العنوان الإسلام واللغة العربية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1980
مشاهدات 64
نشر في العدد 474
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 18-مارس-1980
قضايا فكرية
اللغة العربية ضرورية لفهم مصادر الإسلام واستنباط الأحكام منها.
أعداء الإسلام يكرهون العربية الفصحى لكراهيتهم القرآن الكريم
واجب وسائل الإعلام تحسين لغة مذيعيها وكتابها
واجب الرؤساء وكبار المسؤولين أن يحرصوا على الخطاب بالفصحى ليكونوا قدوة لشعوبهم.
لا يمكن أن تكوِّن دولة إسلامية ولغتها الرسمية غير العربية
التلازم بين الإسلام واللغة العربية
منذ أن أنزل الله عز وجل كتابه العزيز باللغة العربية واختار آخر أنبيائه من أفصح العرب وأشرفهم نسبًا والعلاقة بين العربية والإسلام قائمة متصلة بأوثق الصلات وأقواها لا ينفك أحدهما عن الآخر فاللغة العربية هي لغة القرآن وجزء من ماهيته فلا تعد ترجمة القرآن قرآنًا ولا يتعبد بتلاوتها ولا يقرأ بها في الصلاة واللغة العربية هي لغة الصلاة فلا تصح بغيرها، ولذلك كان أول واجب على المسلم من غير العرب أن يتعلم من العربية ما يقرأ به في صلاته مع الفهم والتدبر وهي لغة مصدري الشريعة الأساسيين القرآن والحديث. ولذلك كانت لغة الفقه الإسلامي ولذلك كان لا بد لدارس الفقه والحديث من الإلمام أولًا باللغة وعلومها لأن كل دراسة لهذه المصادر دون معرفة للغة العربية بقواعدها وبيانها ومجازها وأصولها تكون دراسة خاطئة مقطوعة عن المصادر وتكون رجمًا بالغيب.
وهكذا نجد أن الصلة بين الإسلام آخر الأديان السماوية وبين اللغة العربية أفصح اللغات وأوضحها صلة قائمة دائمة. فلولا القرآن الكريم وحفظ الله تعالى له لضاعت اللغة العربية وأمحيت وتطورت إلى لهجات ولغات أخرى. كما هو شأن اللاتينية واللغات السامية وكما هو الأمر في العامية واللهجات المحلية، وبدون اللغة العربية ومعرفة قواعدها وأساليب بيانها لا يُفهم القرآن الكريم ولا يُدرك إعجازه ولا تُعرف أحكامه، ولذلك نرى العرب الأوائل الذين كانت الفصحى سليقة لديهم وفطرة أدركوا بسرعة إعجاز القرآن الكريم بمجرد سماعهم له وعلموا أنه فوق البيان الذي ألفوه أو يعرفونه فآمن منهم من آمن كعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنكر منهم من أنكر بعد أن اعترف «بأنه ليس من كلام البشر وأنه يعلو وما يُعلى وإن فيه لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق»..
ترى لو كان من أُنزل عليهم القرآن مثل أهل زماننا في الجهل باللغة وانتشار العامية واللحن والركاكة بينهم، هل كانوا يدركون إعجاز القرآن الكريم وسحر بيانه؟! طبعًا لا، ولنا مثل من الواقع المؤسف الذي نعيشه حيث نرى كثيرين من الطلاب والمثقفين وذوي المناصب الرفيعة لا يتقن أحدهم قراءة سطرين من القرآن الكريم دون خطأ وكثيرون لو قرأوه لا يفهمون معانيه ولا يدركون إعجازه.
وهذا هو بالضبط ما سعى إليه الاستعمار وأذنابه والشعوبية الحاقدة قبلهم وبعدهم وهو محو الفصحى من أذهان الناس ليبعدوهم عن القرآن الكريم والحديث والفقه وليجعلوا تفكيرهم تافهًا كلغتهم وليجعلوا منهم أشتاتًا متفرقين لا يفهم أحدهم على الآخر، كما هو الحال بالنسبة للعامية بين بلد وآخر..
هدف أعداء العربية:
والذين يهاجمون العربية وأساليبها وأدبها لا يصدرون إلا عن رغبتهم في الكيد للإسلام.. يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي عميد الأدب العربي الحديث بحق «ولن تجد ذا دخلة خبيثة لهذا الدين إلا وُجدت مثلها للغة» وفي هذا المعنى يقول أمير البيان شكيب أرسلان «منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمة لمبدأ الاستعمار الأوروبي. ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة أنها أقرب إلى الأفهام. ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها لا حُبًا باللغة والآداب ولكن علمًا باستحالة تنصل العرب من لغتهم وآدابهم ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط أن لا يكون ثمة قرآن ولا حديث وأن تكون الصبغة لا دينية».
ويروي الرافعي ما بلغه عن الشيخ إبراهيم اليازجي حين كلف بتصحيح ترجمة الأناجيل فرغب في تهذيب أسلوبها بما يزيل عجمة الإنجيل ويخلصه من فساد التركيب وسوء التأليف فأبوا عليه ذلك ومنعوه منه ثم يقول: «كنت أعرف ذلك وما فطنت يومًا إلى سببه حتى كانت قولة (الجملة القرآنية) وكان قد عابت عليه إحدى الصحف العربية التي تصدر في أميركا أن أسلوبه يعتمد الجملة القرآنية وأسلوب الحديث الشريف- كالمنبه عليه فرأيت القوم قد أثمرت شجرتهم ثمرها المر وخلف من بعدهم خلف أضاعوا العربية بعربيتهم وأفسدوا اللغة بلغتهم. ودافعوا الأقلام في أسلوب ما أدري أهو عبراني إلى العربية أم عربي إلى العبرانية. لا يعرفون غيره ولا يطيقون سواه. وما يؤكد فحوى هذا الخبر وهو عدم احتمال البعض اللغة الفصحى لكراهيتهم للقرآن الكريم قصة غريبة شبيهة رواها شكيب أرسلان في هذا الصدد عن أحمد فارس الشدياق «ذلك أنه كان يعرب التوراة في إنكلترا فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنكليزي تعلم شيئًا من العربية فكان كلما رأى للشدياق جملة تشتم فيها رائحة الفصاحة مسخها واستبدل بها جملة ركيكة فكان الشدياق يعجب بأمره ومن قلبه العالي بالساقط والجيد بالرذل تعمدًا ويصرح بأنه إنما يتوخى بذلك إبعاد الكلام عن شبه القرآن» ويخلص أرسلان في هذه القصة إلى أن فئة المتسترين خلف دعوات التجديد «لا تحارب اللغة العربية نفسها ولكنها تحارب منها القرآن».
عراقيل مزعومة:
وما كان هذا الشعور وقفًا على بعض غير المسلمين بل جاراهم فيه بعض المسلمين اسمًا ممن تتلمذوا على أيدي الاستعمار وقد رأينا أمثلة لهم في مقال سابق ولقد سلك هؤلاء طرقًا متعددة للطعن في اللغة بالتشكيك وإثارة الشبهات ووضع العراقيل والمثبطات النفسية أمام الدارسين لصرفهم عن الفصحى وفهمها ثم بنشر الأساليب الركيكة المنحطة ولقد كان من أشهر وأقوى دعاة هذا الأسلوب ذلك الأعمى الذي وصل إلى وزارة التربية في مصر وسماه أذناب الاستعمار عميد الأدب العربي زورًا وبهتانًا فهو يقول: «إن اللغة العربية عسيرة لأن نحوها ما زال قديمًا عسيرًا ولأن كتابتها ما زالت عسيرة»، ويقول: «إن معلم اللغة العربية الذي يستطيع أن ينهض بتعليمها كما ينبغي لم يوجد بعد فإن القديم لا ينتج إلا قديمًا مثله مادام التطور لم يمسسه» ويقول: «إن مشكلة اللغة العربية تأتي في نظره مما يضفي عليها رجال الدين من قداسة باعتبارها لغة دينية».
وما كنا لننقل هذه الغث من القول لولا أن قائله يعتبر مثلًا وأساسًا لكل الانحراف الذي تبعه في مصر وغيرها من فساد الأسلوب وكره اللغة العربية الفصحى ويستطيع كل عاقل أن يعرف مدى كذب الدكتور أعمى البصر والبصيرة عندما يرى أن كثيرًا من غير العرب في مختلف العصور وبين جميع الأمم يحفظون القرآن الكريم غيبًا ويقرؤونه بدون لحن أو خطأ وهذا لا مثيل له في أي كتاب. أو مدونة في العالم فلو كانت لغته صعبة قديمة كما يدعي لما حفظه أحد. فهل نرى أحدًا من الإنكليز أو غيرهم يحفظ آثار شكسبير مثلًا غيبًا ويقرأها كما يقرأ المسلمون القرآن ومثل ذلك قل في باقي الآثار والمدونات في اللغات الأخرى. ويظن طه حسين وأذنابه أنه جاء باكتشاف خطير بعد قرون طوال مارست فيها مصر وغيرها من دول العرب والإسلام بالعربية الفصحى فأنجبت خلال ألوف الشعراء والفقهاء والكتاب والعلماء في مختلف علوم العربية وفنونها ولقد تقهقرت العربية وعلومها وضعف أسلوبها في بعض الأحيان. ولكن الناس لم يعالجوا ذلك بإصلاح قواعد اللغة والكتابة. وإنما عالجوه بدارسة هذه القواعد وإتقانها فلم تلبث اللغة أن أسلست لهم القياد والنهضة العربية الإسلامية المعاصرة التي تبدو في قدرة الكتاب والطلاب والخطباء على التعبير بالكتابة في الصحف والكتب، وهذا الحرص على التعريب وإحياء التراث كل ذلك أصدق دليل على كذب دعوة «عميد الأدب العربي» المزعوم وفساد رأيه.
ويقول الرافعي رحمه الله في بيان أهمية اللغة وضرورة استقرار قواعدها: «ما هي اللغة؟ أفرأيت قط شعبا من الدفاتر قامت عليه حكومة من المجلدات وتملك فيها ملك المعجمات الضخمة؟! أم اللغة هي أنت وأنا ونحن وهي وهم وهن. فإذا أهملناها ولم نأخذ على حقها ولم نحسن القيام عليها، وجئت أنت تقول: هذا الأسلوب لا أسيغه فما هو من اللغة ويقول غيرك: وهذا لا أطيقه فما هو منها. وتقول الأخرى: أنا امرأة أكتب كتابة أنثى وانسحبنا على هذا نقول بالرأي ونستريح إلى العجز ونحتج بالضعف ويتخذ كل منا هواه مقياسًا يحد به علم اللغة في أصله وفرعه. فماذا عسى أن تكون لغتنا هذه بعد؟! وما عسى أن يبقى منها؟ وأين تكون نهايتها؟! ».
العربية هي لغة القرآن ووسيلة فهم الإسلام ونشره.
وبالضبط إن ما يريده أعداء الإسلام هو تضييع لغة الدين وتشويهها ليبعدا الناس عن الدين وفهمه من مصادره ولذلك نرى علماء الإسلام الأوائل والمحدثين يعتبرون علوم اللغة «آلة» للفهم. ولذلك كانوا يعلمون الطفل أول ما يعلمونه القرآن الكريم فيستقيم لسانه ثم يعلمونه علوم اللغة من قواعد وصرف وبلاغة ومنطق ومن ثم يعلمونه ما يتعلق باللغة في فهم الشريعة كالأصول والتفسير وبعد ذلك يستطيع إذا قرأ القرآن والحديث أن يفهم المراد منه وأن يستنبط منه الأحكام. ولأجل ذلك أيضًا نرى الدولة الإسلامية في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من بعده لم تستعمل غير اللغة العربية لغة لها. حتى إن جميع من أسلم من الأقوام غير العربية كانوا يتعلمون العربية حتى برزوا العرب فيها وكانت جميع تأليفهم التي هي أكثر من تأليف علماء العرب باللغة العربية. فالبخاري وأبو حنيفة وصلاح الدين والفيروزأبادي والزمخشري وسيبويه والرازي وألوف غيرهم جميعهم قد أتقنوا اللغة العربية وألفوا بها لا على أنها لغة العرب بل على أساس أنها لغة الإسلام ولا يجوز أن تنفصل عن الإسلام مطلقًا، فالإسلام واللغة العربية متلازمان ولا يجوز الفصل بينهما ولذلك لا تصح الصلاة بالإجماع بغير العربية كما لا تعتبر ترجمة القرآن قرآنًا معجزًا ولا يقرأ به في الصلاة علمًا بأن ترجمة القرآن غير ممكنة، وإنما ينقل معناه ولذلك جعل العلماء والفقهاء إتقان العربية وعلومها شرطًا لازمًا لصحة الاجتهاد. إذ كيف يتسنى لجاهل بها أن يتناول بالبحث والاستنباط القرآن والحديث ومفاهيمها ومدلولاتها وهو لا يملك الأداة لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف:2)، وقال: ﴿يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ (الدخان:58) ، وقال: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل:103) ، وقال تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43) ، أي أهل العلم والمعرفة والجاهل بالعربية ليس أهلًا لعلوم القرآن ومعرفة الحديث. وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء:83) ، وكيف يستنبط الأحكام ويفهمها من لا يعرف العربية ولا يتقنها..
ولذلك نستغرب أن يدعي البعض الاجتهاد وهو لا يعرف العربية.. وتنعقد حوله الآمال وتزدحم الركب وهو يفتي بغير علم وأولى به أن ينتسب إلى مدرسة ابتدائية ليتعلم اللغة العربية ويحصل بإتقانها على جواز المرور إلى فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما المصدران الأساسيان لكل مجتهد وباحث مسلم.
اللغة العربية أصبحت بالإسلام وسيلة لتوحيد الأمم:
وهكذا نرى أن اللغة العربية أحد الوسائل التي وحد بها الدين الإسلامي البشر فمنحهم وسيلة تفاهم وخطاب ودرس للكتاب عليها يجتمعون في الصلاة والحديث ومجالس العلم والقرآن وهذه كانت سمة المجتمعات الإسلامية الأولى.. فقد كانت العربية اللغة الرسمية للدولة الإسلامية على مدى العصور وما خالف في ذلك أحد إلا بعض فترات الضعف والانحراف في الدويلات الإقليمية الخارجة على مذهب أهل الحق..
ولم يكن الإسلام في ذلك داعي قومية أو عنصرية بل كان داعي توحيد وجمع على كتاب الله وإذابة لكل التفرقات التي تعارف عليها الناس في عقيدة الإسلام ولغة الإسلام، فالناطقون بالعربية ينتمون إلى هذه الأمة ويحملون هذه الرسالة السماوية التي بُعث بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس فمن بَعُدَ عن هذه المواهب فليس بأهل للعروبة ولو وُلد في بطحاء مكة. ومن تكلَّم بها عن إتقان ومعرفة وولاء للإسلام فهو عربي أصيل لا يعيبه لون ولا يؤخره جنس. روى الحافظ ابن عساكر قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هؤلاء الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل «يعني النبي صلى الله عليه وسلم» فما بال هذا وهذا؟ «مشيرًا إلى غير العرب من الجالسين». فقام إليه معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقاله. فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضبًا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخطبهم قائلًا: «يا أيها الناس إن العرب واحد وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي».
وهكذا فإن الإسلام إن كان يحمل العرب مسؤولية حمل الرسالة إلا أنه لا يفرق بينهم وبين باقي الناس ولكنه ينشر لغتهم؛ لأن الله تعالى اصطفاها لغة لكتابة وبعث بها آخر أنبيائه للناس جميعًا. ولا تطلق العروبة إلا على المتكلمين بها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن كثير عن معاذ بن جبل: «ألا إن العربية اللسان ألا إن العربية اللسان» بل ذهب إلى أبعد من ذلك فألحق آخرين من غير العرب ببيت النبوة فقال: «سلمان منا أهل البيت. وصهيب منا أهل البيت».
فالإسلام يمنح أتباعه وسيلة هامة من وسائل التوحيد بينهم باللغة الفصحى لغة الكتاب والسُّنّة، ولذلك لا يصح أن تبقى دولة إسلامية ولغتها الرسمية غير العربية، بل يجب على حكامها وعلمائها إن كانوا مسلمين حقًا أن ينشروا اللغة العربية في شعوبهم بسرعة وشمول لتصبح لغة المخاطبة والحديث والفقه. ولكي يقتربوا بشعوبهم من مصادر الإسلام ومن إخوانهم في بقية البلاد ولكي يفهموا ما يقولون وهم يصلون ويحجون. وإن الحكام الذين يكبتون العربية في بلادهم وهم يدعون الإسلام، إنما يكذبون في دعواهم وهم يشجعون شعوبهم على الرجوع إلى الإقليمية الضيقة والتراث الجاهلي ويبتعدون بهم عن جادة الحق. وهذا ما سعى إليه الكافر أتاتورك في محاولته الخائنة لفصل الشعب التركي عن جسد الأمة الإسلامية فحرم قراءة القرآن بالعربية وحرم الأذان وهجر الحروف العربية وألغى التعليم بها. وهلل لدعوته أذناب اليهود والاستعمار ولكن الله تعالى خيّب فأله وسعيهم ودام القرآن والأذان والصلاة والشعائر في تركيا وغيرها لا تخالف باقي المسلمين في شيء.. وما من موضع حل به المستعمرون الكفار إلا وسعوا إلى فرض لغتهم على المدارس والدوائر وقلصوا من تديس القرآن في المدارس والمعاهد وهونوا من شأن اللغة العربية ومدرسيها وأساتذتها وهدف كل ذلك محاصرة القرآن الكريم وعزله.
وإن الإذاعات المرئية والمسموعة في البلاد العربية وبخاصة الأقطار الإسلامية بعامة لتعمل عملها التخريبي في هذا المجال فمن النادر أن تسمع مذيعًا يضبط النطق العربي صرفًا ونحوًا وأكثر المذيعين يخاطبون المشاهدين باللهجة العامية أو بلكنة أجنبية.
ومن المهم جدًا أن نذكر المسؤولين الكبار بأنهم مسؤولون عن إلقاء خطبهم بالفصحى لأنهم قدوة لشعوبهم وإيثارهم العامية أو عدم التزامهم بالفصحى يؤثر في تلك أسوأ تأثير ويقتلون الفصحى قتلا وهو هدف حيوي للأعداء والمفروض فيهم إحباط أهداف العدو وخدمة القرآن ولغته..
وبعد فإن ما نخلص إليه من هذه الدراسة هو أن الإسلام والعربية متلازمان. وأن العربية الفصحى جزء من ماهية القرآن الكريم وهي لغة الإسلام وفقهه وفي الصلاة والعبادات. فمن يعادي العربية إنما هو يعادي الإسلام ومن يجهل ليس أهلًا لفهم كتاب الله وسُنّة رسوله. وبالتالي لا يصلح لأن يكون مجتهدًا أو داعية للإسلام. وإن العربية هي لغة الدولة الإسلامية الرسمية وهي لغة العلم والفقه وتعلمها واجب على كل مسلم. وتعليمها بشكل موسع فرض كفاية. وكل دعوة لعروبة من غير إسلام إنما هي كفر ونفاق. كما أن كل دعوة إلى الإسلام مع نبذ العربية إنما هي انحراف وشعوبية خبيثة..
وصلى الله على سيدنا محمد سيد العرب والعجم وعلى آله ومن تبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
كيف تكسب ود أخيك
إن كسب المودة واستمالة القلوب، من القيم الدينية التي تدعم روابط المجتمع وتشيع المحبة والتعاون بين الناس.
ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه» لقد أوجز عليه الصلاة والسلام أسباب المودة الصافية في ثلاث خصال، كل منها سهل يسير على من يسره الله، وهو مع ذلك عميق الأثر في النفوس.
وأول هذه الأسباب أن تسلم على أخيك إذا لقيته. هذه التحية الطيبة التي تصفي لك ود أخيك، وتسكب في نفسه الحب، وتشيع حوله الطمأنينة والسلام.
ولهذا كانت كلمة السلام هي أفضل تحية للمؤمنين حين يلقون ربهم يوم القيامة قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب:44) وبهذه التحية تستقبلهم الملائكة يوم الفزع الأكبر ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:32).
هذا واعلم أخي الحبيب أن للسلام آداب تزيد من جمال التحية، وتعمق أثرها في النفوس. واعلم كذلك أن إفشاء السلام لا يقتصر على من تعرف من الناس، لأنه إذا كان أثره فيهم تعرف أن يصفوا لك وده فإنه عند من لا تعرف يفتح لك قلبه ويكون سببًا من أسباب التعارف والتآلف، وسبيلًا إلى تكوين المجتمع الذي يسوده التعاطف والمودة والسلام هذا وقد يكون بين الإنسان وأخيه الإنسان جفوة أو خصام. وهنا تظهر قوة الخلق وسماحة النفس والتفاضل بين الناس «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ذلك لأنه أقوى إرادة وأصفى نفسًا وأنه قد تغلب على أسباب الخصومة ودواعي القطيعة مقابل الإساءة بالإحسان إن كان قد أسيء إليه. أو سعى إلى طلب الصفح إن كان هو الذي أساء إلى صاحبه وعن طريق المبادأة بالتحية يلتقي الاثنان في ظل المودة والسلام.
أما الخصلة الثانية التي أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم فهي أن توسع لأخيك في المجلس، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾(المجادلة:11)، وما تفعله أنت مع غيرك اليوم حين تفسح له مكانًا إلى جوارك بروح عطوف ونفس كريمة يفعله غيرك معك اليوم أو غدًا فيرتد إليك جميلك وتجني ثمار معروفك ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وهناك مرتبة أعلى من ذلك لمن أراد، هي مرتبة الإيثار وقد أثنى الله على قوم فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(الحشر:9)، ذلك لأن الشح داء يصيب النفس بالجدب والغلظة والشح لا يكون في المال وحده ولكن كذلك في الخلق والعاطفة. إن من الناس من يبخل بالكلمة الطيبة أو بالبسمة الرقيقة أو المجاملة التي لا تكلفه شيئًا أو لا تكلفه إلا اليسير لأن نفسه مريضة بداء الشح ولو تخلص من هذا الداء لطابت نفسه ولذاق لذة العطاء والصفاء حتى بالكلمة الطيبة أو البسمة الرقيقة.
وأما ثالثة الخصال التي تصفي لك ود أخيك فهي أن تدعوه بأحب أسمائه إليه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحرى لك الأسباب التي تكسب بها قلب أخيك وتقوي بها رابطة المحبة بينك وبينه ومن هذه الأسباب أن تدعوه بأحب أسمائه إليه. فلا تناديه بصفة تذكره بعاهة فيه أو بلقب يكرهه. إن الذي يؤذي شعوره ويثير في نفسه الحقد والمرارة والكراهية لك وللمجتمع. إنما يجب أن تدعوه بما يشعره بالمودة كأن تناديه: يا أبا فلان، إثارة لعاطفة الأبوة الحبيبة إلى نفسه أو تدعوه بما يشعره بالتكريم تقديرًا لمكانته وإشادة بفضله. فينفتح لك قلبه والمجاملة الكريمة تفسح له بها مكانًا إلى جوارك فينفسح بينكما مجال الحب والإخاء والنداء الجميل تعزف به على سمعة أحب الأسماء..
فيصل الثمار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل