العنوان خطوط عريضة لإعادة كتابة العلوم من وجهة النظر الإسلامية (الحلقة ٣)
الكاتب أ.د. زغلول النجار
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1976
مشاهدات 111
نشر في العدد 299
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-مايو-1976
التأكيد على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
التأكيد على قيمة العلم في الإسلام- تحصيلًا وتطبيقًا والدعوة إليه
إبراز عظمة الكون. وإثبات أن هذه العظمة من صنع الخالق العظيم
تقرير أن هذا الكون ليس أزليًا ولا أبديًا. بيد هو ذو بداية ونهاية
العلم في جوهره. محاولة للوصول إلى حقيقة تقتضي الدقة والأمانة.
العلم محاولة بشرية لتفسير ظواهر الكون محكمة بتصور الإنسان وظروفه.
العلوم التجريدية هي معارف جزئية لا تستطيع الإجابة على التساؤلات الشاملة.
التأكيد على أن القرآن الكريم هو الحق المطلق الذي العلم بهداه.
إبراز إضافات المسلمين للعلوم.. في مختلف العصور والمجالات.
٦- الحديث عن التطور العضوي على أنه حقيقة علمية ثابتة:
وما صاحب ذلك من تعبيرات مثل حقيقة التطور، وهو تعبير يتردد كثيرًا ويتصدر صفحات الكتب والدوريات التخصصية والعامة، وهو لا يصف لنا حقيقة أبدًا لأن عملية التطور كما يفسرها المنادون بها عملية بطيئة جدًا، ولا يمكن إخضاعها لتجربة معملية ولا إلى مشاهدة حسية مباشرة أو غير مباشرة، فكيف إذن يمكن أن تكون حقيقة ثابتة؟ أنها مجرد محاولة لتفسير تدرج الحياة مع الزمن على سطح كوكبنا الأرض، وقد تكون صحيحة وقد لا تكون، وعلى ذلك فمن الخطأ إشاعتها بين الناس على أنها حقيقة مؤكدة، ومن التضليل استخدامها بطريقة شيطانية لهدم معتقدات الناس وإيمانهم، خاصة وأن أدلتها في معظمها محل جدل كثير ولا مجال لاستعراضها هنا ولكن تكفي الإشارة إلى أن فكرة التطور كما قدمها داروين -ولم يكن أول المنادين بها- تقوم على أسس ثلاث هي - التكيف- والتخصص- والانعزال الجغرافي وهي تعبيرات لا معنى لها في الحقيقة لأن كل مخلوق متكيف مع البيئة التي يحيا فيها، وهو في نفس الوقت متخصص لنوع الحياة التي يحياها وإلا لما أمكنه أن يحيا ابتداء أما فكرة الانعزال الجغرافي- بذاتها فلا يمكن أن تكون سببًا للتطور خاصة وأنه من الثابت جيولوجيا أن معظم الكتل الأرضية كانت أكثر تقاربًا في الماضي مما هي عليه الآن، وان لمعظم الكائنات الحيوانية وحتى النباتية قدرة هائلة على الهجرة حيث تحمل الرياح حبوب اللقاح لآلاف الكيلو مترات بينما تستطيع بعض الطيور الهجرة المسافات طويلة جدًا ومن ذلك يتضح أن أسس الداروينية خاوية من وجهة النظر العلمية، ولكن على الرغم من ذلك تعرض على أنها من البراهين العلمية على صحة النظرية، ومن العبارات التي ترددت كثيرًا في مجال الحديث عن التطور الجملة الشهيرة التي صاغها داروين بأن «البقاء للأصلح» وهنا يرد التساؤل الأصلح من أية وجهة ولأي شيء؟ هل المقصود بها الأصلح للحياة من حيث القدرة أم من حيث المواءمة؟ أم كليهما؟ علما بأنه من المعروف عن بقايا الكائنات القديمة في طبقات القشرة الأرضية أنه كلما زاد حجم نوع من أنواع الحياة «وبالتالي زادت قوته» كلما قربت نهايته، بينما كثير من المخلوقات التي عاشت لآماد طويلة كانت ضئيلة الحجم دقيقة البنية ولم يمنعها ذلك أن تعمر.. وإذا كان المقصود -بالأصلح- الأنسب للبيئة، فماذا عن الكائنات التي تموت بالحوادث الطارئة أو بواسطة الأمراض الداهمة أو عن طريق التلوث المفاجئ أو الافتراس بواسطة غيرها من الحيوانات أو الاصطياد بواسطة الإنسان؟ كل هذه عوامل نسى دعاة التطور أو تناسوا دورها الهام في بقاء كائن من الكائنات أو اندثاره.
