العنوان تونس بعد الانتخابات.. هل ترتد للنهج الاستبدادي أم تواصل المسار الديمقراطي؟
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015
مشاهدات 56
نشر في العدد 2079
نشر في الصفحة 47
الخميس 01-يناير-2015
كثيرون يتخوفون من عودة الاستبداد بعد تصدر رموز النظام السابق المشهد السياسي
الدولة العميقة مارست دوراً تدميرياً للثورة وتحالفت مع أطياف سياسية لإسقاط الحكومة المنتَخَبة
الوضع الاقتصادي المتردي والمصادمات مع الجهاديين سرَّعت وتيرة ترتيب صفوف النظام البائد
الدولة العميقة رسخت أقدامها في فترة وجيزة من يناير لأكتوبر 2011م في إدارات الوزارات والأمن
مازال البعض يأمل في مواصلة المسار الديمقراطي رغم تصويت الموتى وإشراف مديري المخلوع على الاقتراع
الإدارة المدنية للجيش واستمرار الثورة وارتفاع معدلات الفقر والديون.. عوامل تـحُول دون الانقضاض على الثورة
مستقبل البلاد مرهون بموقف "نداء تونس" من حركة "النهضة" أو الاستجابة لليسار "مفتي الاستبداد" والغرب
تونس: عبدالباقي خليفة
لا أحد يدري إلى أين ستتجه البوصلة التونسية، بعد الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، والتي فاز فيها "الباجي قائد السبسي"، بنسبة 55.68% من الأصوات مقابل 44.32% لمنافسه "محمد منصف المرزوقي"؛ أي بفارق 11.36 نقطة وفق الإحصاءات الأولية، وما إذا كانت التجربة ستحافظ على الاستثناء الذي حققته مقارنة بدول "الربيع العربي" الأخرى (مصر، ليبيا، اليمن، سورية)؛ الأمر الذي يبدو أنه سيعيد زخمه في بضعة شهور أو سنين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
فرضية الاستبداد
وعبَّر الكثيرون عن مخاوفهم من عودة الاستبداد إلى تونس، نظراً لخلفية من يتصدرون المشهد السياسي اليوم، فأغلبهم من رموز المنظومة السابقة التي ثار عليها الشعب التونسي، وقد عملوا بعد فرار الدكتاتور المخلوع "بن علي" على إفشال الثورة، والحكومة الائتلافية، لاسيما بعد احتفاظهم بالمناصب القيادية وإدارة شؤون البلاد والإعلام ومراكز الثقل في الدولة.. وكانت الفترة ما بين 14 يناير (تاريخ فرار المخلوع) وحتى انتخابات 23 أكتوبر2011م كافية لترسيخ أقدامهم في المؤسسات المختلفة، وخصوصاً الإدارات بالوزارات والمحافظات، فضلاً عن المؤسسات الحسَّاسة كالأمن.
وقد مارست هذه الأطراف أو ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" دوراً تدميرياً للثورة؛ من خلال تعطيل التنمية وعرقلة المشاريع الإنمائية؛ لإضعاف الحكومة الائتلافية والنيل من شعبيتها، والتواطؤ مع الأحزاب والجمعيات المناهضة لهذه الحكومة، حيث لم تُخفِ هذه الأطراف رغبتها في إسقاط الحكومة رغم أنها منتَخَبة.
ثم كانت التصريحات الصادرة عن رموز الأحزاب التي شكلت ما عرف باسم "التحالف من أجل تونس"، التي عبرت عن روح إقصائية لا تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.. وقد أعادت المنظومة السابقة تنظيم نفسها بسهولة، وساعدها على ذلك الوضع الاقتصادي الذي ساهمت في تدهوره، كما ساعدها الوضع الأمني لاسيما المواجهات بين عناصر محسوبة على التيار الجهادي، والأمن والجيش، في تشكيك الناس في قدرة الائتلاف الحاكم على حل مشكلاتهم، وفي مقاومة الإرهاب الذي تشير الكثير من الدراسات إلى أنه صنيعة مخابراتية، وأن المنظومة السابقة لها صلة وثيقة به.
وساعدت كل هذه العوامل على إحداث موقف داخلي وخارجي مكَّن المنظومة القديمة من العودة إلى الحكم عبر حزب "نداء تونس"، ويتربع اليوم على رأس السلطتين التنفيذيتين (الرئاسة والحكومة)، والبرلمان.
استمرار المسار الديمقراطي
وبغض النظر عما تؤكده منظمات مراقبة الانتخابات من حصول تزوير واسع النطاق جعل الموتى يصوِّتون في الانتخابات، ومديري انتخابات المخلوع يشرفون على مراكز الاقتراع، وبعض وسائل الإعلام تشيطن الثوار وتصنع الفرعون، هناك العديد من المعطيات التي تؤكد أن تونس يمكن أن تحافظ على مسارها الديمقراطي، ومكانتها بين الدول الحرة التي تنتخب الشعوب فيها حكامها بصفة حرة ومباشرة.
فتونس تختلف عن دول أخرى، يمثل فيها الجيش، مثلاً، دولة داخل الدولة، بل هو المؤسسة الوحيدة في الدولة التي تدار من خلالها أروقة بقية المؤسسات، ولم تنهَر فيها الدولة كما حدث في بلد آخر، وليست فيها تناقضات داخلية وخارجية حادة كما هي الحال في بلد ثالث كسورية أو العراق.
وتجد المنظومة القديمة العائدة إلى الحكم نفسها محاصرة، بما حاصرت به حكومة ما بعد الثورة، وهو الوضعين الاقتصادي والأمني، وليس من السهولة معالجتهما بسرعة، فخلال العام الجديد 2015م سيعلن عن تراجع دعم السلع الأساسية بما يعنيه ذلك من غلاء للأسعار بنسب تتراوح بين 7 و10%، وهناك 7 آلاف مليار دينار تونسي ديون خارجية (اليورو يساوي أكثر من دينارين بقليل)، وسترتفع فوائد هذه الديون إلى 9 مليارات دينار في عام 2015م، وهو ما يكلف الدولة 50% من الناتج القومي الإجمالي، كما أن هذه النسبة مرشحة للزيادة لتلامس 60% تقريباً.
وعلاوة على ذلك، يأتي عجز الميزانية بنسبة 9%، ومن المتوقع أن يصل في عام 2015م إلى 12%.
وبالطبع، فإن الإبقاء على مستوى الأجور دون تغيير في مواجهة زيادة الأسعار سيرفع معدلات الفقر إلى 24.7%، وفي بعض المناطق مثل "سليانة" في الشمال الغربي من البلاد يصل معدل الفقر إلى 50%.
وتساهم جل هذه المعطيات في الحيلولة دون عودة الاستبداد، لاسيما وأن الشعب التونسي امتلك الجرأة التي تمنعه من السكوت مجدداً على الاستبداد، ومازال نصف الشعب ثائراً، رغم وقوف رؤوس أموال، وماكينات إعلامية ضخمة، ودول غنية وأخرى استعمارية إلى جانب "الباجي السبسي"، وأحداث الجنوب بعد إعلان النتائج أكبر دليل على ذلك.
السبسي والغنوشي
بل إن هناك من يدعو لثورة ثانية، وكان بإمكانها أن تندلع لولا دعوة الزعماء العقلاء إلى التهدئة، وفي مقدمتهم رئيس حركة "النهضة" الشيخ راشد الغنوشي، ومحمد منصف المرزوقي، الذي دعا إلى تشكيل حراك "شعب المواطنين" لحماية الديمقراطية.
وقد أشار "السبسي" نفسه في أول تصريح له بعد فوزه في الانتخابات إلى أن المستقبل يحتِّم علينا العمل معاً من أجل تونس، وأن رئيس وزراء تونس القادم لن يكون من وزراء "بن علي" السابقين، وهناك من قيادات حزب حركة "النهضة" من يدفع باتجاه التفاهم مع حزب "نداء تونس"، ويرى أن وجود "المرزوقي" في الرئاسة ليس هو الضامن للحفاظ على الديمقراطية، ووجود "السبسي" في الرئاسة ليس عنواناً لعودة الاستبداد، بل إن موقف الحركة بالوقوف على الحياد في الانتخابات الرئاسية وترك الخيار للقواعد كان من وحي الخلاف داخل مجلس الشورى حول هذا الأمر، أي هناك من أراد دعم "السبسي"، في مقابل وجود من يرى بدعم "المرزوقي".
