجتمع الدولي بشأن ما يحدث على صعيد المشهد السوري، فدخول الروس بقواتهم في سورية كان نقلة كبيرة في توازنات المشهد؛ حيث أصبحت روسيا ومن في فلكها (إيران والعراق) القوى الرئيسة على الأرض، ومع تفعيل الدور التركي بالرد على الروس بإسقاط طائرة أصبح المشهد الآن يبشر برسالة تركية لأطراف دولية، وأهمها دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بأن التحالف المقاوم لتوسعات إيران وروسيا في المنطقة يبدأ من تركيا.
في بداية الحادث كان التصعيد ينبئ بأن هناك رد فعل قوياً سيقع من قبل الجانب الروسي تجاه تركيا، وجاءت عناوين الصحف لتؤشر على أن هناك توجهات تصل للحرب تلوح في الأفق، فعنونت صحيفة "الديار" اللبنانية خبراً على صفحتها قائلة: "روسيا تهدد تركيا والسعودية وقطر"، بينما نشر موقع "الجزيرة" موضوعاً تحت عنوان "روسيا تهدد بإلغاء مشروعات مشتركة مع تركيا"، ونشر موقع "روسيا اليوم" الناطق بالعربية موضوعاً تحت عنوان "سيناريو لحرب شاملة بين روسيا وتركيا".
لكن وبعد مرور أيام على الحادث، فإن السيناريوهات تنوعت وأصبحت أكثر زخماً:
السيناريو الأول هو الحرب: وربما من استدعى ذاك السيناريو يتحدث فيه عن عقلية "بوتين" التي تمثل قمة الزهو والغرور الذي جعل الرجل في أقل من عامين يتورط في حروب وتدخلات عسكرية مباشرة بدأت من أوكرانيا والقرم لتصل إلى سورية، هذا بجانب أن الوضع لم يعد يحتمل بالنسبة لتركيا أي توانٍ في ظل رفضها التام لوجود "بشار" أو أي تفاوض معه، وهو ما يصطدم برؤية روسيا وإيران.
إلا أن هذا السيناريو محفوف ببعض الأبعاد التي يجب أن تراعى، وأهمها العلاقات التركية الروسية اقتصادياً والتي لا يسهل التضحية بها، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 30 مليار دولار، كما تعتبر تركيا ثاني أكبر مشترٍ للغاز الروسي بعد ألمانيا.
سيناريو قرص الأذن: في العلاقات الدولية يشتهر أسلوب الردع كأحد الخيارات التي تستخدمه الدول في علاقتها ببعضها بعضاً، وقرص الأذن مصطلح يستخدم للتعبير عن حالة من الحذر والترقب بين فريقين، وكل منهما يضغط على الآخر دون الوصول لحالة الحرب أو التجاوز الدموي الصريح، وهو سيناريو مطروح في المشهد الروسي التركي، حيث أراد كلا البلدين أن يوصل رسائل محددة وسيقف الأمر عند ذلك.
سيناريو الحرب الواسعة: وهو سيناريو يقع في حال دخول الطرف السعودي الخليجي بثقل في المشهد بين تركيا وروسيا بتحالف يفتح الأفق لسيناريو حرب واسعة، وهو سيناريو يتوقف على التحرك السعودي تجاه تركيا بتفعيل التعاون وتوقيع الاتفاقيات التي من شأنها توحيد الرؤية والمواقف، على غرار ما قامت به قطر.
سيناريو التوافق: وهو سيناريو خياره مفروض على كلا الدولتين لطبيعة العلاقة بينهما، والوضع الذي تعيشه كلاهما ولا يسمح لهما بالاستمرار في التراشق أو الدخول في حروب، حيث سيقوم الجانب التركي بطريقة دبلوماسية معهودة لكي يخفف من وطأة الأمر، ويحفظ للروس ماء الوجه، وسيقوم الجانب الروسي بتقبل التوافق والتفهم مع تعهدات بالرد في حال التكرار الذي لن يتكرر.