; (الحلقة الحادية والخمسون) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة- موقف الحركة الوهابية في دولة الخلافة في عهد الأمير سعود | مجلة المجتمع

العنوان (الحلقة الحادية والخمسون) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة- موقف الحركة الوهابية في دولة الخلافة في عهد الأمير سعود

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 106

نشر في العدد 515

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 03-فبراير-1981

• الأمير سعود يدخل مكة المكرمة.. ويرسل رسالة أمان إلى أهلها.

• ثم يرسل رسالة إلى السلطان سليم يحدد فيها موقفه.

• ألغى الأمير سعود الضرائب التي كانت تقوم مقام المكوس.

 أما عن تصور الأمير سعود لدولة الخلافة، وموقفه تجاهها، فإن ذلك يحتاج إلى تمهيد نتعرف من خلاله على ما قد نحصل عليه من أقوال للأمير سعود، تشير إلى تلك العلاقة، ثم التعرف على أفعاله أيضًا مما له تعلق في هذا الصدد، كي نستطيع من خلال ذلك كله الوقوف على علاقة الأمير سعود ممثل الحركة الوهابية، أو بمعنى آخر ممثل الدولة السعودية الأولى بدولة الخلافة، ومن ثم تصويب ذلك الموقف أو تخطئته.

 أما أقواله فلن نجد أهم من رسالتين أرسلهما الأمير سعود أثناء دخوله مكة المكرمة.

 الرسالة الأولى: وقد وجهها إلى أهل مكة إثر سيره على رأس جيش ضخم، ضم قوات الدرعية وقبائل نجد، وبعض القبائل الحجازية وعثمان المضايفي وقواته، وسار زاحفًا على مكة في موسم الحج، ونزل بالعقيق، وانتظر حتى انتهى الموسم.

 وتلفت الشريف غالب لعله يجد نصيرًا ضد هذا الجيش الجرار، «والذي بلغ ۱۲۰ ألف مقاتل»، فلم يجد، وقد رأينا سابقًا محاولاته الفاشلة في الاستعانة بقوات من إستانبول، فلم يكن أمامه من بد في ترك مكة المكرمة في يد أخيه الشريف عبد المعين إلى جدة.

 فكتب الشريف عبد المعين إلى الأمير سعود كتابًا، يطلب فيه الأمان ويعلن طاعته، ويبدي كامل استعداده لتسليم مكة، على أن يبقى أمر شرافتها في يده.

 وحمل تلك الرسالة إلى الأمير سعود بعض علماء مكة أنفسهم، وهم الشيخ محمد طاهر سنبل، والشيخ عبد الحفيظ العجمي، والسيد محمد بن محسن العطاس، والسيد ميرغني.

 فاجتمع الوفد بالأمير سعود في معسكره في السيل، بين الطائف ومكة، فقبل الأمير ما عرض عليه الشريف عبد المعين، وزود الوفد بكتاب أمان عام لأهل مكة وعلمائها، وقاضيها الممثل للسلطان العثماني، وضمنها موافقته على بقاء الشريف عبد المعين في شرافة مكة.

 فلننظر إلى نص هذا الكتاب وما رافقه من أعمال، فإنه يكشف عما نريد التوصل إليه محتفظين بالتعليق فيما بعد «بسم الله الرحمن الرحيم»، من سعود بن عبد العزيز إلى كافة أهل مكة والعلماء والأغاوات وقاضي السلطان.

 السلام على من اتبع الهدى.

 أما بعد: فأنتم جيران الله وسكان حرمه آمنون بأمنه، إنما ندعوكم لدين الله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤)، فأنتم في وجه الله ووجه أمير المسلمين سعود بن عبد العزيز، وأميركم عبد المعين بن مساعد، فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام».

 وعلى أثر وصول وفد العلماء بكتاب الأمان في ۷ شهر محرم ۱۲۱۸ هـ - ۳۰ نیسان ۱۸۰۳م، صعد المنبر في الحرم الشريف الشيخ حسين مفتي المالكية في مكة، وقرأ كتاب الأمان على ملأ من الناس، وفي 8 محرم أول أيار دخل الأمير سعود مكة على رأس جيشه.

 ونلحظ في ابتداء الرسالة أنها موجهة إلى عناصر المجتمع المؤثرة بالإضافة إلى عموم أهل مكة، ومن ضمنهم قاضي السلطان الذي يمثل بمنصبه سلطان المسلمين في الأستانة. وهذا يعني أن خطاب الأمير سعود موجه إلى دولة الخلافة أيضًا، أو بمعنى آخر أخذ في الاعتبار تأثيره على دولة الخلافة، ثم يتبع ذلك بمنهج الدعوة الوهابية من خلال ذكر الآية الكريمة، وهي تعهد لنشر الدعوة وما يزمع الأمير سعود على تغييره بعد دخوله مكة المكرمة.

