; فرنسا تشن حملة ضد الكحول | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا تشن حملة ضد الكحول

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980

مشاهدات 63

نشر في العدد 491

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-يوليو-1980

کتبت مجلة لونوفيل أوبسيرفاتير الفرنسية مقالًا عن حملة فرنسية ضد الكحول دعا إليها الرئيس الفرنسي نفسه، وهذا النبأ يوحي بأن المجتمع الغربي المادي بدأ يدرك مرارة ثمرة الإباحية والتمرد على قوانين الله تعالى، حيث بات واضحًا إن ما يقرب من ٥٠٪ من الحوادث اليومية التي يشهدها هذا المجتمع المادي ترجع أسبابها إلى شرب الخمر الذي يؤدي إلى فقدان العقل، وهذا ما راعاه الإسلام عندما دعا البشرية إلى اجتناب الخمر والميسر والأزلام؛ فالحملة الفرنسية ليست سوى محاولة لتطبيق ما دعا إليه الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا.

لكن الفرق الواضح بين دعوة الإسلام إلى اجتناب الخمر، وبين الحملة الفرنسية لمكافحة الخمور، هو أن المسلمين التزموا مباشرة بالأمر الإلهي، وانتهوا عن شرب الخمر بمجرد أن دعاهم القرآن الكريم إلى ذلك، بينما الحملة الفرنسية -كأي قانون وضعي- واجهت احتجاجًا وتمردًا من أصحاب شركات الخمور ذوي القوة الخارقة في فرنسا، فلنطلع على ما كتبته المجلة الفرنسية عن هذا الموضوع تحت عنوان «الكحول هو داء فرنسا»:

الكحول هو المخدر رقم واحد في فرنسا، كما أنه في نفس الوقت يحتل المرتبة الأولى في الصناعة الفرنسية، وإذا كانت صناعة الخمور وسيلة كسب لخمسة ملايين من الفرنسيين؛ فإنها السبب في موت مثل هذا العدد من الشعب الفرنسي.

البروفيسور جان بيرنارد بعد الآن خطة لمكافحة المشروبات الكحولية في فرنسا ليقدمها خلال أسبوع إلى الرئيس فاليري جیسکار دیستان، فمنذ أيام تلقی وزير الصحة الفرنسي رسالة من أحدهم يقول فيها: «لقد ترددت كثيرًا قبل أن أكتب اليكم هذه الرسالة عن حالة أخي الذي يبلغ من العمر خمسين عامًا، والذي بدأ يدمن الخمر منذ سنتين، وقد حدثت له أخطر حادثة مرور وهو تحت تأثير الخمر، وأدت إلى فقدانه البصر، وإني أعلن ثورتي ضد المجتمع الفرنسي الذي كان بإمكانه أن يحول دون هلاك أخي بهذه الطريقة».

٤٨% من حوادث العمل و٤٠% من حوادث المرور في فرنسا ترجع أسبابها إلى شرب الخمر، كما أن أربعين ألف فرنسي يموتون سنويًا بسبب الخمر، لا شك أن الخمر تقضي على الإنسان تدريجيًا، لكن السائقين هم الذين يجعلونه يعجل بحياة الناس، فإن ٤٠% من السائقين الذين يتسببون في حوادث المرور يكونون في حالة سكر أثناء الحوادث، والخمر هي السبب في موت أربعين ألف فرنسي كل سنة.

وترجع أسباب ٤٨% من حوادث العمل في فرنسا إلى تناول الخمور، فالإنسان الذي يشرب لترًا من الخمر، ويدخن عشر سجائر يوميًا يكون أكثر تعرضًا للسرطان... وحياة المدمنين للخمر دائمًا في خطر، ويعيش الآن في فرنسا أربعة ملايين ونصف من المدمنين، بينهم مليونان من الذين يسرفون في الشرب، وهذا العدد أعلى معدل عالمي في الإدمان، فالشعب الفرنسي يشرب الخمر أكثر من الألمان ب ٢٥% مرة، ويشرب أكثر من الإنجليز مرتين، ومن الشعب النرويجي أربع مرات.

وقد أكد الرئيس جيسكار ديستان في أحد لقاءاته عام ۱۹۷۷م أن شرب الخمر هو أخطر وباء اجتماعي في فرنسا، وبعد ذلك بثلاث سنوات أمر بإنشاء لجنة لمكافحة الكحول برئاسة البروفيسور جان بیرنارد أکبر طبيب متخصص في علاج السرطان، وبعد الآن خطة عشرية لمكافحة الكحول،لقد تقرر كل شيء في هذا المجال، لكن التطبيق قد يتأخر حتى مايو ۱۹۸۱م.

لقد صرح أحد أعضاء اللجنة البارزين بأنه ليس من المعقول أن يفرض الرئيس جیسکار دیستان خطة يدرك هو نفسه أنها ضد الرغبة الشعبية، ومن الواضح أن مثل هذه الخطة لا يمكن تطبيقها إلا بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية، فمن المعروف أنه من الآن وحتى نهاية الانتخابات لن يقضي الكحول على أكثر من أربعين ألف نسمة، وهذا العدد يعتبر أقلية صامتة غير ذي بال بالنسبة إلى أصوات ملايين الناخبين الذين إن طبقت خطة مكافحة الخمور سوف تثير غضبهم.

جان بيرنارد نفسه يؤكد أن شرب الخمر هو المجال الذي يصطدم فيه أكبر مصلحة عامة بأكبر عدد من المصالح الخاصة.

فرنسا تعيش وتموت بالكحول أكثر من صناعة السيارات:

في عام ۱۹۷۸ قام سيمون فاي بتقديم دراسة مماثلة إلى مجلس الشيوخ الفرنسي كان موضوع بحثه هو: التدخين وأثاره الاجتماعية 

قال سيمون حينه «حينما اخترت موضوع التدخين إنما اخترت أخف الضررين، فشرب الخمر أخطر بكثير من التدخين ،لكني وجدت أنه لا جدوي في القيام بحملة ضد وباء شرب الخمر مالم يحدث تعديل في اتجاه الزراعة الفرنسية» ويتضح من تصريحات سيمون فاي أن فرنسا تعيش وتموت بصناعة الكحول أكثر مما تعيش وتموت بصناعة السيارات، فالمجموعة الكحولية أو «اللوبي الكحولي» أكثر انتشارًا في المجتمع الفرنسي، وهي مثل الكرات الدموية انتشارًا وقوة؛ فإن واحدًا على اثنين من الفرنسيين يأتي دخله العام أو جانب منه من صناعة الخمور، لذلك نجد أن رجال الكحول في فرنسا لهم وزن إقتصادي ثقيل، وتصل حسابات أعمالهم إلى أربعين مليار (٤٠بليون) فرنك، أما الذين يتناولون الخمور فهم يؤكدون دائمًا أنهم ضد الخمر؛ لكنهم ضحايا لشركات الخمور التي يملكها اللوبي الكحولي الذين يشترون صفحات الإعلانات في الصحف للدعاية وترويج الخمور، وهم لا يخافون لجنة مكافحة الكحول، بل هم مستعدون للدخول معها في مواجهة صريحة، وقد بدأوا يرفعون شعارًا مضادًا أو معاديًا لجهود اللجنة، وشعارهم الجديد هو المطالبة بتحديد معدل نهائي للشرب.

وقد صرح رئيس اتحاد شركات الخمور في فرنسا بقوله: «إنه يجب على الدولة أن تكافح الإسراف في شرب الكحول، وتشجع في نفس الوقت على الشرب بمعدل محدود».

ومع بداية هذه الحملة المضادة أطلقت المجموعة الكحولية شعار: «لا تشرب أكثر من سبع كؤوس يوميًا»، ويؤكد رئيس هذه الحملة أن الخمر ضروري للإنسان، وإنها بمثابة تشحيم للمجتمع.

كما كتب أحد أركان اللوبي الكحولي كتاباً تحت عنوان: «تداووا بالخمر»، أشار فيه إلى أن الخمر دواء لكل داء، والطبيب العجوز الذي كتب مقدمة الكتاب أكد فيها أن ما جاء في الكتاب لا يستند إلى أي قاعدة علمية.

وعلى الجانب الآخر نجد أصحاب الحملة المضادة للخمور يدينون فكرة الشرب المعتدل، ويرون إنه إذا تقرر تحديد كمية معينة كحد أعلى للشرب وبضمان من هيئة الأطباء؛ فإن ذلك سيزيد في ارتفاع المعدل العام لاستهلاك الكحول، وإن ذلك سيدفع الذين كانوا يشربون أقل من المعدل المعلن إلى أن يرفعوا معدل استهلاكهم إلى المعدل الرسمي.

كما يؤكد أصحاب هذه النظرية أنه ثبت بالتجارب العلمية وجود علاقة حسابية بين نسبة الاستهلاك الكحولي في مجتمع ما وبين إنتشار الإصابات بالإعراض الكحولية في ذلك المجتمع، ولذلك طالب جان بیرنارد رئيس لجنة مكافحة الكحول بتخفيض معدل الاستهلاك الوطني إلى نصف ما هو عليه الآن خلال عشر سنوات، وهذا الاقتراح يعتبر معاديًا للمصالح الحيوية لأصحاب الشركات الكحولية الذين لا شك أنهم سوف يدافعون عن مصالحهم بكل الوسائل المتاحة لهم، وقد بدأوا في الإكثار من الإعلانات والدعايات لأنواع الخمور المختلفة، ولكن البرلمان الفرنسي سوف يناقش قريبًا مشروع قانون يمنع الإعلانات الدعائية للخمور في الإذاعة، وهذا القانون يعتبر ضربة قاسية ضد شركات الخمور التي قد تخسر عشرين مليون فرنك من تأثيره. 

لكن رغم انطلاق الحملة ضد الكحول ما زال موقف الدولة غامضًا، فوزير الصحة مثلًا يكافح تجارة الكحول، بينما وزير الزراعة يشجع المزارعين للعنب:

أما موقف الدولة فما زال يتسم بالغموض في هذا الأمر، فإنها تتصرف كأن يدها اليسرى لا تدري ما تعمله اليد اليمني، فمثلًا بينما يكافح وزير الصحة تجارة الكحول، نرى وزير الزراعة يشجع مزارعي العنب، كما نرى وزير الاقتصاد يقلد مصدري الخمور بالأوسمة الوطنية، كما أن وزير الخزانة ما زال يفتح خزائنه لتلقي الضرائب المفروضة على المشروبات الروحية، وهي تقدر بثمانية مليارات (۸ بلايين) فرنك ولعل هذا ما دفع أحد أعضاء لجنة المكافحة إلى القول: «لماذا توضع خطة لمكافحة الخمور؛ فالقوانين الفرنسية تشمل كل شيء، وما على وزير العدل إلا أن يعجل تطبيق تلك القوانين».

في العام الماضي عندما أنشئت لجنة مكافحة الخمور انتظرت طويلًا قبل أن تباشر أعمالها وقبل ذلك بستة أشهر تكونت مجموعة من مجلس الشيوخ الفرنسي أمضوا نصف عام في مناقشة نفس الأزمة، واستمعوا إلى نفس الخبراء الذين تتألف منهم اللجنة الحالية، ولم تسفر مناقشاتهم إلا عن تقارير لم تعرف سبيلها إلى التطبيق، فإن مكاتب الدولة مكتظة بالخطط المدروسة لمكافحة الخمور، ولا ينقصها إلا التطبيق.

في فرنسا ينظر إلى شرب الخمر كأنه سرطان، وإنه فعلًا لسرطان، وعلاج هذا السرطان معروف للجميع؛ لكنه لا يطبق بجدية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4051

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

100

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان