العنوان مخالفات المرور ومفهوم العقوبة
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
لسنا من المغالين إذا قلنا إن مدى الالتزام والانضباطية التي يتسم بها مجتمع
ما في تعامله مع الأنظمة واللوائح المرورية قد أصبح من ضمن المعايير التي يقاس بها
تقدم وتحضر المجتمعات الحديثة سلبًا أو إيجابًا.
وانطلاقًا من ذلك، فقد اجتهدت الدول النامية في سن وتنفيذ اللوائح المرورية الضابطة
لسلوك الأفراد مقتفية بذلك الدول المتقدمة، وآخذة عنها ما تيسر لها تنفيذه من تجارب
وقوانين مرورية، وهي بلا شك خطوة تتطلبها عملية تحديث المجتمع وزيادة درجة الوعي الحضاري
لدى أفراده.
ونحن هنا في الكويت نشعر حقًّا بالسعي الحثيث والمجهود الكبير الذي يبذل من قبل
القائمين على أجهزة المرور من أجل ترسيخ المفاهيم المرورية السليمة لدى كافة السائقين
والمارة، عن طريق التوعية الإعلامية المستمرة من جهة، وبالتنفيذ الدقيق لقوانين ولوائح
المرور من جهة أخرى.
غير أنه في السنوات الأخيرة، وربما لزيادة حجم الاستخدام السكاني للآليات والسيارات
في التنقلات المختلفة ونظرًا لزيادة معدل الحوادث المرورية عن السابق، والذي قابله
من جهة إدارة المرور التشدد التشريعي والإداري في مواجهة المخالفين من المواطنين والمقيمين،
نقول نتيجة لذلك برزت -وبوضوح- ظاهرة لم تكن ملحوظة في السابق، وتستحق منا إخضاعها
للدراسة الجادة في سبيل تخليص المجتمع من آثارها السلبية الحالية والمستقبلة.
وهذه الظاهرة تتلخص في أنه إزاء تشديد عقوبة بعض المخالفات المرورية والتي وصلت
في بعضها إلى حد الحبس لمدد متفاوتة، فقد واجه بعض الأفراد عقوبة الحبس، وقد تم تنفيذ
العقوبة عليهم في حين أنهم لم يكونوا قد ارتكبوا تلك المخالفة، وهناك أمثلة كثيرة من
هذا القبيل؛ فأحدهم كان قادمًا من خارج البلاد وأبلغ من قبل السلطات في المطار بأنه
محكوم عليه بالحبس لمدة شهر نتيجة لتجاوزه الإشارة الحمراء، وعبثًا حاول هذا الشخص
إقناع السلطات المختصة في المطار بأنه كان موجودًا خارج البلاد لمدة تزيد عن السنة
بسبب دراسته في الخارج، إلا أن محاولاته هذه ذهبت سدى، وتم إرساله إلى إدارة تنفيذ
الأحكام التي أرسلته بدورها إلى السجن تنفيذًا للحكم الصادر عليه غيابيًّا، وحالة أخرى
واجهها شخص آخر يتجاوز عمره الخامسة والخمسين وقد حررت ضده مخالفة الاتجاه عكس اتجاه
السير في شارع فرعي ولدى قيامه بمراجعة الإدارة لإنهاء معاملات مرورية فوجئ بصدور حكم
غيابي بحبسه لمدة أسبوع مع سحب الرخصة لمدة أسبوعين، وغير هذه الأمثلة كثير تحفل به
يوميًّا سجلات المخافر وجداول المحاكم.
والخطورة التي تتميز بها عقوبة الحبس، وما ينتج عنها من احتجاز لحريات الأفراد
وهم هنا أفراد لم يسلكوا في حياتهم قط سلوكًا إجراميًّا، فإذا بهم يواجهون نفس المصير
الذي يواجهه المجرم السارق والخائن للأمانة والقاتل وغيرهم، بل ويقضون عقوبة الحبس
التي واجهوها بسبب المخالفة المرورية مع هؤلاء المجرمين، ونترك للقارئ تصور الآثار
السلبية الناتجة عن اختلاط المواطن العادي بوسط من المجرمين أو معتادي الإجرام.
ونحن هنا لسن ضد تطبيق القانون ولسنا ضد وضع العقوبات للمخالفين، غير أننا نعتقد
أن تلك العقوبات ينبغي أن تتناسب وجسامة الجرم أو المخالفة، كما يتوجب إحاطة هذه العقوبة
بعدة ضوابط تحول دون سوء تطبيقها أو التعسف في هذا التطبيق.
