العنوان الافتتاحية.. تحديات السلام في المفاوضات العراقية الإيرانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 57
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 10-يوليو-1990
شهد قصر الأمم
المتحدة بجنيف يوم الثلاثاء الماضي استئناف مفاوضات السلام بين العراق وإيران بعد
انقطاع شارف على العامين..
ونقلت وكالات الأنباء تصريحات رئيسي الوفدين عقب
اللقاء المباشر بينهما والتي تركزت حول الأجواء الإيجابية والتفاهم حول المسائل
الرئيسية حتى لا تعصف بإمكانية تحقيق التقدم نحو السلام الشامل.
وقد لاحظ
المراقبون تجنب التصريحات لقضايا الخلاف والاكتفاء بإبراز حيثيات التفاهم، كما سار
على ذات السياق الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كويلار.
ويتم تطابق
البيانات الصادرة في أعقاب الجولة الحالية على معززات أساسية نحو السلام في
المنطقة، وتأتي جولة المفاوضات في جنيف بين وزراء خارجية العراق وإيران بعد
اتصالات عديدة من أجل عقد لقاءات مباشرة بين مسؤولي البلدين، وشارك في تلك
الاتصالات دول صديقة، كما شاركت فيها الأمانة العامة للأمم المتحدة عن طريق
مندوبها يان إلياسون..
غير أن هذه الملاحظة لا تنم عن تمنع من قبل طرفي
النزاع بقدر دلالتها على حرص الجانبين على تحقيق تقدم واضح نحو سلام شامل ومشرف
ودائم... حيث إن الدعوة لإلقاء غلالات الماضي والالتفات الجاد للقضايا المحدقة
بالأمة يحتم طرق مسائل الخلاف ومعالجتها بشكل يتناسب والتحدي العالمي والإقليمي
المطروح..
فالعراق وإيران
يدركان حاليًا وأكثر من أي وقت مضى حجم التآمر الدولي على المنطقة والأمة
الإسلامية قاطبة، وإلى ذلك أشار الرئيس صدام حسين أكثر من مرة مبينًا أن أيد كبيرة
لعبت أدوارًا مزدوجة في تأجيج نار الحرب العراقية-الإيرانية، وسعت بكل قدراتها
لتطويل أمدها، وهو ما أدركته القيادة الإيرانية من خلال تعاملها مع الغرب، والسعي
التآمري في هذا الشأن بين بلدين يحسب لهما الغرب الصليبي أيما حساب، لن يكون
مستغربًا، بل الغرابة أن لا يسعى الغرب إلى تدمير تلك القوى الإسلامية الصاعدة
والمتطلعة لبناء مستقبل متحرر من ربقة التبعية والاستلاب الحضاري... في ذات الإطار
تأتي التهديدات الإسرائيلية وأطماعها في إقامة إسرائيل الكبرى وهو مشروع له
محدداته وتقويمه وإمداداته وليس وليد نزوة سلطوية حادثة، ولذا فإن عناصر تحقيقه
تتضارب رأسيًا مع وجود قوى سياسية نافذة في المنطقة العربية والإسلامية، كما أن
قيام ذلك الحلم يقتضي غيابًا جزئيًا أو كليًا للقوى الاستراتيجية بدءًا من دول
الجوار وانتهاءً بأقصى دولة تشهد أن لا إله إلا الله، ونذكر هنا بالتهديد الصهيوني
لقصف المفاعل النووي في باكستان والتهديد ما زال قائمًا، وهو لا يقتصر على باكستان
وحدها وإنما يمتد ليدمر كل قوة يمكن أن تتطور لتشكل مستقبلًا وحضورًا منافسًا
ومنازعًا للوجود الصهيوني في المنطقة... وإدراك هذه الحقيقة جلِيٌّ وواضح في ذهنية
القيادة العراقية ذات التجارب المتراكمة في إشكالات وحدة الأمن وكليته المتلازمة،
وهو في ذات الوقت هدف-الأطماع الإسرائيلية-تعلم إيران خطورته ومساسه المباشر
لأمنها وعقيدتها... ويبقى من الموجبات الدافعة لتحقيق السلام استجماع القوى من أجل
إعادة التعمير وتحقيق التنمية في بلدي النزاع بعد أن أذهبت الحرب وأجواؤها قسطًا
وافرًا من إمكانيات النمو، والسعي في هذا المضمار وثيق الصلة بتحقيق الأمن القومي
والإقليمي، ولعل الإشارة إليه في إطار ضرورات السلام تستوعبها نوعية أقْفِزَة
التحدي المطروحة بين أركان المنطقة العربية والإسلامية، حيث كشرت الدول الكبرى عن
أنياب الحقد ضد امتلاك دول المنطقة التقنية المتقدمة بدءًا بالصناعات الحربية
الثقيلة وانتهاءً بامتلاك الغذاء، والصحة الإعلامية ونوايا المنع تجاه بعض المواد
التي أقامها الغرب مؤخرًا ضد العراق أكبر من الإشارة والتدليل عليها.
وبالرغم من
الصعوبات التي تحيط بإشكالات النزاع والقضايا الخلافية إلا أن تحدي السلام يعتبر
في المرحلة الآتية تحديًا حضاريًا يمس وجود ومستقبل البلدين بشكل مباشر ومؤثر،
وأعداء الأمة على يقين من هذا الأمر وخشيتهم وتخوفهم بادٍ ومعلن، فقد ذكرت أكثر من
مطبوعة غربية في الآونة الأخيرة عن تخوف الدول الغربية من حدوث تطور إيجابي في
العلاقات العراقية الإيرانية يصل إلى درجة التعاون وما يستتبع ذلك من بروز قوى
سياسية واقتصادية واستراتيجية جبارة في المنطقة مما يفرز وضعًا صعب التعامل وفقًا
لأسس السياسات الغربية في المنطقة. والغرب عندما يعبر عن تخوفه بهذا النحو المعلن
فإنه بالضرورة يحسب حساباته لخلخلة الأوضاع المنسقة حتى لا تصل لنتائجها الطبيعية
وإمكانية الحيلولة عن تلك الأهداف تبدأ بزرع الفتن بين الجانبين: العراقي،
والإيراني ما أمكن وإن لم تكتمل صورة السيناريو على ذلك الوجه فإن زرع الإشكالات
الجانبية وتشاغل الأطراف بقضايا ومسائل داخلية وإقليمية يصبح بندًا لازمًا، هذا في
الوقت الذي تعمل أوروبا الغربية وحليفتها الولايات المتحدة على جمع الشمل تنسيقًا
وتكاملًا ووحدة وعلى كل المستويات، مما يقتضي معه تفهمًا واعيًا لحيثيات الآتي والحاضر.
لعل الخطوات
التي تولدت عن لقاء جنيف الأخير تؤكد جدية البلدين في اقتلاع أسباب النزاع لا سيما
وأن الطرح يكاد يتطابق بعد الاتفاق على أن القرار رقم 598 يعتبر إطارًا جيدًا
للمفاوضات المباشرة وقد اقترح الوفد العراقي وضع صيغة موحدة عراقية-إيرانية لتحديد
كيفية تطبيق القرار 598 وتكون بمثابة مذكرة تفسيرية يتحاشى معها نقاط الغموض في
الفهم والتطبيق، والاقتراح العراقي سبق وأن طرحه الرئيس صدام حسين في رسالة منه
للرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني، وعلى ما يبدو من أقوال المراقبين فإن أجواء الود
التي طغت على محادثات جنيف تبشر بإمكانية واسعة لتحقيق السلام بين البلدين. وقد
أشار أحدهم-دبلوماسي غربي- إلى أن دور الأمم المتحدة وأمينها العام سيتقلص كثيرًا
نظرًا لحجم التقدم في التفاهم بين الجانبين، وأيًا كان فإن روح التفاؤل لا تجعلنا
في حالة تغافل على تراكمات حرب السنوات الثماني الواقعة والمصطنعة... غير أن جدية
البلدين في تحقيق السلام ليست موضع جدل وهو إدراك متقدم لما يحيق بهما وبالأمة
الإسلامية من مؤامرات دولية لئيمة... ويبقى أن نشير إلى الأدوار التي قامت بها
الدول الإسلامية وشعوبها من خلال المنظمات الرسمية والشعبية ومساعي الشخصيات الإسلامية
المرموقة تفهمًا منها لخطورة تفاقم النزاع من جانب وضرورة تحقيق السلام من جانب
آخر وتبقى الآمال تحيط بخطوات السعي الإيجابي والتصدي لتحدي السلام الذي يجد أملًا
إسلاميًا وعربيًا لصيق الصلة بالتقدم والتحرير والأمن الشامل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل