العنوان مشكلة الجنوب في لقاء الصادق وقرنق
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1986
مشاهدات 78
نشر في العدد 779
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-أغسطس-1986
- نجاح حكومة الصادق المهدي في حل مشكلة الجنوب يعتمد على تحييد العناصر الخارجية.
- برنامج الجبهة الإسلامية القومية لحل مشكلة الجنوب يدعو إلى اتحاد فيدرالي بين الشمال والجنوب.
شهدت أدیس أبابا الأسبوع الفائت لقاء رئيس وزراء السودان الصادق المهدي بقائد حركة التمرد في جنوب السودان جون قرنق، وقد ذكرت وكالات الأنباء أن اللقاء لم يكن لقاء مفاوضة من أجل إيجاد الحلول للمشكلة بقدر ما كان لقاء استيضاح للمواقف، خاصة أن السيد المهدي شهده بصفته رئيسًا لحزب الأمة وليس بصفته الرسمية كرئيس للحكومة.. مما يضفي على المباحثات الطابع غير الرسمي وتبادل وجهات النظر في إطار التوجهات السياسية.
ولم يتمخض الاجتماع عن نتائج جديدة فقد تمسك خلاله كل من الطرفين بمواقفه وبخاصة من قبل قائد الخوارج «قرنق» الذي أبدى تصلبًا تجاه ما سبق أن أعلن عنه من شروط وقد ذكر الصادق المهدي فيما بعد أمام الجمعية التأسيسية «البرلمان» في الخرطوم أن اللقاء كشف عن أزمة الثقة بين الحكومة السودانية وحركة التمرد وأوضح أن قرنق ومساعديه أبدوا تشككهم عندما جرت مناقشة المبادئ السبعة لمؤتمر «كوكادام» في مارس الماضي في إثيوبيا. وفي ذات الإطار أبدى الصادق المهدي ضرورة إشراك سائر الأحزاب السودانية بما في ذلك الجبهة الإسلامية القومية لتوسيع دائرة النقاش في نطاق المفاوضات الجارية مع ما يسمى «بالحركة الشعبية لتحرير السودان» مما دلل به رئيس الوزراء على عدم إيجابية اللقاء مع المتمرد جون قرنق قوله «إن القتال قدر الأحرار في كل مكان لكننا حريصون على السلام بشتى الوسائل» مشيرًا بذلك إلى ضرورة مثول العنصر العسكري القتالي ضمن النزاع الدائر في جنوب السودان. ومما تجدر الإشارة إليه أن وفدًا من الأحزاب السودانية والتجمع الوطني قد توجه إلى أديس أبابا ليجري مزيدًا من المفاوضات مع حركة التمرد وقائدها جون قرنق.
عناصر النزاع
يصطبغ النزاع الدائر في جنوب السودان تاريخيًا وعبر مراحله المختلفة بتداخل العناصر الخارجية مع محور التمرد الداخلي وقد كانت الدول المجاورة لجنوب السودان دومًا مركز إمداد دائم لتفاقم حركات التمرد، وعند قيام الحركة الأخيرة بقيادة الخارجي جون قرنق فان عنصر الدوائر الخارجية كان أكبر بكثير مما سبق لغيره من حركات متمردة وأصبح دور الدول الكبرى واضحًا.
فالاتحاد السوفيتي ناقم على نظام حكم الرئيس المخلوع جعفر النميري وموقفه من تصفية الحزب الشيوعي السوداني، إضافة لمواقف السودان تجاه إثيوبيا كما أن السودان إبّان الفترة البائدة كان يعد قاعدة انطلاق أمريكية في القارة الأفريقية. وبدرجة أكثر عمقًا تتبنى إثيوبيا مشكلة جنوب السودان، ليس في واقعها القائم فحسب وإنما بصفة دائمة، وذلك للعداء التاريخي والتقليدي بين الحبشة ودولة سنار الإسلامية والتي كانت بإستمرار تعد العدة لإنهاء دولة الكفر المجاورة، ومواقف السودان الحديث من قضية إرتيريا.
وقد اتجهت حلول المشكلة إلى إبعاد العناصر الخارجية وتحييدها بقدر الإمكان وفي هذا النطاق توجهت الحكومة إلى الدول المجاورة في لقاءات ثنائية مع ليبيا، وإثيوبيا، وإقليمية دول وسط وشرق أفريقيا. كما أن الاتصالات لم تنقطع مع الدول الغربية والاتحاد السوفيتي لتحقيق ذات النتائج، ويأتي استعداد الصادق المهدي للسفر للاتحاد السوفيتي في منتصف الشهر الجاري دعمًا لتلك الاتصالات.
