العنوان هجائية الحب «حرف الظاء» ظفِّرهم بثمين نصحك
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1970
نشر في الصفحة 56
السبت 24-سبتمبر-2011
يحكى أن قرويًا ضاقت به سبل العيش، فقرر أن يهاجر إلى بلاد الله الواسعة، لعله يجد رزقصا في مكان آخر غير قريته، فترك بيته وأهله، واتجه صوب إحدى المدن البعيدة، فسار طويلًا في صحراء قاحلة جرداء، إلى أن وصل إلى المدينة المبتغاة، وهناك التقى بأحد أثرياء المدينة، فحكى له قصته، وشكا إليه أزمته، فرحب به وأكرم ضيافته، وبعد أن قضى القروي عند الثري ثلاثة أيام، عرض عليه الثري أن يعمل عنده في رعاية الإبل والماشية نهارًا، وأن يقوم على خدمة ضيوفه ليلًا على أن يكون له نصيب في الإبل والأغنام، فقبل القروي وعمل لدى الثري.
مضت عدة سنوات اشتاق خلالها الرجل بيته وأهله وأولاده، وأهل قريته، فأخبر الثري عن نيته في العودة، فعز عليه فراقه لصدقه وأمانته، وأعطاه كثيرا من الأغنام، وبعض الإبل، وودعه، وتمنى له أن يصل إلى أهله في خير وسلام.
سار الرجل في الصحراء قاصدًا قريته، وبعد أن قطع مسافة طويلة في الصحراء، رأى شيخًا جالسًا في خيمته الخالية، التي تحميه من حرارة الشمس، فألقى القروي السلام على الشيخ، ورد عليه السلام، ودعاه إلى أن يستريح في خيمته، فلبى القروي الدعوة، وقدم إليه الشيخ تمرًا وماء باردًا وقهوة، ودار بينهما حديث.
ورأى القروي خيمة الشيخ خالية من أي شيء سوى التمر والماء والقهوة، فسأله القروي عن مهنته، فأخبره بأنه يعمل تاجرًا. فقال له القروي: وما تجارتك؟ وأين بضاعتك؟ فقال الشيخ: أنا أبيع نصائح. فقال القروي متعجبًا تبيع نصائح ؟! وبكم النصيحة؟ فقال الشيخ: كل نصيحة ببعير. أطرق القروي مفكرًا فيما قاله الشيخ، وفي الثمن الباهظ المطلوب للنصيحة، ولكنه في النهاية قرر أن يشتري نصيحة مهما كان ثمنها، فقال للشيخ: أعطني نصيحة وسأعطيك بعيرًا. فقال الشيخ: «إذا طلع نجم سهيل لا تأمن السيل».
فكر القروي في هذه النصيحة، ثم قال في نفسه ما لي ولسهيل في هذه الصحراء الموحشة؟ وماذا تنفعني هذه النصيحة في هذا الوقت؟ وبعد تفكير طويل قال في نفسه: هذه النصيحة لا تنفعني، فلأطلب نصيحة ثانية لعلها تعوض خسارتي في الصفقة الأولى التي خسرت فيها بعيرًا مقابل نصيحة لا تفيد.
طلب القروي من الشيخ نصيحة ثانية، فقال له الشيخ: «أبو عيون برق وأسنان فرق، لا تأمن له».
فكر القروي في النصيحة الثانية، فلم يجد فيها فائدة هي الأخرى، فقال للشيخ: هات النصيحة الثالثة، وسأعطيك بعيرًا ثالثًا. فقال له الشيخ: «نم على الندم، ولا تنم على الدم» ولم تكن النصيحة الثالثة بأفضل من سابقتيها، فترك الرجل ذلك الشيخ، وساق ما معه من أغنام وبعير، ومضى في طريقه صوب بلده.
ظل القروي يسير في الصحراء ليالي وأيامًا، نسي خلالها النصائح الثلاث، من كثرة ما لاقاه من عناء وتعب ومشقة الصحراء وقيظها.
وفي ليلة من الليالي.. وصل القروي إلى قوم في الصحراء. قد نصبوا خيامهم في واد واسع منخفض، فضيفوه وأكرموه، وأطعموه، وبات عندهم هذه الليلة، وبينما كان ساهرًا يتأمل النجوم إذا به يشاهد«نجم سهيل»، فانتفض مذعورًا، وأيقظ القوم، وأخبرهم بنصيحة الشيخ، وطلب منهم أن يخرجوا من قاع هذا الوادي، وأن يصعدوا إلى جبل بجوار الوادي، ولكن القوم سخروا منه، وسفهوا عقله واستخفوا بما يقول، فقال لهم: والله لقد اشتريت هذه النصيحة ببعير، ولن أنام في قاع هذا الوادي، ثم أخذ بعيره وأغنامه وارتقى الجبل، وبات عليه وفي آخر هذه الليلة، جاء السيل منهمرًا، فأخذ البيوت والناس، ولم يبق ولم يذر!!
ساق الرجل بعيره وأغنامه وسار إلى بلدته، وفي الطريق شاهد ضوءًا على بعد، فتيممه وكانت الليلة ظلماء، فإذا به يجد رجلًا نحيفًا خفيف الحركة، يسكن بيتًا بسيطًا، رحب به ترحيبًا مبالغًا فيه، مما أدخل الشك على قلب القروي، فأخذ يتفحص وجه الرجل، فإذا به «ذو عيون برق، وأسنان فرق»، فقال : «آه ..هذا الذي أوصاني الشيخ بالحذر منه، إن به الصفات كلها، لا ينقص منها شيء».
فلما دخل الليل تظاهر القروي بأنه يريد أن يبيت خارج البيت قريبًا من بعيره وأغنامه، وأخذ وسادة ولحافًا يتغطى به، وانتحى مكانًا غير بعيد .. وظل يقظًا يراقب تحرك مضيفه.. وفي جوف الليل وضع القروي حجارة تحت لحافه، ليوهم الرجل بأنه نائم في مكانه، فما كان من الرجل إلا أن سار على أطراف أصابعه في ظلمة هذه الليلة، وقد أخذ سيفه بيده، ثم هوی بسيفه على ما يتوهم أنه القروي، لكنه فوجئ بأنه ضرب حجارة، وباغته القروي من خلفه، فأخذ منه سيفه، وقال له: لقد اشتريت والله النصيحة ببعير، ثم ساق بعيره وأغنامه وسار في طريقه.
وبعد سير طويل دام أيامًا وليالي عديدة وصل القروي إلى بيته في ساعات الليل، ودخل بيته، فوجد زوجته نائمة، وبجوارها شاب يافع قوي، طويل الشعر، فثارت غيرته، واشتد غيظه وحنقه، وأمسك بسيفه يريد أن يهوي به على زوجته والشاب الذي ينام بجانبها، ولكنه سرعان ما تذكر النصيحة الثالثة التي تقول: « نم على الندم، ولا تنم على الدم»؛ فاستعاد هدوءه، وضبط نفسه، وأعرض عنها، وخرج من بيته, ونام عند بعيره وأغنامه، فلما كان الصباح، صلى الصبح، وبعد الشروق علم الناس بقدومه، فذهبوا وسلموا عليه، ورحبوا به ,وأخبروه بغيابه عنهم فترة طويلة، فقد وضعت زوجته حملها الذي تركه جنينًا في بطنها، وكبر حتى سار شابًا كما رأه بجوار أمه ,عند قدومه ليلًا، فعلم أن هذا الشاب ابنه, فحمد الله على نعمائه، فقد رزقه ابنا وحفظه حتى صار شابًا، وحفظ له زوجته، ثم قال في نفسه :ما أعظم النصيحة, حتى وإن كانت كل نصيحة ببعير!! أو بأغلى من البعير, حتى لو صارت بثقل البعير ذهبا !!
لعل هذه القصة وما تضمنتها من مواقف وأحداث تبرز قيمة النصيحة، وتوقفنا على أهميتها، وتنبه أولادنا إلى أثر الاستماع إلى نصح الآباء والأمهات والمربين والمعلمين والكبار والراشدين والحكماء، فتدفعهم هذه النصائح إلى تدبر معانيها، والعمل بها.
تأصيل النصح وأهميته
إذا قيل لأحدنا: لخص الدين في كلمة فماذا يقول ؟
ربما نفكر كثيرًا ولا نصل إلى الهدف ,لكن النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم وقد أوتي جوامع الكلم، لخص الدين في كلمة واحدة، فعن تميم الأوسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«الدين النصيحة »ثلاثًا. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال : «لله ، ولكتابه , ولرسوله , ولأئمة المسلمين وعامتهم»(رواه مسلم).
ومما رواه الإمام مسلم أيضًا –يرحمه الله –عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث :« حق المسلم على المسلم ست », وذكر منها: « إذا استنصحك فانصح له»(رواه مسلم).
وفي الصحيحين عن جرير قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة, والنصح لكل مسلم.
ومن فقه النصيحة أن تقدم للمنصوح برفق وتلطف, ودون تعنيف، وأن تكون سرًا، ولا تقدم جهرًا على مسمع الناس، لأن ذلك ينفره من اتباع الحق، ويفضحه، وفي المثل: «النصيحة على الملأ فضيحة», فالنصح جهرًا يؤدي إلى العداوة والقطيعة، فلقد كان سلفنا الصالح إذا أرادوا أن ينصحوا لأحد وعظوه سرًا، حتى قال بعضهم: «من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة, ومن وعظه علي رؤوس الناس فقد وبخه»ويقول الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير».
نصحنا لأولادنا
ما أحوج الأمة الآن إلى آباء مربين فضلاء, وكذلك إلى أمهات مربيات فضليات، لأن الآباء في عصرنا هذا شغلوا بالمال والعمل، وكذلك كثير من الأمهات، وحتى من لديه وقت من الآباء والأمهات بخل به على أولاده، فصرنا في أزمة تربوية، وحتى هؤلاء الذين يمتلكون النوايا الحسنة، وأعطوا من وقتهم لأولادهم لا يمتلكون فنون التربية ومهاراتها وإسداء النصح من أهم الأساليب التربوية التي إن هي نفذت وفق أسسها لأثمرت.
ولئن كنا مأمورين بأن ننصح للناس عامة, فنحن مأمورن بأن ننصح لأولادنا خاصة, يقول النبي ﷺ: «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها ينصحه إلا لم يجد رائحة الجنة»(رواه البخاري).
إن أبناءنا وبناتنا في بيوتنا هم رعايانا.. فأولادنا يحتاجون إلى نصحنا وتوجيهاتنا أكثر من احتياجهم إلى غذائهم، إنهم ينتظروننا لا لنحمل بيدنا الغذاء لبطونهم فحسب, بل قيل ذلك لينتظرونا لنحمل لهم في قلوبنا حبًا وعطاءً، وفي عقولنا معرفة وعلمًا، وعلى لساننا نصحًا وتوجيهًا.
فيا أيها الأب الكريم، اعلم أن أسماع أولادك متعلقة –خاصة في الصغر –بكلمة حانية منك، فإن نصيحة واحدة من أب رحيم يحب أولاده يتجاوز تأثيرها مائة نصيحة من شخص آخر غيره، لأن كلام الأب يخرج ينبض وبحنان الأبوة وحرارة عاطفتها، وكذلك أنت أيتها الأم الحنون الرؤوم، إن نصيحتك لا بنك التي يظللها حنان الأمومة ورقتها لها تأثيرها الفعال.
أساليب النصح للأولاد
يرى التربويون أن للآباء والأمهات ثلاثة أساليب، يمكن من خلالها تقديم النصيحة المؤثرة الفعالة، وهذه الأساليب، هي: النصيحة بالقصة, والنصيحة بالحوار, والنصيحة بالخطاب.
1- النصح باستخدام القصة:
فالقصة أثر تربوي فعال في نفوس الصغار والكبار، لأنها تجذب المستمع، وتغرس فيه الأخلاق والقيم, يدل على ذلك كثرة القصص في القرآن الكريم، وثمة سورة قرآنية كاملة سميت سورة «القصص», وقد بين القرآن الكريم المردود التربوي للقصة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف111).
كما كثرت القصص في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم, وقد جاءت لتربية الصحابة وسائر المسلمين, فقد روى صلى الله عليه وسلم قصص كثير من الأنبياء والمرسلين والصالحين، كما حكى قصة الأقرع والأبرص والأعمى، وقصة أصحاب الأخدود، وجريح العابد, وقصة الثلاثة الذين آواهم المبيت في غار, ووقعت عليه الصخرة فحبستهم.. وغير ذلك كثير، وجاءت كلها تربية وتأديبًا للمسلمين. وإن كان القصص القرآني هو أفضل القصص,
كما قال ربنا عز وجل: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف3 ).
ويلي ذلك قصص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن للقصة بوجه عام تأثيرها، سواء من القصص القرآني, أم النبوي، أم من قصص الصحابة، أم من قصص الصالحين، أم من واقع الحياة.
2- النصح بالحوار:
ويتم ذلك بجلوس الأب مع أولاده ويسألهم ويجيبون، أو يسألونه هم ويجيبهم، وكذلك الحال مع الأم.
3- نصيحة بالخطاب المباشر:
وذلك بتقديم العظة والإرشاد والتوجيه بالأمر أو النهي، أو بهما معًا مباشرة للأولاد، ومن ذلك نصائح لقمان وهو يعظ ابنه، كما ورد في القرآن الكريم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل