العنوان سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980
مشاهدات 82
نشر في العدد 465
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-يناير-1980
«كارمن ليس مسلمًا.. لذا نحن لا نحارب أفغانستان.. نحن نحارب روسيا».
بهذا الوضوح كان رد الناطق باسم الثوار الأفغان في طهران عندما صرح كارمل عن نفسه أنه «صديق نشط!! وحقيقي! للحركة الإسلامية العالمية».
من التصريح والرد لنا تعليق وملاحظات.. تعليق على منطق الطغاة عندما تهتز أركانهم.. وملاحظات على الشعب الأفغاني المتميز.
● منطق الطغاة المعتاد عندما تهتز أركان دولتهم وتتزلزل الأرض من تحتهم هو تملق الشعوب.. إنها الطريقة المألوفة والمكروهة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الحقائق.. فما شأن کارمل عميل الروس الملحدين بالإسلام وما شأنه بالحركة الإسلامية التي تتلقى ضربات متتالية على يديه ويد أمثاله..
ولكنه منطق الطغاة يستخدمونه عند الأزمات والانفجارات الجماهيرية.. ما زلنا نتذكر تمسح الشاه بالإسلام عندما شارف كرسي الإمبراطورية على السقوط.. وما زلنا نذكر رحلة الشبانو زوجته إلى النجف..
إن هذا المنطق لا ينطلي على الشعوب الأبية .. إنه ينطلي على الشعوب الفاسقة.. والأمم المنخورة.. هذا المنطق انطلى على الفراعنة واستحقوا أن يصفهم الله بالفاسقين ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف:54).
● وإمعانًا في التضليل أو «الغباء» فقد حسب أسياد كارمل الذين سبق لهم أن بنوا الجوامع في أول عهد محمد داود ليتقربوا من الشعب الأفغاني، فقد حسبوا أنهم بالإتيان بكارمل والإعلان أنه لين في معاملته الثوار كما أجمعت على ذلك الأنباء الروسية الغربية. حسبوا أن هذه الخدمة ستنطلي على الشعب الأفغاني.
● ولكن لماذا لم تنطل على الشعب الأفغاني؟! والجواب على هذا السؤال لا بد أن نسلط أضواء على هذا الشعب ونعطي ملاحظات..
1- الشعب الأفغاني سليم الفطرة.. شعب لم تلوثه التكنولوجيا الحديثة بحضارتها الزائفة ودياثة سلوكها أن السلبية التي واجه الأفغان بها الحضارة الأوروبية كان لها مردود إيجابي.. إيجابية حفظت خصائص الفطرة الإنسانية السليمة.. فما زالت الشهامة باقية في نفسه.. وما زالت المروءة مستقرة في كيانه.. ولا تزال النخوة والنجدة تلتصقان في مسلكه وطبعه.. إنه شعب لا يخذل أخًا له في الله.. إنه شعب لا يرضى بالدنية والصغار.. يقول المؤرخ شكيب أرسلان.
«قلنا إن الوطنيين في أكثر البلدان –إلا من رحم ربك- عوّدوا المستعمرين أنهم متى قبلوا وظائفهم وانتقدوا «أي استلموا» رواتبهم جاروهم في جميع مقاصدهم.. وتبعوهم في كل مراميهم.. حتى فيما هو الضد من مصلحة قومهم، وفيما يمس استقلال وطنهم.. وأكثر ما سقطت البلدان المستعمرة تحت السلطة الأوروبية إنما كان على أيدي مأجورين من أنفس الأهالي.. يبيعون أوطانهم بخسيس الحطام وقليل المتاع.. ولهذا نجد المؤرخين الأدبيين نظير «لومارشان» يقضون العجب من صنيع هذه القبائل الأفغانية المحادة «أي على حدود» الهند كيف إنها مع شدة اختلاطها بالإنكليز وارتفاقها «أي ترتفق» بأموالهم ووظائفهم لمَلمْ تواطىئ الإنكليز على بلادها.. ولم تكن لها في أرضها كما صنع غيرها.. فهؤلاء قد خالفوا العادة الجارية من غيرهم.. وهذا الأمر يدهش الأوروبيين كثيرًا».