مواقف قرنق
يؤكد العقيد المتمرد جون قرنق على أن حركته ليست انفصالية بمعنى أنه ليس من دعاة انفصال جنوب السودان وإنما يدعو فقط إلى «تحرير السودان» وهي دعوة متقدمة نوعيًا على حركات التمرد السابقة. وفي لقائه الأخير بالصادق المهدي كشف شروطه المتعددة في شرط واحد هو إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية والعودة إلى دستور ١٩٥٦ المعدل عام ١٩٦٤م مع التأكيد على علمانية الدولة والخروج بالتالي على كل ارتباط بالعقيدة. وهذا الشرط وإن كان يتصل بالطابع الثقافي لجون قرنق إلا أن فيه روح التدخل الخارجي المتمثل في مواقف مجلس الكنائس العالمي، والتوجهات الصليبية عمومًا. كما أنه شرط يخرج على روح الديمقراطية ولا يملك رئيس الحكومة ولا غيره دون الرجوع إلى القواعد الشعبية والتي تطالب في الشمال بدرجة أقل في الجنوب بضرورة عدم إخضاعه للمفاوضات وقد أبدى المهدي موقفه تجاه مطالب قائد حركة التمرد بأن ذلك كله يجب أن يتم عبر القنوات الدستورية، وفي مؤتمر جامع لكل الفعاليات السياسية والأحزاب.
حلول الأزمة
تدرك الحكومة السودانية القائمة بأن المشكلة ليست مشكلة حركة تمرد وقيادتها وإنما المشكلة هي مشكلة جنوب السودان، وهي مشكلة لا يحتويها جون قرنق وعناصره لا في جانبها السياسي ولا الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا الحضاري، فجنوب السودان تمثله عدة أحزاب وفعاليات سياسية تتمثل في ٦ أحزاب رئيسية لها ٣٦ نائبًا في الجمعية التأسيسية وتمثل ٥٪ من جنوب السودان. وهناك حركة أنانيا ٢ والتي يتزعمها محمد شول وهي حركة عسكرية سياسية انشقت على حركة التمرد بعد خلاف بين قائدها السابق المرحوم عبدالله شول والعقيد قرنق إثر انتصار الانتفاضة الشعبية في أبريل ۱۹۸٥م وتقود حركة أنانيا ٢ القتال ضد عناصر التمرد وتتضامن في تنسيق تام مع القوات المسلحة السودانية وتقف الأحزاب الجنوبية في مجملها ضد حركة التمرد وإن كانت تتفق معها في بعض الطروحات السياسية.
ووفقًا للأوضاع السائدة في الساحة الجنوبية فإن بزعمه حركة جون قرنق لا تستقطب سوى جزء من قبيلة الدينكا ويصل تعداد قواتها إلى ۱۰۰۰۰ مسلح وهي لا تمثل سوى وضع شعبي ضيق، إلا أن حملها للسلاح وارتباطها بالدوائر السياسية الخارجية أعطاها كل هذا الزخم من الضجة الإعلامية والوجود السياسي البارز.
ومن هنا فإن حل أزمة الجنوب يجب أن يسقط وجود قرنق ولكن في ذات الوقت فإن قرنق لا يمثل كل الجنوب كما أنه لا يمثل حجم المشكلة ولابد من خروج حلول الأزمة من الانفعال الوقتي والتزامها بالوضع الحضاري وطرح أساليب المعالجة الفوقية. وقد أبدت الجبهة الإسلامية القومية برنامجًا تدعو فيه إلى اتحاد «فيدرالي» بين الشمال والجنوب وتوزيع الثروة القومية بعدالة أكبر مع تركيز إزالة الظلم التاريخي الذي لحق بالأقاليم الجنوبية وتحديث الأساليب الإدارية في الأقاليم الثلاثة التي تعالج الإشكالية الثقافية وفقًا للوجود الحضاري للإسلام والمسيحية في الجنوب دون تعد أو ظلم بسبب العقيدة.
وإذا ما استطاعت حكومة الصادق المهدي أن تحيد العناصر الخارجية في الصراع الدائر فإن دور حركة التمرد سيتحجم وتتلاشى فعاليته أو تكاد ولن يكون أمام قرنق سوى التوجه للانضمام للإجماع الشعبي وحضور المؤتمر الدستوري. دونما تفاؤل فإن الخطوات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن تبشر ببوادر النجاح.