; النص القرآني السادس أمثال القرآن حق وصدق | مجلة المجتمع

العنوان النص القرآني السادس أمثال القرآن حق وصدق

الكاتب عمر الأشقر

تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1919

نشر في الصفحة 50

السبت 18-سبتمبر-2010

 

لما عجز أعداء الإسلام عن الإتيان بمثل أصغر سورة من سور القرآن أثاروا الشبه للتشكيك بالقرآن، فقد زعم أعداء الله أن الله أعزّ وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، كضرب المثل بالذي استوقد نارًا، وآخر بالصيب النازل من السماء، وفي مواضع أخرى ضرب الأمثال بالذباب، وبيت العنكبوت، فرد الله عليهم في ذلك كله بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: ٢٦).

 

سورة البقرة (9)

«المؤمنون» الصادقون يسارعون إلى الإيمان بما أنزل الرحمن ويطردون وساوس الشيطان عندما تبلغهم أمثال القرآن.

الإقرار بإضلال الله من يشاء من عباده وهداية من يشاء.. يؤكد توحيدنا لله.

أولًا: آيات هذا النص من القرآن الكريم ﴿إنَّ الله لاَ يَسّتْحيِيِ أن يَضربَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَة فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مثلًا يُضل به كثيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ به إلا الْفَاسقيِنَّ. الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مَنْ بَعْدِ ميثاقه ويَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ أَوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 26,27). 

١- الله - سبحانه - لا يستحيي من ضرب المثل الصغير أو الكبير قرر مطلع هذا النص أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها والبعوضة حشرة معروفة، لها جناحان تطير بهما، وهي من أصغر المخلوقات وأضعفها وقوله: ﴿فَمَا فَوْقَّهَا﴾، أي ما هو أكبر منها كالذباب والنمل والعنكبوت.

ولا يعيب الكلام في لغة العرب أن تضرب الأمثال بأقل الأشياء، وقد ضربوا الأمثال بالذرة والذباب والقراد، فقالوا: «أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب وأسمع من قراد، وقد ضربت الأمثال في التوراة والإنجيل الموجودين بأيدي اليهود والنصارى اليوم بالأشياء المحقرة، ففي التوراة ضرب المثل بالعوسج، والأرز، والكرم والنسر، ومن أمثال الإنجيل الحنطة والزوان، وحبة الخردل والخميرة، والبذار والخروف الضال، وشجرة التين، وغيرها كثيره (راجع: قاموس الكتاب المقدس: ص ۸۳۸).

وقد أجاد سيد قطب يرحمه الله تعالى في بيان معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، فقال: «الله رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل إنها معجزة الحياة معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله، على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شانه الاستحياء من ذكره والله - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب وامتحان النفوس ﴿فَأَّمْا الذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقِّ مِن رَّبِّهِمْ﴾

ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل يصدر عنه بما يليق بجلاله، وبما يعرفون من حكمته، وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم، وحساسية في أرواحهم وتفتحا في مداركهم واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله». (في ظلال القرآن: ٥٠/١)

﴿وأمَّا الذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مثلًا يُضلُ بِهِ كثْيرُا وَيَهْدي بِهِ كَثيَّرًا﴾ 

يخبرنا ربنا تبارك وتعالى أن الذين كفروا يتساءلون قائلين: ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟! وهو قول فيه استغراب وتعجب عن الأمثلة التي نسبها محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ويقول الله في الجواب: ﴿يُضِل بِهِ كثيرًا وَيَهْدِي به كثيرًا وَمَا يُضِل بِهِ إلاْ الفّاسَقِينَ﴾.

٢- التعريف بالفاسقين الذين يضلون بالأمثال:

والضلال: العدول عن الصراط المستقيم الذي عرفنا به رب العالمين كالكفر والشرك، وترك ما أوجبه الله، والعمل بمعاصيه، و«الفسق» في لغة العرب: الخروج عن الشيء، وهو في استعمال الشرع الخروج عن طاعة الله، وقد يكون خروج كفر كالذين يكفرون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقد يكون خروجا ليس بكفر كمن ارتكب بعض المحظورات أو ترك بعض الواجبات غير مستحل لها، وأراد بالفاسقين هنا الكفار؛ لأنه وصفهم بوصفهم، وقد وصف الفاسقين الذين يضلون بهذه الأمثال التي ضربها الله في كتابة بثلاث صفات:

الأولى: نقضهم عهد الله من بعد ميثاقه، وأصل العهد في لغة العرب حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال. (المفردات: ٣٥٠)

وهو في الشرع ما عهد الله به إلى رسله وأنبيائه وأتباعهم، وقد ذكر من ذلك الكثير من عهوده للأولين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(طه: 115)، ﴿وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهَرَا للطائفين والْعَاكفِيِن والرّكِع السَّجُوِد﴾ (البقرة: 125)، ﴿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾(يس: 60,61).

ونقض العهود إبطالها، وأصل النقض في لغة العرب أن يفسد المرء ما قام بفعله، كأن يهدم ما بنى، وينقض ما غزل: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (النحل: ٩٢).

و الميثاق»: عهد مؤكد بيمين ومنه الميثاق الذي أخذه يعقوب على أولاده عندما أراد أن يرسل معهم أخاهم يوسف يرتع ويلعب: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾ (يوسف: ٦٦)، ومنه الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل بعبادته وحده لا شريك له: ﴿وإذَّ أخَذَنَا ميِثَاقَ بنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ (البقرة: ۸۳). 

الصفة الثانية: قطعهم ما أمر الله به أن يوصل من بر الوالدين وصلة الأرحام وحقوق الإخوان، ونحو ذلك. 

الصفة الثالثة الإفساد في الأرض، بفعل الذنوب والمعاصي، وأعظمها الكفر والشرك، والفساد في الأرض ألوان شتى، تتبع كلها من الفسق عن كلمة الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ورأس الفساد في الأرض هو الحيدة عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها». (في ظلال القرآن: ٥٢/١).

والفاسقون الذين حدثنا عنهم خاسرون ﴿أوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ خاسرون في الدنيا باتباعهم الباطل، وخاسرون في الآخرة، ﴿إنّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وأَهَليهِمّ يَوُمَ الّقِيِامْة (الزمر). ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ.  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر: 1,2,3).


 

ثانيًا: ما تهدي إليه هذه الآيات من علم وعمل

وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق وخاصة عهودنا ومواثيقنا مع الله تبارك وتعالى.

استحباب ضرب الأمثال في الدعوة إلى الله لبيان الحق وتوضيحه.

إذا تدبرنا آيات هذا النص وجدناها تهدينا إلى ما يأتي من علم وعمل: 

١- من صفات الله تبارك وتعالى أنه حيي كريم، كما في الحديث عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل يديه أن يردهما صفرًا خائبتين». (الترمذي في سننه ٣٥٥٦. وقال فيه: حسن غريب. وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي: ۳۸۰۹. وانظره في صحيح ابن ماجه ٣٨٦٥).

ولكن الله لا يستحيي من الحق ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ﴾ (الأحزاب: ٥٣). وفي الحديث: أن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأت الماء (البخاري ۲۸۲، مسلم: ۳۱۳). ومن جملة ما أعلمنا الله به أنه لا يستحيي من ضرب الأمثال، فإن ما يضربه من الأمثال حق. 

وفي هذه النصوص كما يقول ابن جزي في (التسهيل: ٤٢/١) رد على الذين يزعمون أن الحياء مستحيل على الله، لأن الحياء عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر وليس كذلك، فالحياء كرم وفضيلة يمنع من الوقوع فيما يعاب. 

وحياء الله كرحمته وعلمه وقدرته وبقية صفاته، يناسب كماله ولا يشبه شيئا من صفات خلقه.

۲- استحباب ضرب الأمثال في الدعوة إلى الله لبيان الحق وتوضيحه. 

3- كشف الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام والرد عليها، فقد رد الحق تبارك وتعالى مقالة الذين استعظموا ضرب الله الأمثال بالنملة والعنكبوت والنار ونحوها. 

4- المؤمنون الصادقون يسارعون إلى الإيمان بما أنزل الرحمن، ويطردون وساوس الشيطان عندما تبلغهم أمثال القرآن أما الذين كفروا فيستنكرون ذلك ويستبعدونه. 

5- الشيء الواحد كالأمثال المضروبة تضل الكافرين وتهدي المؤمنين والإقرار بإضلال الله من يشاء من عباده، وهداية من يشاء، هو من توحيد الله، فالله على كل شيء قدير، والذين يزعمون أن إضلال العباد غير مقدور لله، اتخذوا إلهين من دون الله واتهموا الله بالعجز.

٦- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق وخاصة عهودنا ومواثيقنا مع الله تبارك وتعالى.

الرابط المختصر :