فهب أن مجموعة حية تتمتع بقوة ملحوظة وتتواءم مع البيئة التي تحيا فيها، داهمها فجأة بركان ثائر فقضى عليها على الرغم من قوتها ومواءمتها للبيئة فأين مكان البقاء للأصلح هنا؟ أن كل أمور هذا الكون تتحكم فيها قوة عليا هي التي توجه وهي التي تختار ولا إرادة لمخلوق في مقابل إراداتها، وإذن فليس البقاء للأصلح ولكن البقاء لمن أرادت له القوة العليا أن يبقى.
ثم أن فكرة التطور ببساطة تقوم على الافتراض الصحيح بأن الوليد يرث جزءًا من صفاته عن الأب والجزء الآخر عن الأم وبالتالي يأتي مختلفًا في مجموع صفاته عن أي منهما، وباستمرار هذه العملية مع الزمن يأتي الأحفاد المتأخرون على قدر من التباين مع الأجداد السابقين قد يسمح بظهور نوع عن نوع أو جنس عن جنس وهكذا تمت عملية التطور، ولكن ولضمي هذا التصور نسوا أو تناسوا أن الحياة الباكرة لم تكن تتكاثر بالتزاوج ولكن بالانشطار البسيط بحيث ينقسم الكائن الحي إلى عدد من الكائنات المتماثلة في صفاتها مع بعضها البعض، وإن عملية التكاثر بالتزاوج عملية متأخرة نسبيًا في تاريخ الحياة على الأرض، فكيف أمكن لهذه الحياة الأولى أن تتنوع بعملية تلقائية محضة؟ أن العلم لا يستطيع حتى الآن الإجابة على ذلك، ولكن هذه العبارات الخاطئة مثل حقيقة التطور لا تزال تتردد كثيرًا في العالم الغربي، وتنتقل عدواها إلى عالمنا الإسلامي فتلوكها الألسنة وتخطها الأقلام كما هي دون تفحص أو تعمق، من فنقرأ في العدد الرابع من المجلد الثالث من مجلة عالم الفكر، وهي مجلة عربية تصدر في بلد عربي مسلم ما تسطيره بالحرف الواحد:
- أغلب الظن أن تشارلز داروين لم يكن يتوقع أن يكون لنظريته عن أصل الأنواع وهي النظرية التي ضمنها كتابه المشهور بهذا الاسم والذي صدر عام ١٨٥٩ كل الأثر الذي تعدى مجال الحياة البيولوجية إلى بقية العلوم الأخرى طبيعية كانت أم إنسانية مما دفع أحد كبار علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين المعاصرين وهو الأستاذ كروبر إلى القول بأن هناك نوعا من عدم التناسب في الإسهام المحدود الذي أسهم به دارون في العلم والذي ينحصر في وضع وتجسيد مبدأ الانتخاب الطبيعي وبين كل ذلك التأثير الهائل تركه تأسيس هذا المبدأ البيولوجي على العلم كله.. وإذا لم يكن داروين هو أول من ذهب إلى القول بأن الإنسان قد تطور ببطء من الحالة الحيوانية التي أشرنا إليها فإنه كان أول من وجه العلم -بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة- بهذا الاتجاه، وبعد أن كانت هذه المسألة فكرة نظرية بحتة أصبحت مبدأ معترفًا به-
ثم يستطرد فيقول- ولقد ورث داروين- ضمن ما ورث- موقف التشكيك في كثير من مسلمات الدين المسيحي ومنها فكرة الخلق، ومدى رد العهد القديم إلى الوحي الإلهي، وهما مسألتان كانتا تثيران كثيرًا من الجدل والتساؤلات وتلقيان كثيرًا من الهجوم قبل أن تظهر كتابات داروين بأكثر من قرن فقد أدى العلم النيوتوني إلى إضعاف الإيمان في الوحي بالنسبة للكتاب المقدس لأن ذلك العلم أدى إلى ظهور فلسفة ميكانيكية أو آلية تتصور الطبيعة نسقًا من المادة المتحركة وإن