ولكي نكون أكثر تحديدًا ووضوحًا في نقد الظاهرة، فإننا ننبه إلى بعض الجوانب
السلبية التي ينبغي الالتفات إليها من الجهات المختصة، وسرعة معالجتها، ونختص بذكر
السلبيات التالية:
1- هناك كم كبير من الأحكام الصادرة بمعاقبة الأفراد المخالفين، لم
تتوافر للمحكوم عليهم فيها فرص الدفاع عن أنفسهم أمام جهات القضاء، إما بسبب عدم وصول
الإعلان أو التبليغ لهم بالحضور عن أنفسهم أمام جهات القضاء، أو بالحضور إلى المحكمة
وسماع أقوالهم، وإما لظرف قهري طارئ حال دون حضورهم كمرض أو سفر مفاجئ، وهو ما ينبغي
أن يتعامل معه القانون بصورة أكثر مرونة من الوضع الحالي.
2- هناك أيضًا بعض الحالات الفردية التي لا تستوجب التعتيم وقعت نتيجة
للمشادة الكلامية التي قد تحصل عند تحرير المخالفة بين الشرطي وبين بعض المخالفين الذي
يفاجأون بعد فترة من هذه الحادثة بصدور أحكام غيابية بحبسهم نتيجة للمخالفة المرورية
لم تصلهم إخطارات عن موضوعها، ولكي لا تكون هناك فرصة لتدخل أفراد الشرطة أو استغلال
لنفوذ الوظيفة، نعتقد أنه يجب الحرص على إعطاء الضمانات الكافية لهؤلاء المخالفين للدفاع
عن أنفسهم، والتحقق الإداري من عدم تداخل اعتبارات شخصية في توجيه المخالفات وتنفيذها
ضد المخالفين.
3- وضع عقوبة الحبس لبعض المخالفات، يجب أن يكون محددًا بعدة شروط كأن
يعاقب المخالفات بهذه العقوبة في حالة التكرار والعودة لأكثر من عدد معين من المخالفات،
أو أن تكون هذه المخالفة جسيمة تستوجب توقيع مثل هذا الجزاء الرادع.
4- ينبغي أن تكون هناك أماكن خاصة لتنفيذ عقوبة الحبس ضد المخالفين؛
فمن غير المعقول أن يجمع هذا المواطن العادي الذي ارتكب المخالفة المرورية مع المجرم
المحكوم عليه بجرائم تمس النفس والشرف مثلًا في سجن واحد.
5- نقل الأنظمة المرورية المعمول بها في دول العالم الأخرى قد لا يتوافق
مع طبيعة المجتمع الكويتي؛ فالمجتمعات الغربية على سبيل المثال تعج بحالات السكر والانفلات
السلوكي الأخلاقي والصراعات الجنونية المنتشرة فيها، بما يستوجب التعامل معها بكل شدة
وصرامة عند تطبيق قانون المرور، في حين أننا في الكويت لم نصل إلى هذه الدرجة من انتشار
الجرائم أو التهتك الأخلاقي لدى الأفراد أثناء قيادة السيارة؛ وهو الأمر الذي ينبغي
أخذه في الحسبان عند تطبيق الأنظمة المرورية المنقولة عن المجتمعات الغربية.
وبالتأكيد فإن السلبيات لن تتوقف عند النقاط السابقة الذكر، وإنما قصدنا من خلال
سرد هذه العجالة، التنبيه إلى خطورة ظاهرة بدأت تطفو على السطح وستظل تنتشر إذا لم
يتم تداركها من قبل الجهات المختصة ووضع الحلول الناجعة لها.
ونحن هنا نرفع الأمر إلى سعادة وزير العدل وهو من يتولى الإشراف على شؤون التشريع
في البلاد، حتى يتم معالجة الخلل والقصور في قوانين ولوائح المرور الحالية، والتي نعتقد
بوجوب إعادة صياغتها بما يتواءم مع الأهداف الأساسية من وضعها وبما لا يخالف في الوقت
نفسه مصلحة المجتمع والأفراد.
كما تبقى كلمة في الختام، نوجهها إلى القائمين إلى جهاز المرور في الكويت والذين
نأمل منهم أن يكملوا جهودهم المشكورة بالمعالجة المستمرة للسلبيات التي تفرزها التعاملات
اليومية بين أفرد الشرطة، والسائقين من المواطنين والمقيمين، حتى يكون هناك تكامل في
التطبيق وسلامة في التنفيذ يحققان النظام والعدالة جنبًا إلى جنب وبالصورة التي لا
يطغى فيها أحدهما على الآخر.