2- الشعب الأفغاني شعب مسلم ملتصق بدينه التصاقًا تفشل معه كل عمليات الفصل الجراحية.. و هو شعب حنفي المذهب متمسك بمذهبه بصورة لا يقبل معها جدالًا.. و معرفته بدينه هي التي جعلت منه شعبًا مفاصلًا مفاصلة كلية للكفر
وهذه هي طبيعة الإسلام.. لا مهادنة ولا التقاء في منتصف الطريق ولا أنصاف حلول.. بل المفاصلة من أول لحظة..
● إن خدعة أنصاف الحلول هي التي أركست معظم شعوب المنطقة في الوحل وجعلتهم أنصاف مسلمين.. الشعب الأفغاني رفض كل الدعوات لأن حقيقة الولاء في الإسلام تطمس كل دعوة غير دعوة الإسلام.. فإما ولاء للإسلام أو لا إسلام.. فلا ولاء للوطنية ولا القومية ولا الاشتراكية ولا الشيوعية ولا الرأسمالية.. إلى جانب الولاء للإسلام..
«من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» أو كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم.. وحقيقة الولاء للإسلام لا تقبل أي مصلحة جنب مصلحة الإسلام الشرعية.. فإن مصلحة الإسلام أو لا إسلام فلا مصلحة شخصية ولا مصلحة عائلية ولا مصلحة عشائرية ولا مصالح أميركية أو روسية، أو حتى بريطانية.. مصلحة الإسلام أولًا ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة: 24).
«أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين والمؤثرين لما سبق ذِكره على رضاه تعالى «القاسمي في تفسره».
3- الشعب الأفغاني شعب قوي الشكيمة.. شديد البأس.. صلب المراس قتالي بطبعه ودمه.. بنيته بنية المقاتلين وروحه روح المجاهدين الماضين إلى الموت.. يقول نيومن السفير الأميركي السابق في أفغانستان «لقد وجد الغزاة أن اقتحام أفغانستان أسهل بكثير من الخروج منها».
وهذا ما يؤكده الخبراء الغربيون.. فهم يتوقعون أن غزو أفغانستان سيكلف ثمنًا باهظًا أكثر مما توقع الروس من الرجال والعتاد والمواقف الدولية.. ونحن من حساباتنا ومنطلقاتنا نتوقع أن الروس لن يستقروا في أفغانستان ولن يهدأ لهم بال مهما قدموا من تضحيات.
● لهذه الأسباب لم تنطل خدعة أنصاف الحلول على الشعب الأفغاني.
● كما أن ومات النصر تصب في جهاد الشعب الأفغاني ومن خلال طبيعته وسلوكه:
• الإيمان.
• السلوك الرجولي والوعي.
• القوة وشدة البأس.
وهذه هي أبرز مقومات النصر متى حافظ عليها الشعب الأفغاني حافظ على انتصاراته.. ولا تزال التجارب تسطر لنا دروسها.. فكل الثورات التي بدأت بالإیمان توالت عليها الانتصارات والتف حولها الشعب.. وعندما حادت عن الطريق - توالت عليها الهزائم وتفرق الناس من حولها.. لأنها ظنت أن النصر من عندها.. أن المجاهدين الأفغان مطالبين بالالتزام المستمر بالإسلام والمحاسبة المستمرة لسلوكهم وخططهم وعرضها على الإسلام.. مطالبين بالاتحاد والاتفاق وعدم الخلاف والفرقة.. وعندها ستخور قوى الروس والأميركان وحينذاك سنتذكر ونستشعر صورة الجهاد المشوقة المسطرة بين دفات الكتب.. وآنذاك سنسمع عن ملاحم بطولية تشفي الصدور وتفرح النفس وتغمر القلوب سرورًا..
وآنذاك ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (آل عمران: 151).