هذا النسق يخضع لقانون محكم إلى أبعد حدود الاحكام، وإن كل حالة من حالات ذلك النسق تنبثق من الحالات السابقة عليها تبعًا لقاعدة رياضية دقيقة، وهذا موقف يختلف كلية عن التصور الديني للطبيعة الذي يرد الأحداث كلها إلى إرادة الله مباشرة، بصرف النظر عما إذا كانت هذه الأحداث عادية أم خارقة للطبيعة كتلك التي تظهر في العهد القديم، وقد أدى ازدهار العلم وتقدمه وتغلغله في كل شيء إلى المبالغة في إمكانياته والإيمان بقدرة الإنسان المطلقة على التقدم والارتقاء غير المحددين وعلى التخلص والتحرر من كل القيود التي تتخذ شكل نظم، وكذلك على تحقيق السعادة لنفسه، وقد انعكس ذلك في كتابات داروين ذواتها وبخاصة في سيرة حياته حيث يذكر صراحة أن العهد القديم عرض تاريخي زائف للعالم وأحداثه.
هذه العبارات وردت بحذافيرها في تمهيد لعدد من النشوء والارتقاء من مجلة عربية تصدر في بلد عربي مسلم، كتبها أستاذ جامعي مسلم وواضح في كتابته نقل هذه الأفكار بكليتها عن عالم غربي يدعى ج. س. جرين في كتابه- داروين ونظرة العالم الحديث- الذي نشر في نيويورك سنة ١٩٦٣ والمجلد مليء بمثل هذه الأخطاء التي تسربت إلى أقلام المسلمين عن طريق الكتابات الغربية، وأمثال هذا النقل غير الناقد كثير جدًا فيما نشر وينشر في العالم الإسلامي المعاصر ولست أجد هنا ردا أبلغ على ذلك من قول سير آرثر كيث- إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر وهذا ما لا يمكن حتى مجرد التفكير فيه، ثم قول سير جيمس جينز في كتابه عالم الأسرار: إن في عقولنا الجديدة تعصبًا يرجح التفسير المادي للحقائق. «۹».
ومن العجيب أن الأضواء لا تسلط إلا على هذه الأخطاء الشائعة بينما يتجاهل الناس في عالمنا ما يكتبه علماء غربيون بارزون جدًا في هذا المجال ومنهم العالم البريطاني الشهير جراهام کانون أستاذ علم الحيوان بجامعة مانشستر سابقًا والذي ألف كتابًا بعنوان نظرات في تطور الكائنات الحية وفيه يقول عن كتاب دارون- الواقع إن عنوان الكتاب خطأ، وأن به نقصًا واضحًا، ولكن لم يفطن لهذا الخطأ وقتئذ أحد، والكتاب متخم بالتخبط البالغ في التفكير وبكثير من الحشو الذي لا يمت إلى موضوعه بصلة.
ويستشهد الأستاذ كانون في ذلك بقول أحد أصدقاء دارون - أجدني مضطرًا إلى القول بأن الناس قد ضللوا وسيقوا إلى الاعتقاد بأنهم قد فهموا الموضوع كله، ولكنهم مع ذلك هل وقفوا هنيهة وتساءلوا عما أضاف كتاب أصل الأنواع لمعارفنا فعلًا.. ؟ ثم يرد على ذلك بقوله لا وإن هذا لم يحدث إلا بعد ذلك بسنين عديدة، بل إني لأشعر أنه حتى يومنا هذا قليل من علماء الأحياء هم الذين استطاعوا الإجابة على هذا التساؤل ويخيل إلينا أن نجاح كتاب أصل الأنواع كان من تلك الحالات القائمة على نفسية الجماهير حين يصبح كتاب بعينه بدعة رائجة لسبب خفي غير واضح.
وفي ذلك المعنى أيضًا يقول كانون - إن ما يدعيه الداروينيون والمندليون من أن الصدفة المحضة هي الأصل في التطور قول ساذج لا يتفق مع الملاحظة والرأي السليم إذ إن في الكائن الحي قوة موجهة كامنة في نفسه هي التي تتحكم في التطور وتقود خطاه.
ويختتم كانون كتابه بقوله وإن جميع الأدلة التي حللتها في الفصول السابقة لتؤدي في نظري- إلى وجهة واحدة لا تنثني عنها، فهي تنتهي إلى فكرة وجود قوة موجهة هادية مستقرة في أعماق كل كائن حي تتحكم في تطوره وتوجهه لا عن طريق التغيرات العشوائية وإنما عن طريق تحولات مختارة، وعلى أية حال، فقد برزت فكرة تلك القوة الموجهة -ولتسميها كيفما شئت- المرة تلو المرة منذ عهد أرسطو حتى أيامنا هذه، ولكن هل من دليل موضوعي على وجودها؟ لقد دأب المفكرون في كل العصور على تقديم هذا الرأي بأنه فكرة مجردة لا يستطاع وضعها موضع الاختبار التجريبي العملي. فهل ثمة من سبيل إلى فهمها في نطاق معارفنا الكيماوية والفيزيقية؟ يخيل إلى أن هناك سبيلًا إلى ذلك ولكن هذا لن يتضح إلا إذا رجعنا إلى الوراء فدرسنا أول صور الحياة الباكرة أو في الواقع الطريقة المحتملة لنشأة الحياة نفسها. ويضيف وفي نظري أن هذا القانون للتطور صورة من صور الجمال الخاص بسبب قدرته الشاملة. أما القدرة التي تديره فهي شيء رائع للغاية ولكنها أيضًا شيء قد يكون فوق طاقة تلك الآلهة الواهية التي يسمونها العقل البشري ولكنها بكل تأكيد فوق أفق هذا الكتاب وخارج نطاقه.
هذا رأى لأحد العلماء الغربيين البارزين قلما يشار إليه في كتاباتنا العلمية على الرغم من مكانة صاحبه، بل على العكس من ذلك تواصل الكتابات العلمية فيها فتقرر أن الإنسان حيوان متطور عن القرد، وتحاول ربطه في سلاسل تطورية متكلفة تضم ما أسموه بالقرد الإنساني والإنسان القردي والإنسان الأول... إلى غير ذلك من الأسماء، وتقوم بنشر صور لهذه المخلوقات على أسس من بقايا نادرة متناثرة لها متجاهلين تمامًا أن الإنسان ليس إنسانا بجسده، بل بإنسانيته المتميزة بالعقل والبصيرة والإرادة والاختيار والقدرة على التعبير، وغير ذلك مما كرمه به الله وأنه ربما كانت هناك مخلوقات تشبه الإنسان في الهيكل ولكنها ليست بأناس على الإطلاق، وتعرض القضية في الكتب المدرسية وتدون في أذهان طلابنا الصغار على أنها إحدى الحقائق العلمية المسلمة علميًا بأن عالمًا غربيًا بارزًا مثل بورن كيرتن أستاذ علم الحياة القديمة بجامعة هلسنكي يسجل في كتابه ليس من القردة -الذي نشر في لندن سنة ۱۹۷۲- أن أصل الإنسان منفصل تمامًا عن القرد منذ زمن طويل وأن الإنسان لم ينحدر من القرد بكل تأكيد-، وفي سياق عرضه للموضوع يؤكد كيرتن على أن عملية التطور عملية موجهة، ولا يمكن أن تكون عملية عشوائية أو نتيجة للصدفة، ثم أن البقايا الأحفورية الرئيسية التي تم العثور عليها والطرق التي تم استخدامها في تزييف بعضها على صورة شاعت بين الناس ثم اضطروا إلى التسليم بها لمجرد رواجها؟ لا على أساس علمي ملموس، والاستنتاجات المستقاة منها بأن للإنسان صلة مباشرة بالقردة- ليست دليلًا على صحة الدعوى، بل تنقصها وتدحضها.
وفي عرض لكتابه- ليس من القردة - كتبت جريدة الجارديان البريطانية في عددها الصادر بتاريخ٣-٦- ١٩٧٢- في كل الأماكن التي وجدت بها بقايا للحياة الإنسية القديمة يلاحظ أن التحول من المخلوقات السابقة للإنسان قد تم بعملية إحلال فضلًا عن عملية التطور، وقد تم إحلال المخلوقات البدائية بالإنسان فجأة.. وفي مدى خمسة آلاف من السنين، بينما أخذت تحولات ضئيلة جدًا في هياكل الكائنات السابقة مئات آلاف من السنين.. فهل يا ترى وصل الإنسان إلى الأرض بين يوم وليلة؟ وإذا كان ذلك قد حدث فمن أين؟ هل هي عودة بنا إلى قصة آدم وحواء أم هو سؤال لا يقوى على الإجابة عليه إلا علماء الروح؟
هذه نماذج لتباين الآراء البشرية في قضية واحدة نتيجة لتباين الخلفيات الذهنية والنفسية والعقائدية والتربوية والحضارية للكاتب، فالتطور بالنسبة للإنسان الملحد عملية ذاتية تلقائية بحتة تمت بصورة عشوائية لا ضابط لها ولا رابط، سواء قام على ذلك منطق أم لم يقم، أما بالنسبة للإنسان المؤمن فالنظرية إذا صحت بتفسيراتها الراهنة فهي أسلوب الله في الخلق وطريقته في إبداعه.
يتضح مما تقدم أن الكتابات العلمية التي تم نشرها خلال القرنين الماضيين -بصفة خاصة- قد كتبت في معظمها بخلفية مادية الحادية منكرة، وقد بدا ذلك الاتجاه في الكتابة العلمية أول ما بدا كموقف معارض للكنيسة في ثورة على محاولاتها للحجر على العقل البشري، وحده بحدود معينة لم يقتنع بها ثم ما لبث هذا الموقف أن أصبح تقليدًا انتشر بين الناس، وغذته قوى الشر على اختلاف صورها، وتباين أهوائها، فأصبح بدعة العصر حتى أن الكثيرين من المشتغلين بالعلوم انساقوا إلى هذا الأسلوب في الكتابة دون وعي حقيقي لما يقودهم إليه.. فاعتبرت كل الانتصارات العلمية خطأ انتصار على معاني الإيمان، واتخذت معاول لهدم الدين بدلًا من أن تكون وسيلة لمزيد من التعرف على الخالق العظيم.. ولما كان العلم تراث الإنسانية جمعاء، وكان المسلمون هم الأمة الوسط، وحملة آخر الرسالات السماوية وأكملها أصبح من واجبهم المحافظة على هذا التراث الإنساني وتطهيره من كل ما يشوبه أو يعكر صفاءه فإن ترك هذا التراث في أيد لا تحسن عرضه قد أضر بمجموع العلم الإنساني كتراث ورسالة، وهنا تبرز ضرورة إعادة كتابة العلوم من وجهة النظر الإسلامية وفيما يلي بعض الخطوط العريضة لذلك:
١- التأكيد على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والعمل على تطهير الكتابات العلمية من آية إشارة يمكن أن تشكك في ذلك من قريب أو بعيد، في غير مساس بالمنهج العلمي ذاته أو حجر على العقل البشري في انطلاقه للتعرف على هذا الكون وسننه.
٢- التأكيد على قيمة العلم في الإسلام والدعوة إليه، والإقرار بأنه فريضة على كل مسلم ومسلمة، فالإسلام يطالب العقل البشري بالنظر في هذا الكون والتأمل في بديع صنعه لأنه بذلك يتعرف على خالقه، ويستخلص شيئًا من السنن الكونية التي تمكنه من عمران الأرض والآيات القرآنية التي جاءت في هذه المعاني قد جاوزت السبعمائة آية.
٣- إبراز عظمة الكون وكل ما فيه من مخلوقات «جمادًا ونباتًا وحيوانًا وإنسانًا وطاقات وظواهر» والتأكيد على أن هذا الكون الشاسع، المحكم البناء لا يمكن أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه وإنما لا بد له من موجد قد أوجده وهو الذي يرعاه، فالاحتمالات الرياضية للصدفة في نشأة الكون معدومة فعلا مما يجزم بأن الكون لا يمكن أن يكون قد تواجد إلا بتدبير مسبق وحكمة بالغة ولا أن يستمر في وجوده هذا إلا برعاية خالقه.
٤- التأكيد على أن هذا الكون المتناهي في الاتساع مبني على نفس النظام من الذرة إلى الخلية الحية، إلى المجموعة الشمسية ثم أن مكوناته على تباينها يمكن ردها إلى لبنات أربع: هي المادة والطاقة «في مختلف صورها بما في ذلك الجاذبية» والزمان والمكان، وقد توصل العلم إلى أن المادة على اختلاف صورها ترد في أصلها إلى غاز الهيدروجين «أخف العناصر المعروفة» وان الطاقة بمختلف أنواعها والجاذبية لا بد أن يلتقيا في شكل واحد للطاقة، وبأن الطاقة والمادة شيء سواء، وبأن الزمان والمكان شيء متواصل، وبذلك تتحلل مركبات الكون المعلومة لنا إلى شيء واحد لا نعرف كنهه، ولكنه يمثل الوحدة العظمى التي تجرى في هذا الكون كله، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على وحدة الخالق سبحانه وتعالى.
٥- أن هذا الكون ليس أزليًا فقد كانت له في الأصل بداية، وأنه لا يمكن أن يكون أبديًا لأنه لا بد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، والعلم بمختلف تخصصاته يؤكد على ذلك، ولا بد من الإشارة إلى هذا المعنى في معرض المناقشات العلمية كلما لزم الأمر بلا تكلف أو افتعال.
٦- التأكيد على أن العلم في جوهره هو محاولة جادة للوصول إلى الحقيقة وعلى ذلك فلا بد لكل مشتغل به من التذرع بصفات الأمانة والدقة والرغبة الصادقة في التوصل إلى المعرفة، وعلى أن البحث العلمي المتميز بالإخلاص هو نوع من الجهاد الذي يؤجر عليه الإنسان، وكذلك التأكيد على أن المنهج العلمي أسلوب في العمل والتفكير، كل من يتبعه بصدق يصل إلى قدر من المعرفة، وهو مجال يتنافس فيه المتنافسون.
٧- أن إبراز العلم الإنساني لا يتعدى كونه محاولة بشرية لتفسير الظواهر الكونية المحيطة بالإنسان والاستفادة بها في عمران الأرض، وعلى ذلك فليس في وسع الإنسان أن يصل إلى جوهر الأشياء لأنه لا يستطيع أن يصف سوى مظهرها واضطرار تأثيرها ومن هنا فلا يمكن لاستنتاجاته أن تمثل الحقيقة المطلقة فالعلم البشري محكوم بأحاسيس الإنسان المحدودة وبإمكانات عقله المحدودة أيضًا، والتي تجعل من استنتاجاته شيئا لا يعدو أن يقع في حدود دائرة الإنسان، ثم أن جميع الاستنتاجات العلمية محدودة كذلك بوضعه على كوكبه الأرض في زمان ومكان معين ومن هنا تأتي استنتاجاته كلها نسبية.
٨- التأكيد على أن العلوم التجريبية هي في حقيقتها معارف جزئية زادها ضيق التخصص يوما بعد يوم تحديدًا، والعلم الجزئي ليس في مقدوره أن يجيب على تساؤلات الإنسان الشاملة، وهذا يؤكد على حاجة الإنسان في الأمور التي لا يمكنه إدراكها إلى علم أكبر من علمه وبالتالي يؤكد على ضرورة الرسالات السماوية وعلى أن الدين ليس أمرًا ماديًا، بل هو فوق المادة ومن ثم فليس في مقدور المعارف الجزئية أن تتعارض معه.
۹- التأكيد على أن الإسلام هو رسالة السماء إلى الأرض منذ أن وجد الإنسان وإلى أن تقوم الساعة، وأن القرآن هو آخر الكتب السماوية وهو الوحيد من بينها الذي لم يتعرض إلى تحريف أو تزييف، وهو الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفة، وهو في الأصل كتاب هداية وليس كتاب علم تجريبي بمفهوم الكلمة اليوم، إلا أنه يحوي إشارات علمية وردت بدقة بالغة وأحكام دقيق وأنه لمن واجب العلماء المسلمين استخلاص هذه الإشارات العلمية والاستفادة بها كموقع على طريق الحق، ونقطة بداية من الحق -سبحانه وتعالى-
۱۰- ضرورة التأكيد على أن العقل البشري يمثل إحدى النعم الكبرى التي من الله بها على الإنسان، وأنه من قبيل الشكر على هذه النعمة استخدامها إلى أقصى حدود إمكانياتها، وصدق الله العظيم إذ يقول ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا.
۱۱- إبراز الاستنتاجات العلمية الكبرى ذات المغزى الأهم بالنسبة للإنسان خاصة ما يؤكد منها على حقيقة الآخرة وإمكانية الوحي السماوي، بل ضرورته فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن من قوانين المادة والطاقة استنتاج أن كل ما يقوم به الإنسان من عمل أو قول أو تفكير هو صورة من صور الطاقة التي تسجل بدقة فائقة في الفضاء الكوني، والتي يمكن استرجاعها بتفاصيلها الدقيقة وهذا وحده يكفي للتأكيد على أن الإنسان محاسب لا محالة عن كل عمل يأتيه وكل كلمة ينطق بها وحتى عن النية تتردد في قلبه ولا تخرج إلى حيز الوجود وهو دليل كاف على حقيقة الآخرة.
وبالمثل يمكن إثبات أن الوحي ليس عملية مستحيلة من الناحية العلمية، فمن المعروف أن من الناس من يمكنه تحويل أفكاره بأكملها إلى إنسان آخر، على بعد غير عادي، وبدون استعمال أية واسطة مادية ظاهرية وهذا يعرف بالاستشراق ويفسر بأمواج خاصة تصدر عن المخ وتنتشر بسرعة فائقة وإذا كان ذلك يتم بين إنسان وإنسان فهل يستحيل بين الله وإنسان يختاره لذلك؟؟
۱۲- إبراز إضافات المسلمين للعلوم في مختلف العصور، وكيف أنهم قد كتبوا في ذلك كتابات أصيلة انطلاقًا من إيمانهم، وأنهم كانوا فيما كتبوا مثلًا يقتدى به في أمانة النقل ودقة التعبير وحسن السنة مما يؤكد على أن الإسلام كان دائمًا حافزًا على البحث العلمي والمعرفة الإنسانية لدرجة أنه يجعل العلماء ورثة الأنبياء.
هذا الدور الرائد للمسلمين الأوائل كثيرا ما يغفل أو يطمر بطريقة متعمدة أو غير متعمدة في كتابات العلوم التي توجد بين أيدينا اليوم، وقد آن الأوان لإبراز ذلك شحذًا للهمم وإحياء للسنة الحسنة، فقد تمكن المسلمون في الماضي من المساهمة الفعالة في مجالات البحوث البحتة والتطبيقية وفي إقامة نظم تعليمية ناجحة استطاعت أن تستوعب كل المعارف الإنسانية المتوفرة حواليهم وأن تضيف إليها إضافات جادة أصيلة، وأن تحقق بها قدرًا ملحوظًا من النجاح في مختلف المعارف الإنسانية على تباین صورها، وكانت إضافاتهم تراثًا ضخمًا بنيت عليه الانطلاقة العلمية التي حققها إنسان هذا العصر، ولا يمكن أن ينكر ما استفاده الغرب من المكتبات الإسلامية في كل من إسبانيا، والمغرب العربي ومصر وسوريا والعراق منذ مطلع عصر النهضة وتكفي الإشارة إلى أنه قد كان يشترط لدارسي العلوم البحتة والتطبيقية في كثير من الجامعات الأوروبية أن يكونوا على معرفة باللغة العربية تمكنهم من قراءة هذا التراث الإسلامي وفهمه.
۱۳- التأكيد على أن القرآن يقدر مسئولية الإنسان عن حواسه وعقله، ويأمر باستخدامها في البحث عن المعرفة، وهو ينهى عن الغفلة، ويحارب الجمود على الآراء الخاطئة الموروثة، ويحرم الحكم بالظن والهوى، وهو ينشر العلم اليقيني، ولذلك يطالب دومًا بالبرهان، ويأمر بتأسيس الأحكام على الدليل العقلي الذي لا يقبل النقض. وهو في ذلك واضع المنهج العلمي التجريبي ومؤسس أخلاقيات العلم.