; بعد التصعيد النوعي لحماس؛ هل ستنقلب طاولة المفاوضات؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد التصعيد النوعي لحماس؛ هل ستنقلب طاولة المفاوضات؟

الكاتب خلدون إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

مشاهدات 137

نشر في العدد 1031

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

عمليات القسام ونقاط التحول في الانتفاضة

العمليات العسكرية ونقاط التحول

شكلت العمليات العسكرية الجريئة والناجحة والمكثفة التي نفذتها كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، في الأيام القليلة الماضية أكثر من نقطة تحول مفصلية:

1- تأتي في توقيت حساس: بداية «السنة السادسة للانتفاضة + عقد جولة المفاوضات الثامنة + ذكرى انطلاقة حركة حماس».

2- تطوير نموذج «المطاردة» إلى حرب عصابات مصغرة «اضرب واهرب». وهذا له انعكاساته على تطوير أداء الانتفاضة، وتطوير أساليبها، لدرجة يمكن فيها القول إن درجة العنف والعنف المضاد سيجعل من الطبيعة الميدانية للانتفاضة طبيعة «خطرة»، حيث إن هناك قتلًا يوميًّا: فلسطيني إسرائيلي أو العكس، أو فلسطيني ضد العملاء.

3- تطور نوعي في أساليب عمل حركة حماس. ويبدو أن هذه الحركة تدرجت، ومنذ بداية الانتفاضة، في أساليب المقاومة بشكل تصاعدي، فهي بدأت مع الجماهير الفلسطينية بالحجارة، وتنتهي الآن باستخدام السلاح الناري.

4- أن إعلان أكثر من مسؤول إسرائيلي «حالة الحرب» على حركة حماس، ثم على الانتفاضة، يدلل على عمق النقلة التي أحدثها دوي تلك العمليات.

استعراض المواقف الفاعلة

ولاستعراض العمليات المختلفة إزاء عملية الاستمرار الفلسطيني في المفاوضات يمكن لنا بداية أن نستعرض المواقف الفاعلة في العملية:

أولًا: الموقف الإسرائيلي

أعلن إسحاق رابين أن الإرهاب لن يثنيه عن البحث عن السلام والاستمرار فيه، وفي نفس الوقت عقد مجلس وزرائه مجلس حرب، وهو التوصيف القانوني الذي يمنع أي من الوزراء من الكشف عن تفاصيل ما يدور من مداولات. هذا الموقف الرسمي تجسيد للمواقف الحزبية والشعبية داخل المجتمع الإسرائيلي. فشارون يقترح إقامة «حكومة خلاص شعبي»... والحمائمي يوسي سريد يتطرف أكثر من المتطرفين. أما الموقف الشعبي فإن عنوان "الموت للعرب" هو المسموع في التجمعات السكنية الإسرائيلية. وهذا يشير إلى مدى الدور الهائل الذي أحدثه حادث اختطاف محدود لجندي، وهذا ما أثار الاضطراب والهلع من أدنى لأعلى مستوى في الدولة.

ثانيًا: موقف منظمة التحرير

التزمت منظمة التحرير صمتًا غير معتاد، وخاصة في حالة كهذه، حيث يقبع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة التي يجب على منظمة التحرير أن تنسب هذا الشعب إليها تحت إجراءات تعسفية وقمعية لم تحدث منذ سنوات، إضافة لقيام «إسرائيل» بسابقة تشكل خطورة على الشعب الفلسطيني وهي الإبعاد الجماعي. وقد واصل الوفد المفاوضات، وخوفًا من اللوم، امتنع في يومه الأخير، ولكن دون الإعلان عن شيء بخصوص العملية السلمية، وإرجاع الأمر لتونس.

ثالثًا: موقف الشارع الفلسطيني

كما أوردت وكالات الأنباء فإن هناك شعورًا بالبهجة وعودة الثقة سادت في الشارع الفلسطيني، إضافة للإعجاب بمنفذي العملية، في ظل جو من اليأس من محادثات السلام والتي لم تأت بأي نتيجة.

كيف تبدو العملية إزاء هذه المواقف؟

 

1- أعتقد أن إسرائيل ستتخذ خطوات قاسية ضد حركة حماس وضد الانتفاضة، تصل لإثارة الرأي العام الدولي، مع بقاء دعواها بأنها حريصة على السلام. ولعل قرار إبعاد أكثر من 400 فلسطيني غالبيتهم من حماس يعد خطوة من هذه الخطوات. مع أني أرى أن «أرضية السلام» التي تقوم على فكرة التعايش والتطبيع، قد تلاشت مع دعوات "الموت للعرب" وارتفاع منسوب الحواجز النفسية، وعقدة الكراهية، إلى درجات عالية. ثم إن إعلان الحكومة الإسرائيلية «حالة حرب» ضد الشعب الفلسطيني يثير تساؤلًا.. ما شكل هذا السلام الذي تسعى إليه «إسرائيل» في الوقت الذي تعلن فيه عن «حالة حرب»؟ ثم مع من ستعقد سلامها؟ ومن دلائل حسن نوايا إسرائيل في السلام بعد أن تعلن «حالة الحرب»؟ أم أن «حالة الحرب» هي وما تتضمنه شكل من أشكال حسن النوايا والبوادر السلمية الحسنة؟

2- أرى أن منظمة التحرير لن تنسحب من العملية السلمية برمتها، بقدر ما ستقوم باتباع تكتيك يحتوي التذمر الفلسطيني ويخفف من أزمتها التفاوضية مع «إسرائيل»، (وخاصة أنه وبعد مرور عام على المفاوضات لم تتمخض أي بادرة ولا إعطاء أي إنجاز؛ الأمر الذي كانت «م.ت.ف» قد طرحته على الدول المشاركة في عملية المفاوضات في اجتماع وزراء خارجية دول الطوق في بيت مري بلبنان قبل الجولة الأخيرة بتعليق المشاركة في هذه الجولة). وأعتقد أيضًا أن «م.ت.ف» ستصمت ما وسعها الصمت على عمليات ضرب إسرائيل لحماس، لأنها تنظر لها كخصم سياسي يخطف منها الشارع الفلسطيني في الداخل. وهنا وفي ظل جو التكهرب الذي يشهده الداخل سنكون أمام فريقين في المنظمة: الفريق الذي لا يجد مناصًا من الاستمرار في العملية السلمية، وذلك لاستحالة الخيارات الأخرى لديه والدخول في النفق المظلم طوعًا، وبالتالي سيناضل من أجل الاستمرار لأجل استمراره. وفريق يرى بأن الموقف على الأرض غدا بدرجة محرجة لا يستطيع معها إكمال مشواره، وهنا أتوقع أن يعلن بعض أعضاء الوفد المفاوض انسحابهم من العملية السلمية.

ولكن الشيء المؤكد الذي يستطيع المرء أن يجزم به هو حصول تطور حقيقي في طريقة أداء الانتفاضة، حيث قفز نموذج «المطارد» إلى مستوى صورة من حرب العصابات. وهذا الأمر يجعل الكيان الصهيوني يعيش حالة حرب حقيقية، مما يؤكد بأن هناك ساحة لا تتمتع بمواصفات سلام. وإذا ما أصر البعض في «م.ت.ف» على الاستمرار في العملية إلى اللانهاية، فإن مصيرهم السياسي غدا موضع نقاش، وخاصة إذا وضعوا أنفسهم قبالة الشارع الفلسطيني الذي غدت فيه حماس بشهادة المراقبين تتمتع بالدور الرئيسي، وخاصة أن هذه الحركة حاولت تجاوز خلافاتها مع «فتح» التي في الغالب كانت «فتح» تفتعلها. ولعل في تحريض السيد عرفات المتواصل على هذه الحركة ما يجرئ حركة «ميريتس» على أن تعرض على «م.ت.ف» تعاونها مع الحكومة الإسرائيلية لتصفية الخطر المشترك. وأن مما يثير الفزع أن تتعاطف بعض أطراف «م.ت.ف» مع مثل هذا الطرح، خاصة إذا علمنا أن هناك سوابق قامت بها بعض تلك الأطراف.

إنجازات حماس من التصعيد الأخير

ولعل الإنجاز الذي حققته حركة حماس من مجمل التصعيد الأخير ما يلي:

1- إبراز أن قلب طاولة المفاوضات ممكن وبسيط، وهو في متناول اليد طالما توفر القرار بهذا.

2- كسب ولاء الشارع والجماهير الفلسطينية في الداخل والخارج ووقوفها ضد الحل السلمي.

3- تحدي دولة إسرائيل في جهازها الأمني.

4- نقل الانتفاضة من رمزية الأطفال إلى «الجرأة» في المطالبة بالحق وانتزاعه.

وأخيرًا، يبدو أن الطاولة التي تتم عليها المفاوضات منذ أكثر من عام تتأرجح، وذلك لوجود ميزان غير متكافئ.. وتأتي عمليات حماس الأخيرة لتترجم شفافية تلك الطاولة، ولتقلبها على من فيها. إلا أن بعض الأطراف ستبقى تتعلق بهذه الطاولة رغم كسرها وعرجها لأنها لا تملك غير ذلك.




 

الرابط المختصر :