العنوان سراق الشعب في «الليمان»
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011
مشاهدات 79
نشر في العدد 1949
نشر في الصفحة 14
السبت 23-أبريل-2011
- يوم الثالث والعشرين من فبراير ٢٠١١م أصبح يومًا مشهودًا.. فهو اليوم الذي شهد صدور قرار بحبس أول رئيس سابق في تاريخ مصر.
- مجرد التحقيق مع « مبارك » أحدث له صدمة.. وسجن ولديه أصابه باكتئاب حاد.
- التحقيقات مع «مبارك» وأسرته وكبار المسؤولين في نظامه تشمل قتل متظاهرين وجمع أموال بصفة غير مشروعة.
- «بورتو طرة.. من أجلك أنت»... مجموعة على «فيسبوك» تسخر من سجن أركان النظام والحزب الوطني الحاكم «سابقا»!
«كليوباترا انتحرت.. الإسكندر قتل.. شجرة الدر ماتت ضربًا بالقباقيب.. قطز قتل.. بيبرس قتل.. المماليك ذبحوا .. العثمانيون قتل بعضهم بعضًا .. محمد على خرف.. عباس حلمي الأول قتل.. الخديو إسماعيل نفي وحبس.. عباس حلمي الثاني خلع.. الملك فاروق طرد .. محمد نجيب حبس.. عبد الناصر مات مسموما .. السادات قتل بالرصاص أمام الناس.. مبارك حبس.. هل يحلم أحد بحكم مصر ؟!».. هذه «نكتة» مصرية ساخرة يتداولها شبان مصريون على منتديات ومواقع اجتماعية مختلفة، وكانت التعليقات تدور حول صدور قرار لم يكن أحد يحلم به في مصر، بحبس الرئيس المخلوع «حسني مبارك» ١٥ يومًا على ذمة التحقيق هو ونجليه، وانتظار زوجته وزوجتي نجليه أيضًا للتحقيق معهما في اتهامات بسرقة المال العام والكسب غير المشروع.
والآن يمكننا القول: إن الثورة انتصرت بعد حبس الرئيس المخلوع وولديه: الوريث «جمال»، ورجل الأعمال «علاء».. الآن، تم رد الاعتبار لدماء الشهداء، وبردت قلوب أسر الثكالى والمعذبين والمقهورين واستجاب الله لدعاء المظلومين واطمأن الشعب على صحة مسار الثورة.
اليوم، ما للظالمين من أنصار، كما قال الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ (طه: 127)، لمن قهروا المصريين وأمرضوهم وأهدروا آدميتهم!
ليلة القبض
وقد أصبح ١٣ أبريل ٢٠١١م يومًا مشهودًا، فهو اليوم الذي شهد صدور قرار بحبس أول رئيس سابق في تاريخ مصر الحديث.. وباتت مصر أول دولة عربية.. تدخل التاريخ من بوابة محاكمة رئيسها بدون انتقام وإنما بالقانون، بعد ما أدخل المصريون حكومته أيضًا بالكامل إلى السجن.. ليلة القبض على «مبارك» والتحفظ عليه داخل المستشفى كانت ليلة لا تنسى، نزلت بردًا وسلامًا على قلب كل أم فقدت شهيدًا في هذه الثورة، أو عذبوا ابنها في جوانتانامو أمن الدولة حتى الموت(!), وشهدت احتفالات من قبل مواطنين أمام المستشفى، وهتافات تطالب بخروجه من جناحه الفاخر بمستشفى «شرم الشيخ» الدولي، ونقله إلى السجن أو مستشفى السجن.
كان الرئيس المخلوع يدرك أن مصيره قد حان، ولهذا سعى قبل ٤٨ ساعة من قرار حبسه – لدخول المستشفى بدلا من المكان الطبيعي لاحتجاز أي مصري وهو السجن.
المشهد في قسم الطوارئ بالمستشفى الساعة الخامسة من مساء الثلاثاء ١٢ أبريل، كان مختلفًا تمامًا.. «مبارك» ينزل على قدميه من سيارة مرسيدس سوداء وهو يلبس بدلة رياضية رصاصية اللون، وتبدو عليه علامات الاكتئاب والتعب والإرهاق الشديد، ويدخل المستشفى لأول مرة بدون السجادة الحمراء أو التشريفة.. فلم يعد رئيسًا!
يصعد إلى الدور الرابع حيث الجناح الفاخر، ويُجري فحوصات طبية شاملة، ثم ينام على سريره وعينه معلقة في سقف الحجرة تستعرض تاريخه الطويل، وكيف – انتهى به المطاف منبوذًا، مطلوبًا حبسه!
أصوات الشعب
بعد بضعة دقائق، تناهت إلى سمعه - أصوات شعبه «الحقيقية».. لم يكونوا يهتفون بحياته كما كان يفعل منافقو «الحزب الوطني». في الماضي، ولكنهم كانوا مصريين بسطاء مظلومين يهتفون ضده كان «مبارك» يدرك أن مصيره هو السجن، مع منتخب الفاسدين من شلة «طرة»، بعدما سمع المستشار «عبد العزيز الجندي» وزير العدل، وهو يؤكد أنه «لا يتمتع بأي مميزات خاصة في التعامل معه باعتباره مواطنًا عاديًا»، وأنه «إذا تم حبسه وأفراد عائلته فسيتم ذلك بالسجون العامة وليس المنازل».
سمع «مبارك» تصريحات وزير العدل فقررت أسرته على الفور حفظ ماء وجهه بنقله إلى المستشفى؛ ليكون في ملاذ آمن بديل عن سجن «طرة».. وواضح أن الرئيس السابق دخل المستشفى بذريعة المرض للنجاة من المثول أمام جهات التحقيقات بالقاهرة وسجنه في «طرة»، لأنه وصل المستشفى على قدميه ولم يكن مصابا بنوبة قلبية كما قيل(!), وبعد وصوله بدقائق، قال مدير المستشفى: إن حالته تسمح بالتحقيق معه!
بل إن التقرير الطبي الذي صدر عن حالته لاحقًا وهو يستعد لنقله إلى محبسه الجديد في مستشفى المركز الطبي العالمي على طريق القاهرة - الإسماعيلية الصحراوي وربما يكون قد وصل إليه بالفعل – أكد أنه مصاب بمرض الذبذبة الأذينية للقلب, وأن حالته ليست خطيرة لأنه ليس مصابًا بأي أمراض أخرى بالقلب، ولا يتعاطى غير دوائين اثنين؛ هما : «الإسبرين» العادي و«بلافيكس»، وأن حالته لم تتطلب منذ دخوله المستشفى تناول أي أدوية مسيلة للدم، كما أنه لا يتعاطى علاجًا كيماويًا كما أشيع؛ لأنه لا يحتاج إلى هذا النوع من العلاج، ولا يزال يصبغ شعره باللون الأسود.
صدمة التحقيق
مصادر مطلعة على مجريات التحقيق مع الرئيس المخلوع أكدت أنه «صدم» من حجم الأدلة التي واجهه بها المحققون الذين دخلوا على «مبارك» ومعهم كومة ملفات موثقة تؤكد وجود ممتلكات وأرصدة ضخمة باسم أسرته في الولايات المتحدة وأوروبا، فارتبك «مبارك» وعجز عن تقديم تفسير لها، ووجد نفسه في مأزق، بعدما زعم في كلمته الصوتية التي بثتها قناة «العربية» نظافة ذمته المالية!
وكانت الصدمة أكبر عندما علم بحبس نجليه «علاء» و «جمال» معًا، وكذا فتح تحقيق آخر معه قريبًا مع جهاز الكسب غير المشروع حتى أنه نهر المحقق وهو يقول: «إلا علاء وجمال .. حققوا معي أنا»، برغم تهربه من جريمة قتل المتظاهرين، وتأكيده أن وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي كذب عليه وخدعه، ومحاولة تبرئة نفسه بادعاء أنه كان يشاهد القنوات المصرية فقط، التي كانت تكذب ولا تظهر حجم الثورة الحقيقي! وكاد المحققون أن يذكروه بكلام سابق له عن أن «الكفن بلا جيوب»، وذلك على مدار ست ساعات متواصلة من التحقيق ومعه فريق دفاعه، فانهار وأصابه الإعياء... فأخطر ما يواجه «مبارك» حتى لو ثبت أن أموال أسرته لا يعلم عنها شيئًا هو التحريض على القتل باعتباره القيادة السياسية التي أصدرت الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين وقتل المئات، بعدما قال حبيب العادلي في التحقيقات: إن «مبارك» يملك وحده صلاحية إصدار هذه الأوامر! وقد نفى «مبارك» في التحقيقات أن يكون أعطى تعليمات لأي جهة بإطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين، واتهم «العادلي» بالكذب، وقال: إنه هو الذي طلب نزول القوات المسلحة إلى الشارع لحماية المواطنين وطمأنتهم.. أما الغريب في أقوال الرئيس السابق، فهو تأكيده أنه كان يتلقى فقط ما يصله من تقارير ولم يُصدر أوامر!
وكان من اعترافاته أيضا أنه كان ينوى التنحي يوم ٢٩ يناير، ولكن «زكريا عزمي» رئيس ديوانه وآخرين أقنعوه بأن الشعب يحبه ويريده، وهي تهمة أخرى تؤكد انعزاله التام عن الشعب!
بيان النائب العام
وقد شهدت أيام «مبارك» الأخيرة في مستشفى شرم الشيخ الدولي «قبل نقله إلى مستشفى عسكري قرب القاهرة» تطورات درامية زادت من حالة اكتئابه, أبرزها إبلاغه بقرار النائب العام بعزله عن «جمهورية شرم الشيخ» التي كان يفضل المكوث بها، ونقله محبوسًا أو متحفظًا عليه لأحد المستشفيات العسكرية قرب العاصمة، وتعيين الحراسة اللازمة عليه، واتخاذ الإجراءات المقررة بشأن كونه محبوسًا احتياطيًا وفقا لأحكام قانون السجون.
وكانت أخطر فقرة في بيان النائب العام - هي التأكيد على «ضرورة إخطار النائب العام فور تحسن حالته الصحية، وإمكانية نقله إلى السجن المقرر حبسه فيه احتياطيًا»، ما يشير إلى تلميح واضح بشأن احتمال نقله إلى سجن طرة جنوب القاهرة، الذي بات - يُسمى بـ«دولة طرة»؛ لوجود رئيس الحكومة الأسبق والوزراء ورئيسي البرلمان وكبار السياسيين فيه !
أما سبب نقل «مبارك» من «شرم الشيخ» إلى مستشفى عسكري قريب من القاهرة فيرجع إلى عدة أسباب، منها طمأنة المصريين لانتهاء ما يُسمى بـ«دولة شرم الشيخ»، وما أشيع عن استمرار الرئيس في حكم مصر منها، وكذا تسهيل التحقيق معه في القاهرة بدلا من سفر المحققين له في «شرم الشيخ» «٥٤٠ كيلومترًا عن القاهرة», بخلاف ما قيل عن تأثير وجوده في ظل المظاهرات المناهضة له ومن أنصاره أيضًا على السياحة المتردية في المدنية.
وكانت مديرية أمن جنوب سيناء قد أعدت تقريرًا يفيد بأن بقاء «مبارك» في «شرم الشيخ» يشكل خطرًا أمنيًا على المدينة وطالبوا بنقله إلى مستشفى آخر خوفًا من تجمع أعداد كبيرة من المواطنين حول المستشفى كل يوم.
أما المركز الطبي العالمي المقترح نقل «مبارك» إليه فهو قريب من القاهرة (٤٣ كم) ومخصص لكبار القادة العسكريين فقط ويُسمح بدخوله لبعض المدنيين الأثرياء فقط بسبب تكلفة أجهزته الباهظة، فهو مجهز بتقنيات طبية عالية المستوى.
اكتئاب شديد
يقول الأطباء المعالجون للرئيس المخلوع: إن «مبارك» يعاني اكتئابًا شديدًا منذ علمه بقرار حبسه واحتجازه في المستشفى وحبس نجليه «علاء» و «جمال»، وإنه يرفض الانتظام في العلاج أو تناول الطعام، ويتردد أنه يتم حقنه بالمحاليل.
ويسمي الأطباء النفسيون هذه الحالة بالاكتئاب الذي قد يؤدي بالمريض إلى رغبة في الانتحار والتخلص من حياته، ويؤكدون أن زيادة حالة الاكتئاب من الممكن أن تؤدي إلى توقف الوظائف الحيوية لجسم المريض وتوقف عمل القلب، وقد تؤدي إلى سكتة دماغية أو قلبية، ولهذا راجت التوقعات عن أن مصير «مبارك» ربما يكون الوفاة بأثر نفسي.
«جمال وعلاء» في السجن
«يا جمال يا مبارك.. سجن طرة في انتظارك».. بهذا الهتاف فوجئ «جمال» و«علاء» نجلا الرئيس المخلوع فور خروجهما من تحقيقات النيابة في سيناء، فقد اعتاد كلاهما على حياة المنتجعات السياحية والفيلات الفاخرة والتسوق من أفخر المجمعات التجارية في العالم.
فوجئا بالمشهد داخل منتجع «بورتو طرة» ولم يجدا أفخر الأطعمة الإيطالية أو الملابس الأوروبية التي اعتادا عليها، فاضطرا للتسوق من «كانتين» السجن لحين وصول الطعام من المنتجعات الخاصة بهما! دخلا إلى المجمع القضائي في شرم الشيخ في السيارة الخاصة بمدير أمن جنوب سيناء، وبرفقتهما أربع سيارات «بي إم دبليو»، وقام ستة مستشارين بالتحقيق معهما في غرفتين منفصلتين، ثم استقلا «بوكس» (سيارة) الشرطة.
وفي تمام الساعة السادسة وخمس دقائق بعد فجر الأربعاء ١٣ أبريل، دخلا إلى سجن «مزرعة طرة»، بعدما نقلتهما طائرة عسكرية من «شرم الشيخ» إلى مطار «ألماظة» بالقاهرة، ومنه إلى السجن!
أفراد شلة «منتجع طرة» و«حكومة نظيف الذكية» و«لجنة سياسات السجن» استقبلوهما بابتسامة ذات مغزى، وحاولوا التخفيف عنهما في ساعة التريض في هذا المنتجع الجديد الذي أسماه نشطاء مصريون «منتجع بورتو طرة» أو «طرة لاند» أو «طرة هايتس»، في إسقاط ساخر على أسماء المنتجعات التي بناها هؤلاء المسؤولون السابقون المسجونون. وقد أسس شباب مصريون عددا من المجموعات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، اجتذبت أعدادا كبيرة من المشاركين، كان أهمها مجموعة «بورتو طرة.. من أجلك أنت» على موقع «فيسبوك»، للاحتفاء بحبس كبار المسؤولين السابقين في سجن «طرة».. حيث تعبر كلمة «طرة» عن مقر السجن، وكلمة «بورتو» عن السخرية من المنتجعات السياحية التي أنشأها هؤلاء المسؤولون، أما عبارة «من أجلك أنت» فهي عبارة الدعاية التي كان يستخدمها الحزب الوطني الحاكم سابقاً!!