وبعد ظهور نتائج الانتخابات التي وصفها الشيخ راشد الغنوشي بأنها "تنتمي إلى العالم الحديث"، وهي تؤشر على أننا قطعنا مع الـ99%، والفائز يجب أن يدرك بأن نصف المجتمع ليس معه، ويجب أن يكون رئيس كل التونسيين، مطلوب منا أن نبرهن على أننا أهل لأن نكون أول ديمقراطية عربية، كما كنا أول ثورة عربية حوَّلناها إلى دستور وإلى انتخابات حرة ونزيهة وإلى مجلس شعب، وحري بنا أن نحافظ على هذا المكسب.. وأكد أن تونس متجهة لتحقيق أهداف الثورة، وعلينا تأثيث بيت الحرية بالعمل والتنمية والنظافة والتعليم الراقي والصحة الجيدة؛ حتى تكون تونس نموذجاً في البلاد العربية والعالم كله.
سيناريو الأعوام الخمسة القادمة
ومن المنتظر أن يؤدي الوضع داخل حزب "نداء تونس"، والخارطة السياسية ولعبة المصالح الداخلية والخارجية، دوراً محورياً في تحديد ملامح المشهد السياسي التونسي في الأعوام أو السنوات الخمس القادمة، فحزب نداء تونس يتكون من شق يساري متطرف، مثل دور "مفتي الاستبداد" على مدى عقود، وشق ليبرالي، يراه البعض الأقرب لحركة النهضة، يدفع الأول للصدام مع حركة النهضة وليس للتعايش معها، ويدعو للتحالف مع اليسار من خارج النداء ولاسيما الجبهة الشعبية، وشق لا يرى غضاضة في التعاون مع النهضة لمنع تغوُّل الشق اليساري من جهة، وحتى لا يمثل التحالف مع الجبهة الشعبية إضافة نوعية لقوة اليسار داخل النداء، وانتصار أي من المحورين سيحدد إلى حد ما ملامح المشهد السياسي القادم.
فتحالف النداء مع الجبهة، التي اشترطت عدم إشراك النهضة في الحكومة حتى تقبل بدخولها، ستكون له عواقب وخيمة على السلم الأهلي، وعلى الوضع السياسي، بحكم أن الجبهة، مشروع أيديولوجي، همه الأول ليس التنمية وإنما بعض المفاهيم المصادمة للإسلام ولطبيعة المجتمع التونسي على مستوى المفاهيم على الأقل.
ومن محددات المشهد السياسي أيضاً التدخلات الخارجية، التي قد تضع شروطاً على مَنْ بيده تشكيل الحكومة وهو "الباجي قائد السبسي"، قبل تقديم الدعم المالي الموعود وغيره، كالتدخل لفرض حكومة بعينها، وإذا سقطت حكومة النداء في هذا الفخ؛ فمعنى ذلك أن مستقبل تونس سيكون بيد خارجية لا تهمها مصلحة تونس بقدر ما تحقق بها مصالح أصحاب القرار المذعورين من الديمقراطية والإسلاميين، وفقاً لقول أحدهم: "نحن لا نرفض الإسلاميين فحسب، بل نرفض الديمقراطية أيضاً".
توازنات
وتمثل حياة "الباجي قائد السبسي" (89 عاماً) أهمية كبرى في السنوات الخمس القادمة، فغيابه بالموت أو القتل كما تحدث عن ذلك قبل وبعد فوزه في الانتخابات، سيؤثر على التوازنات داخل حزبه، وداخل تونس أيضاً، وتفرض كل هذه العوامل نهج التوافق في تشكيل الحكومة القادمة، وهو الضمانة الوحيدة لجلب الاستثمار، وازدهار السياحة، ومشاريع التنمية، واستمرار النموذج التونسي، والتغلب على التحديات الأمنية والاقتصادية والمجتمعية.
ويبقى السؤال: إلى أين تسير تونس؟ وهل ستواصل نهج التوافق الذي جرى تدشينه في عهد الائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة، للتغلب على المشكلات التي ذكرنا طرفاً منها، أو تدفع التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية تونس إلى المجهول؟