 ويرتب على مقدمة الكتاب والآية: أن أمن الحرم وأمنهم بعد توفيق الله ورعايته تحت مسئوليته، وإنه قادر على تحقيق ذلك، وقد باشر المسئولية فعلًا، فذكر لهم أنه عين الشريف عبد المعين أميرًا عليهم، وطلب منهم السمع والطاعة له ما أطاع الله -سبحانه- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 ومن هنا نستطيع أن نخرج بعدة مضامين من هذه الرسالة:

1- أن شريف مكة هو الذي طلب الأمان من الأمير سعود، وأرسل الوفد لهذا الغرض.

٢- أن رسالة الأمير سعود أخذت في الاعتبار جميع فئات مجتمع مكة المكرمة من عموم أهلها، وخاصة علمائها والأتراك الموجودين فيها، والذي عبرت عنهم كلمة الأغوات ثم قاضي السلطان العثماني.

٣- أنه جعل مسئوليته تجاههم مباشرة بعد الله -عز وجل-، فصلتهم به مباشرة.

٤- أنه باشر بخطوات التنفيذ، فأخبرهم بأنه عين عليهم الشريف عبد المعين أميرًا له حق السمع والطاعة عليهم.

 وأما رسالة الأمير سعود بن عبد العزيز إلى السلطان سليم، فقد جاءت في فترة حرجة بعد دخول الأمير سعود مكة فعلًا، واستتباب الأمن له، وبعد فراغه من كل ما أراد القيام به من تغییر.

 لقد جاءت رسالته لبيان الأمر الواقع فلننظر إلى نصها: محتفظين بالتعليق عليها فيما بعد: «بسم الله الرحمن الرحيم من سعود بن عبد العزيز إلى السلطان سليم، إني دخلت مكة، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية، وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقًا، وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقًا للشرع الإسلامي، فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين في شيء».

 وتلحظ في ابتداء هذه الرسالة أن الأمير سعود عبر عن سليم بالسلطان سليم، وفي ذلك أشعار للسلطان بأن الأمير سعودًا لا يقصد بفعله سلب هذا اللقب منه.

 ثم يذكر بعد ذلك أنه دخل مكة فعلًا، لكنه لم يغير فيها إلا ما يحتاج إلى تغيير وفق شرع الله -عز وجل-. فبدأ بإزالة ظواهر الشرك والبدع من أمثال القباب والأضرحة.

 ولم يخوف أهل مكة ومن فيها من حجاج بيت الله الحرام، بل أمنهم على أرواحهم وأموالهم، فلم يفاجئهم بالحرب بل انتظر انتهاء الموسم وأرسل لهم رسالة الأمان تطمينًا لهم.

 ثم بادر إلى إلغاء الضرائب التي كانت تقوم مقام المكوس، وكان الكثير منها دون مبرر مشروع، فكانت عبئًا على كواهل الناس، وأبقى منها ما لم يكن فيها ظلم ولا مخالفة لشرع الله.

 وإن القاضي الذي يحكم بالشرع، لم يغيره، وهو يمثل خليفة المسلمين فهو معين من قبله. 

 ثم يطلب أخيرًا من السلطان سليم أن يتدخل في منع بعض المنكر مما لا يدخل في اختصاص الأمير سعود، أو لئلا يؤدي تدخله فيه إلى مفاسد كبيرة، وذلك بمنع والي دمشق والقاهرة من اصطحاب الطبول والمزامير إلى بيت الله الحرام، وأن يكون حجهم وفق ما يقتضيه الشرع الحنيف.

 وبهذا نستطيع الخروج بعدة مضامين لهذه الرسالة، تعطينا بعض التوضيح لتصور الأمير سعود لدولة الخلافة، وبالتالي علاقته بها، ويمكن تلخيص تلك النقاط بالآتي:

١- أن الرسالة جاءت متأخرة بعض الشيء. 

٢- أنه بادر في رسالته بذكر صفة السلطان للسلطان سليم.

٣- بين الأعمال التي قام بها من هدم صور الشرك والبدع وتأمين الناس على أرواحهم وأموالهم، وإلغاء الجائر من الضرائب، وتثبيت القاضي الذي ولاه السلطان.

٤- طلب من السلطان منع والي دمشق والقاهرة من اصطحاب ما لا يقره شرع الله -عز وجل- من المزامير والطبول.

 ولقد ذكرنا هنا هاتين الرسالتين مجردتين من التعليق الذي يوضح العلاقة بين الأمير سعود ودولة الخلافة، مرجئين ذلك للمقال اللاحق بعد استعراض المواقف العملية التي قام بها الأمير سعود.

الرابط المختصر :